نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَمَثُوبَةٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ خَيۡرٞۚ لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ} (103)

ولما بين ما عليهم فيما ارتكبوه من المضار اتبعه ما في الإعراض عنه{[4128]} من المنافع فقال : { ولو أنهم آمنوا{[4129]} } أي بما دعوا إليه من هذا القرآن{[4130]} ، ومن اعتقاد أن الفاعل في كل شيء إنما هو الله لا السحر{[4131]} { واتقوا } ما يقدح في الإيمان{[4132]} من الوقوف مع ما كان حقاً فنسخ من التوراة فصار باطلاً ، ومن الإقدام على ما لم يكن حقاً أصلاً من السحر لأثيبوا خيراً مما تركوا ، لأن{[4133]} من ترك شيئاً عوضه الله خيراً منه ؛ هكذا الجواب ولكنه{[4134]} عبر عنه بما يقتضي الثبوت والدوام والشرف إلى غير ذلك مما{[4135]} تقصر{[4136]} عنه الأذهان من بلاغات القرآن فقال : { لمثوبة }{[4137]} صيغة مفعلة من الثواب وهو الجزاء بالخير{[4138]} ، وفي الصيغة إشعار بعلو وثبات - قاله الحرالي ، وشرفها بقوله : { من عند الله{[4139]} } الذي{[4140]} له جميع صفات الكمال{[4141]} ، وزادها شرفاً بقوله : { خير{[4142]} } ، مع حذف المفضل عليه .

{[4143]}قاله الحرالي : وسوى بين هذه المثوبة ومضمون الرسالة في كونهما من عند الله تشريفاً لهذه المثوبة وإلحاقاً لها بالنمط العلي من علمه وحكمته {[4144]}ومضاء كلمته{[4145]} - انتهى . وهذه المثوبة عامة لما يحصل في الدنيا والأخرى من الخيرات التي منها ما يعطيه الله لصالحي عباده من التصرف بأسماء الله الحسنى على حسب ما تعطيه مفهوماتها من المنافع ، ومن ذلك واردات الآثار{[4146]} ككون الفاتحة شفاء وآية الكرسي حرز من الشيطان ونحو ذلك من منافع القرآن والأذكار والتبرك بآثار الصالحين ونحوه .

ثم أكد الخبر{[4147]} بأن علمهم جهل بقوله : { لو كانوا يعلمون } وقال الحرالي : فيه إشعار برتبة من العلم أعلى وأشرف من الرتبة التي كانت تصرفهم عن{[4148]} أخذ السحر ، لأن تلك الرتبة تزهد في علم ما هو شر وهذه ترغب في منال{[4149]} ما هو خير ؛ وفيه بشرى لهذه الأمة بما في كيانها من قبول هذا العلم الذي هو علم الأسماء ومنافع القرآن يكون{[4150]} لهم عوضاً من علم السيميا الذي هو باب من السحر ، وعساه أن يكون من نحو المنزل على الملكين ، قال صلى الله عليه وسلم : " من اقتبس علماً من النجوم اقتبس باباً من السحر ، زاد ما زاد " .

وحقيقة السيميا{[4151]} أمر من أمر الله أظهر آثاره في العالم الأرضي على سبيل أسماء وأرواح خبيثة من مواطن الفتن في العلويات من النيرات{[4152]} والكواكب والصور ، وما أبداه منه في علوم وأعمال لا يثبت شيء منه مع اسمه تعالى ، بل يشترط في صحته إخلاؤه عن اسم الله وذكره والقيام بحقه وصرف التحنثات والوجهة إلى ما دونه ، فهو لذلك كفر موضوع فتنة من الله تعالى لمن شاء{[4153]} أن يفتنه به ، حتى كانت فتنة اسم السيميا من هدى الاسم{[4154]} بمنزلة اسم اللات والعزى من هداية اسم الله العزيز ، ولله كلية الخلق والأمر هدى وإضلالاً إظهاراً{[4155]} لكلمته الجامعة الشاملة لمتقابلات الأزواج{[4156]} التي منتهاها قسمة{[4157]} إلى دارين : دار نور رحماني من اسمه العزيز الرحيم ، ودار نار انتقامي من اسمه الجبار المنتقم{ ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون{[4158]} }[ الروم : 14 ] .

