ولما كان هذا من العجائب التي تضاءل عندها العجائب{[45557]} ، والغرائب التي تخضع لديها الغرائب ، وإن صارت مألوفة بكثرة التكرار ، والتجلي على الأبصار ، هذا إلى{[45558]} ما له من الآيات التي تزيد على العد ، ولا يحصر بحد ، من خلق السماوات والأرض ، واختلاف الليل والنهار ، وتسخير الشمس والقمر والكواكب - وغير ذلك ، حقر آية أصحاب{[45559]} الكهف - وإن كانت من أعجب العجب - لاضمحلالها في جنب ذلك ، لأن الشيء إذا كان كذلك كثر ألفه فلم يعد عجباً ، فنبه على ذلك بقوله {[45560]}تعالى عطفاً على ما تقديره{[45561]} : أعلمت أن هذا وغيره من عجائب قدرتنا ؟ : { أم حسبت } {[45562]}على ما لك من العقل الرزين والرأي الرصين{[45563]} { أن أصحاب الكهف } أي الغار الواسع المنقور في الجبل كالبيت { والرقيم } أي القرية أو الجبل { كانوا } هم فقط { من ءاياتنا عجباً * } {[45564]}على ما لزم من تهويل السائلين من الكفرة من اليهود والعرب{[45565]} ، والواقع أنهم - وإن كانوا من العجائب - ليسوا بعجب بالنسبة إلى كثرة آياتنا ، وبالنسبة إلى هذا العجب النباتي{[45566]} الذي أعرضتم{[45567]} عنه بإلفكم{[45568]} له من كثرة تكرره فيكم ، فإنه سبحانه أخرج نبات الأرض على تباين أجناسه ، واختلاف ألوانه وأنواعه ، وتضاد طبائعه ، من مادة واحدة ، يهتز{[45569]} بالينبوع ، يبهج الناظرين ويروق المتأملين ، ثم يوقفه ثم يرده باليبس والتفرق إلى التراب فيختلط به حتى لا يميزه عن بقية التراب ، ثم يرسل الماء فيختلط بالتراب فيجمعه فيخرج أخضر يانعاً يهتز بالنمو على أحسن ما كان ، وهكذا كل سنة ، فهذا بلا شك أعجب حالاً ممن حفظت أجسامهم مدة عن التغير{[45570]} ثم ردت أرواحهم فيها ، وقد كان في سالف الدهر يعمر بعض الناس{[45571]} أكثر من مقدار{[45572]} ما لبثوا ، وهذا الكهف - قيل : هو في جبال{[45573]} بمدينة طرسوس وهو المشهور ، وقال أبو حيان{[45574]} : قيل : هو في الروم ، وقيل : في الشام ، وقيل : في الأندلس{[45575]} ، قال : في جهة غرناطة بقرب قرية تسمى{[45576]} لوشة كهف فيه موتى{[45577]} ومعهم كلب رمة ، وأكثرهم{[45578]} قد انجرد لحمه ، وبعضهم متماسك{[45579]} وقد مضت القرون السالفة{[45580]} ولم نجد من عرف شأنهم ، ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف ، ونقل عن ابن عطية قال : دخلت إليهم سنة أربع وخمسمائة فرأيتهم بهذه الحالة و{[45581]}عليهم مسجد وقريب منهم{[45582]} بناء رومي يسمى الرقيم ، وهو{[45583]} في فلاة من الأرض ، وبأعلى حضرة غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة يقال لها مدينة دقيوس ، ونقل أبو حيان عن أبيه أنه{[45584]} حين كان{[45585]} بالأندلس كان الناس يزورون هذا الكهف ويذكرون أنهم يغلطون{[45586]} في عدتهم{[45587]} إذا عدوهم وأن معهم كلباً ، قال : وأما ما ذكرت{[45588]} من مدينة دقيوس التي بقبلي{[45589]} غرناطة ، فقد مررت عليها مراراً لا تحصى ، قال : ويترجح كون{[45590]} أصحاب الكهف بالأندلس - انتهى ملخصاً .
قلت : وفيه نظر ، والذي يرجح المشهور ما نقل البغوي{[45591]} وغيره{[45592]} عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : غزونا مع معاوية بحر الروم{[45593]} فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف{[45594]} فإن معاوية لم يصل إلى بلاد الأندلس والله أعلم .
قوله تعالى : { أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ( 9 ) إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا ( 10 ) فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ( 11 ) ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا ( 12 ) } .
معنى ( أم ) ، ههنا ، الاستفهام على الإنكار ؛ أي أحسبتَ يا محمد أن واقعة أهل الكهف كانت عجيبة ؟ فلا تحسب ذلك ؛ فإن تلك الواقعة في جانب ما خلقناه ليست عجيبة . أو لا يعظم ذلك عندك بتعظيم السائلين الكافرين له . فما خلق الله من سموات وأرض وما فيهما وما بينهما أعظم من قصة أهل الكهف . وذلك أن مشركين سألوا النبي ( ص ) عن فتية قد فقدوا ، وعن ذي القرنين ، وعن الروح ، ثم نزلت الآية في شأن ذلك ؛ إذ قال الله لنبيه : أحسبت يا محمد أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ؟ إنهم ليسوا بعجب من آياتنا ، فما خلقناه في الكون من آيات عظام أشد عجبا مما حسبوه .
أما الكهف : فهو البيت المنقور في الجبل وجمعه كهوف{[2773]} ، أو هو الغار في الجبل ، وهو الذي أوى إليه هؤلاء الفتية المؤمنون الذين فروا بدينهم إلى خارج البلد والأهل خشية الفتنة . وأما الرقيم ، فهو اسم الوادي الذي فيه الكهف . وقيل : الجبل الذي فيه الكهف . وقيل : الرقيم لوح من حجارة كتبوا فيه قصة أصحاب الكهف ثم وضعوه على باب الكهف .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.