نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِۦ وَأَجۡمَعُوٓاْ أَن يَجۡعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمۡرِهِمۡ هَٰذَا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (15)

فكأنه قيل : إن هذا لكيد{[40673]} عظيم وخطب جسيم ، فما فعل أبوهم ؟ فقيل : أجابهم إلى سؤلهم{[40674]} فأرسله معهم { فلما ذهبوا } ملصقين ذهابهم { به وأجمعوا } أي كلهم ، و{[40675]} أجمع كل واحد{[40676]} منهم بأن عزم عزماً صادقاً ؛ والإجماع على الفعل : العزم عليه باجتماع{[40677]} الدواعي كلها { أن يجعلوه } والجعل : إيجاد ما{[40678]} به يصير الشيء على خلاف ما كان عليه ، ونظيره التصيير والعمل { في غيابت الجب } فعلوا ذلك من غير مانع ، ولكن{[40679]} لما كان هذا الجواب في غاية الوضوح لدلالة الحال عليه ترك{[40680]} لأنهم إذا أجمعوا عليه علم أنهم{[40681]} لا مانع لهم منه ؛ ثم عطف على هذا الجواب المحذوف لكونه في قوة الملفوظ قوله : { وأوحينا } أي بما لنا من العظمة { إليه } أي إلى يوسف عليه الصلاة والسلام .

ولما كان في حال النجاة منها بعيدة{[40682]} جداً ، أكد له قوله : { لتنبئنهم } أي لتخبرنهم إخباراً عظيماً على وجه يقل وجود مثله في الجلالة { بأمرهم هذا } أي{[40683]} الذي فعلوه بك { وهم لا يشعرون } - لعلو شأنك وكبر{[40684]} سلطانك وبعد حالك{[40685]} عن أوهامهم ، ولطول العهد المبدل للهيئات المغير للصور والأشكال - أنك{[40686]} يوسف - قاله{[40687]} ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والحسن وابن جريج{[40688]} على ما نقله الرماني ؛ والشعور : إدراك الشيء مثل الشعرة في الدقة ، ومنه المشاعر{[40689]} في البدن ، وكان يوسف عليه الصلاة والسلام حين ألقوه في الجب ابن{[40690]} اثنتي عشرة{[40691]} سنة - قاله الحسن ، قالوا : وتصديق هذا أنهم{[40692]} لما دخلوا عليه ممتارين دعا بالصواع فوضعه على{[40693]} يديه ثم نقره فطن ، فقال : إنه ليخبرني{[40694]} هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف ، وكان أبوكم{[40695]} يدنيه{[40696]} دونكم ، وأنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة{[40697]} الجب وقلتم لأبيكم : أكله الذئب .


[40673]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: الكيد.
[40674]:في ظ: سؤالهم.
[40675]:سقط من م ومد.
[40676]:زيد من ظ.
[40677]:في ظ: بالاجتماع.
[40678]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: مما.
[40679]:سقط من ظ.
[40680]:في مد: لا ترك.
[40681]:في م: أنه.
[40682]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: بعيد.
[40683]:سقط من م ومد.
[40684]:في م: كبرياء.
[40685]:في ظ: ذلك.
[40686]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: لأنك.
[40687]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: قال.
[40688]:راجع أيضا البحر 5/288 والدر المنثور- تفسير الآية المعنية.
[40689]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: الشاعر.
[40690]:من م، وفي الأصل و ظ: اثني عشر، وفي مد: اثني عشرة.
[40691]:من م، وفي الأصل و ظ: اثني عشر، وفي مد: اثني عشرة.
[40692]:من ظ و م ومد والبحر، وفي الأصل: إنه.
[40693]:من ظ و م ومد والبحر، وفي الأصل: بين.
[40694]:من م ومد والبحر، وفي الأصل و ظ: ليبخرني.
[40695]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: أبوه، وليس في البحر.
[40696]:من م و البحر، وفي الأصل و ظ ومد: يدينه.
[40697]:زيد من البحر.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِۦ وَأَجۡمَعُوٓاْ أَن يَجۡعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمۡرِهِمۡ هَٰذَا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (15)

