ولما كان المحقق أنه ليس بعد الإيصال في الاستدلال إلى الأمر المحسوس إلا العناد ، أعرض عنهم ملتفتاً إلى الرؤوف بهم الشفيق عليهم ، فقال مسلياً له صلى الله عليه وعلى آله وسلم : { إن تحرص على هداهم } فتطلبه بغاية جدك واجتهادك { فإن الله } أي الملك الأعظم { لا يهدي } أي هو بخلق الهداية في القلب - هذا على قراءة الكوفيين بفتح الياء وكسر الدال ، ومن هاد ما بوجه من الوجوه على قراءة الجمهور بالبناء للمفعول { من يضل } أي من يحكم بضلاله ، وهو الذي أضلهم فلا يمكن غيره أن يهديهم لأنه لا غالب لأمره ؛ وقرىء شاذاً بفتح الياء من ضل بمعنى نسي ، أي فلا تمكن هداية من نسيه ، أي تركه من الهداية ترك المنسي فإنه ليس في يد غيره شيء ، ونقل الصغاني في مجمع البحرين أنه يقال : ضل فلان البعير أي أضله ، والضلال عند العرب سلوك غير سبيل القصد ، فالمعنى أنه كان سبباً لسلوك البعير غير المقصود ، فمعنى الآية : لا تهدي من يضله الله - بفتح الياء ، أي يكون سبباً لسلوكه غير سبيل القصد ، فلا تحزن ولا يضق صدرك من عدم تأثرهم بنصحك وإخلاصك في الدعاء ، ولا يقع في فكرك أن في دعائك نقصاً ، إنما النقص في مرائيهم العمياء ، وليس عليك إلا البلاغ . وقوله تعالى - : { وما لهم } أي هؤلاء الذين أضلهم الله وجميع من يضله { من ناصرين * } أي ينصرونهم عند مجازاتهم على الضلال ، لينقذوهم مما لحقهم عليه من الوبال ، كما فعل بالمكذبين من قبلهم - عطف على نتيجة ما قبله ، وهو فلا هادي لهم ما أراد الله ضلالهم ، وتبكيت لهم وتقريع وحث وتهييج على أن يقوموا بأنفسهم ويستعينوا بمن شاؤوا على نصب دليل ما يدعونه من أنهم أتبع الناس للحق ، إما بأن يبرهنوا على صحة معتقدهم أو يعينوهم على الرجوع عنه عند العجز عن ذلك ، أو يكفوا عنهم العذاب إذا حاق بهم .
قوله : ( إن تحرص على هداهم فإن لله لا يهدي من يضل ) أي إن تطلب بجهدك وبالغ اهتمامك هداية هؤلاء الضالين المشركين ؛ فإن الله لا يهدي ولا يرشد من أضله . ونظير ذلك قوله تعالى : ( من يضلل الله فلا هادي له ) وهذا إخبار من الله لرسوله ( ص ) بأن حرصه الشديد على هداية قومه المشركين لا ينفعهم إذا كان الله قد أراد إضلالهم ، فمن أضله الله فإنه ليس من أحد يهديه .
قوله : ( وما لهم من ناصرين ) الناصر والنصير بمعنى المعين ؛ أي ليس من أحد غير الله من يعين هؤلاء الضالين الظالمين ، أو ينقذهم من عقاب الله إن أراد الله أن يعذبهم{[2526]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.