ولما جعل سبحانه من المضرة في السحر ونحوه كان من المثوبة لمن آمن واتقى من هذه الأمة سورة الفلق والناس والمعوذتان حرزاً وإبطالاً وتلقفاً لما يأفك سحر الساحرات عوضاً دائماً باقياً لهذه الأمة من عصا موسى ، فهما عصا هذه الأمة التي تلقف ما يأفك سحر الساحرات عوضاً دائماً{[4159]} بما فيهما من التعويذ{[4160]} الجامع للعوذة من شر الفلق الذي من لمحة{[4161]} منه كان السحر مفرقاً ، فهما عوذتان من وراء ما وراء السحر ونحوه ، و{[4162]}ذلك من مثوبة الدفع مع ما أوتوا من مثوبة النفع{[4163]} ، ويكاد أن لا يقف{[4164]} من جاءه{[4165]} هذه الآية لهذه الأمة عند غاية من منال الخيرات ووجوه الكرامات - انتهى .


[4128]:ليس في مد
[4129]:زيد من م ومد و ظ والقرآن المجيد، وقد سقط من الأصل
[4130]:ليست في ظ
[4131]:ليست في ظ
[4132]:وقع في الأصل: الإيماء –خطأ، والتصحيح من م ظ ومد
[4133]:في ظ: الآن -كذا
[4134]:في ظ: ولكن
[4135]:من م ومد و ظ، وفي الأصل: بما - كذا
[4136]:في م ومد و ظ، تقصر
[4137]:اللام لام الابتداء لا والواقعة في جاوب لو وجواب لو محذوف لفهم المعنى أي لأثيبوا، لم ابتدأ على طريق الإخبار الاستئناف لا على طرق تعليقه بإيمانهم وتقواهم وترتبه عليها – هذا قول الأخفش أعني أن الجواب محذوف – البحر المحيط 1/ 335
[4138]:من م ومد و ظ، وفي الأصل: بالخبر - كذا
[4139]:قال في البحر المحيط: وفي وصف المثوبة بكونها من عند الله تفخيم وتعظيم لها، ولمناسبة الإيمان والتقوى لذلك كان المعنى أن الذي أمنتم به واتقيتم محارمه هو الذي ثوابكم منه على ذلك فهو المتكفل بذلك لكن؛ واكتفى بالتنكير في ذلك إذ المعنى لشيء من الثواب: قليلك لا يقال له قليل
[4140]:ليست في ظ
[4141]:يست في ظ
[4142]:وقال أبو حيان: وليس "خير" هنا أفعل تفضيل بل هي للتفضيل لا للأفضلية فهي كقوله "أفمن يلقى في النار خير" "وخير مستقرا": فشركما لخيركما الفداء
[4143]:ي م: قاله
[4144]:ي م فقط: إمضاء
[4145]:ي ظ: كلمة
[4146]:ي ظ: للآثار.
[4147]:ي م: الخير
[4148]:ي مد: على
[4149]:في م: و ظ: مثال
[4150]:في مد: تكون
[4151]:ليس في مد
[4152]:في م: النيران - كذا
[4153]:في م و ظ: يشاء
[4154]:في ظ: لاسم
[4155]:في مد إظهار
[4156]:ومن م و ظ، ومد، وفي الأصل: الأرواح
[4157]:في ظ: قسمه
[4158]:سورة 30 آية 14.
[4159]:العبارة من هنا إلى "دائما" الآتي ليست في م
[4160]:من مد و ظ وفي الأصل و م: فيها
[4161]:من م و مد، وفي الأصل و ظ: لمحه
[4162]:ليس في م
[4163]:من م ومد و ظ، وفي الأصل: للنفع
[4164]:في م و ظ: تقف
[4165]:من مد، وفي الأصل و م و ظ: مرجاة - كذا
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَمَثُوبَةٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ خَيۡرٞۚ لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ} (103)

وقوله : { ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خبر لو كانوا يعلمون } لو أن هؤلاء اليهود آمنوا إيمانا صحيحا يتضمن إيمانهم بدعوة الإسلام ، وكذلك لو أنهم اتقوا الحرمات ومنها السحر ، لكان لهم عند الله بذلك ثواب ، وهو خير لهم مما أركسوا أنفسهم فيه وهو السحر . وهذه هي الحقيقة لو كانوا يعلمونها علم اليقين{[102]} .