قوله تعالى : { فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أي لما أخذوه من أبيهم يعقوب وعزموا بعد ذلك على إلقائه في البئر ، وجواب لما محذوف ، وتقديره : فعلوا ما فعلوه من الأذى ؛ فقد روي أنهم لما برزوا به إلى البرية وغاب يعقوب عن أبصارهم أظهروا له العداوة وشرعوا يؤذونه بالفعل من ضرب وطعن ونحوهما . وكذلك يؤذونه بالقول من شتم وإهانة ونحوهما ، وهو يستعطفهم عليه ويذكرهم الرحم ووصية أبيه لهم بالرفق به ، لكنهم ظلوا سادرين في إيذائه والنيل منه حتى جاءوا به إلى الجب الذي اتفقوا على رميه فيه فربطوه بحبل ودلوه فيه ، فكان إذا لجأ إلى واحد منهم لطمه وشتمه ، وإذا تشبث بحافات البئر ضربوا على يديه ثم قطعوا به الحبل من نصف المسافة فسقط في الماء فغمره فصعد إلى صخرة تكون في وسطه فقام فوقها .

قوله : { وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } وهذا يدل على نبوته في ذلك الوقت . وبذلك أعطى الله يوسف النورة وهو في الجب على حجر مرتفع عن الماء وكان ابن اثنتي عشرة سنة ، وقيل : تسع سنين . وقيل غير ذلك ؛ فقد أوحي الله إلى يوسف وهو في تلك الحال من الضيق والخوف والوحشة تطيبا لقلبه وتثبيتا كيلا يحزن ولا يبتئس مما أصابه ومما هو فيه من كيد إخوته الظالمين الآثمين الذين تفجر الحسد في قلوبهم فاستحوذ عليها أيما استحواذ ففعلوا ما فعلوا . فهان عليهم إيمانهم وغاضت في نفوسهم علائم الرحمة والإشفاق .

لقد أوحي الله إليه وهو في حاله هذه أنه جاعل له فرجا ومخرجا ، وأنه كاشف عنه السوء والبأساء ، وسيكتب الله له النصر والعزة وعلو الشأن ، ولسوف يحدث إخوته بكل ما فعلوه به من وجوه المكر والإيذاء ، { وهم لا يشعرون } أيلا يشعرون بما يخبرك به الوحي ، أو لا يشعرون بأنك يوسف وذلك لدى دخلوهم عليه وهو في مصر ؛ إذ يعرفهم وهم له منكرون . لقد أوحي الله إلى جبريل عليه السلام أن أدرك عبدي ، فأسرع غليه جبريل حتى أقعده على الصخرة سالما . وكان ذلك الجب مأوى الهوام من الحشرات السامة والحيات . وفي هذا الموقف الكئيب الموحش يلجأ يوسف إلى ربه يسأله الخلاص والفرج ويشكو إليه ما فعله به المعتسفون الحاسدون ، ويدعوه بهذا الدعاء الذي علمه إياه جبريل : الله يا مؤنس كل غريب ، ويا صاحب كل وحيد ، ويا ملجأ كل خائف ، ويا كشاف كل كربة ، وعالم كل نجوى ، ويا منتهى كل شكوى ، ويا حاضر كل ملأ ، يا حي يا قيوم ، أسألك أن تقذف رجاءك في قلبي ، حتى لا يكون لي هم ولا شغل غيرك ، وأن تجعل لي من أمري فرجا ومخرجا . إنك على كل شيء قدير . فقالت الملائكة . إلهنا ، نسمع صوتا ودعاء ، الصوت صوت صبي ، والدعاء دعاء نبي ! {[2211]} .


[2211]:تفسير القرطبي جـ 9 ص 144 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 471 وتفسير النسفي جـ 2 ص 214 وفتح القدير جـ 3 ص 12.