ولا بد هنا من كلمة في موقف الإسلام من السحر . فهل هو حقيقة أم غير ذلك ؟ وما حكم الشرع في الساحر ؟ وهل يباح العلم بالسحر ؟

ذهب أكثر أهل العلم إلى أن السحر حقيقة ، وأنه موجود بدليل قوله سبحانه في السحر والسحرة : { وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله } وغير ذلك من نصوص تتضمن وقوع السحر بالفعل ، وخالف المعتزلة وأبو حنيفة في ذلك ، وذهبوا إلى أنه لا وجود للسحر أصلا . وهو لا يعدو في طبيعته وحقيقته دائرة الخيال والتوهيم . واستدلوا لذلك بقوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام والسحرة لما ألقوا حبالهم وعصيهم : { يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } وبذلك فإن السحر ضرب من التخيل الذي يراود تصور الإنسان .

على أن السحر من حيث الحكم الشرعي معدود من الكبائر التي نهى عنها الدين أشد النهي ؛ لما في ذلك من توهيم للناس وحملهم على التصديق بقدرة البشر على اختلاف المعجزات أو ما يشبهها . وفي ذلك من التخليط والإلباس ما يوقع الناس في الحيرة والشك والزعزعة في العقيدة . وعلى ذلك فقد حذرت الشريعة من السحر والسحرة ، وتوعدت من يتلبس بهذه الكبيرة بالعذاب الشديد . يبدو ذلك من حديث السبع الموبقات التي حذر منها النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهي : " الشرك بالله والسحر . . " ويقول عليه الصلاة والسلام : " من أتى عرافا أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد

.

وعلى هذا ذهب إلى تكفير الساحر طائفة من السلف . وقيل : بل لا يكفر ، ولكن وحده ضرب عنقه ؛ لما رواه أحمد والترمذي عن جندب الأزدي أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " حد الساحر ضربه بالسيف " وروى الشافعي وأحمد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب : أن اقتلوا كل ساحر وساحرة{[103]} .

أما استعمال السحر فإنه يوجب العقاب عند بعض العلماء على الخلاف . فقد ذهب الإمامان مالك وأحمد إلى وجوب قتل الساحر الذي يستعمل السحر ، وقد ثبت في حقه ذلك . وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى عدم قتله ، واشترط الشافعي لذلك أن يقتل الساحر بسحره أحدا ، فإذا لم يقتل أحدا فلا يجوز قتله . واشترط أبو حنيفة لقتله أن يتكرر منه القتل عن طريق السحر ، أو أن يقر بالقتل فعلا{[104]} .

وفي توبة السحر خلاف كذلك . فقد اتفق الأئمة مالك وأبو حنيفة وأحمد على عدم قبول التوبة من الساحر باعتباره كافرا . وذهب الشافعي وأحمد في رواية عنه إلى قبول توبته إلا إذا ظهر منه ما يوجب الكفر .

أما العلم بالسحر دون استعماله ؛ وذلك لتجنبه واتقائه فإنه جائز ، وذلك الذي ذهب إليه بعض أهل العلم ؛ استنادا إلى قوله تعالى : ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) ومجرد العلم بالسحر لا يضر ، بل ينفع ، فإنه يمكّن العالم به من التفريق بينه وبين المعجزة ؛ كيلا يخلط الناس بين الأمرين .

وقد رُد ذلك بأن تعلم السحر حرام ، فقد ذهب أكثر العلماء إلى أن مجرد التعلم قبيح عقلا ، وهو كذلك حرام من الوجهة الشرعية ، بل إن تعلم السحر من أجل استعماله كفر ، وقالوا أن الاستدلال بتلك الآية ليس في هذا الموضع ؛ لأن تلك إنما دلت على امتداح العالمين بأمور الشرع ، وليس السحر من الشرع في شيء{[105]} .

هذه خلاصة وجيزة في قضية السحر نكتفي بها على ما بيناه دون تفصيل .


[102]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 18 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 134-138 والكشاف جـ ص 301، 302 وتفسير النسفي جـ 1 ص 65،66
[103]:- تفسير ابن كثير جـة 1 ص 144.
[104]:- المغني لابن قدامة جـ 7 ص 644 والمجموع شرح المهذب للنووي جـ 18 ص 385، 390 وأسهل المدارك جـ 3 ص 113 .
[105]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 144-147 وتفسير القرطبي جـ 2 ص 46 والكشاف جـ 1 ص 301.