ولما لم يبق سبحانه لهم شبهة ، واستمروا على عنادهم ، أشار تعالى إلى ما تقديره : إنهم لا يشهدون لك{[23879]} عند اتضاح الأمر ، فقال : { لكن } {[23880]}أي ومع ما قام من البراهين على صدقك وكون كتابك من عند الله فهم لا يشهدون بذلك{[23881]} لكن{[23882]} { الله } أي الذي له الأمر كله فلا كفوء له { يشهد } أي لك { بما أنزل إليك } {[23883]}أي من{[23884]} هذا الكتاب المعجز الذي قد{[23885]} أخرس الفصحاء وأبكم البلغاء ، وفيه هذه الأحكام الصادقة لما عندهم وهم يريدون الإضلال عنها ، فشهادته{[23886]} ببلاغته وحكمته بصدق الآتي به هي شهادة الله لأنه قائله ، ولذلك عللل بقوله : { أنزله بعلمه } أي عالماً بإنزاله على الوجه المعجز مع كثرة المعارض فلم يقدر أحد ولا يقدر{[23887]} على إحداث شيء فيه من تغيير{[23888]} ولا تبديل ولا زيادة ولا نقصان ولا معارضة { والملائكة } أيضاً { يشهدون } بذلك لأنهم كانوا{[23889]} حضوراً لإنزاله{[23890]} وأمناء على من كان منهم على يده ليبلغه{[23891]} - كما قال تعالى :
{ فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم{[23892]} }[ الجن : 27-28 ] وهذا خطاب للعباد على حسب ما يعرفون .
ولما كان ربما أفهم نقصاً نفاه بقوله : { وكفى بالله } أي الذي له الكمال كله { شهيداً } أي وكفى بشهادته{[23893]} في ذلك شهادة عن شهادة غيره ، وذلك لأنه أنزله سبحانه شاهداً بشهادته ناطقاً بها لإعجازه بنظمه وبما{[23894]} فيه من علمه من الحِكَم والأحكام وموافقة كتب أهل الكتاب ، فشهادته{[23895]} بذلك هي{[23896]} شهادة الله ، وهي لعمري لا تحتاج إلى شهادة أحد غيره .
قوله تعالى : ( لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا ) لكن أداة استدراك ، ولفظ الجلالة بعدها مرفوع على الابتداء ، والجملة الفعلية بعده في محل رفع خبر المبتدأ . وهذه شهادة من الله لرسوله بصدق النبوة والرسالة وما أنزل عليه من كتاب ، وذلك بعد أن كذبه الكافرون وأهل الكتاب واليهود خاصة . فقد أنكر هؤلاء نبوته وشهدوا ضده بالباطل ليقولوا : ما نشهد لك فيما تقول . وبعد هذا التكذيب الجاحد والشهادة الظالمة الزور يأتي التصديق من الله لنبيه العظيم وهو يشهد له بالصدق والحق في الذي قاله وفيما أنزله عليه من كلام باهر معجز وهو القرآن الذي أنزله الله على نبيه بعلمه ، أي بمعرفته واطلاعه وقدرته وقيل معنى ذلك أن الله أنزل القرآن وفيه علم من الله بأخبار الأولين والآخرين وما جاء فيه من حقائق وبراهين .
وقوله : ( والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا ) الملائكة معطوف على لفظ الجلالة قبله أي أن الله يشهد على صدق نبوة رسوله وما نزل عليه من كتاب ، وكذلك الملائكة يشهدون على هذه الحقيقة الثابتة القاطعة . والجملة الفعلية من ( يشهدون ) في محل رفع خبر الملائكة . ثم يعاود الخطاب التنصيص على شهادة الله في إبراز وتأكيد ليرسو في الذهن انها أعظم شهادة ، وأنه سبحانه أعظم الشاهدين وأصدقهم ( وكفى بالله شهيدا ) أي يكفي أن يكون هو الشاهد على صدق نبيه وثبوت رسالته . وشهيدا منصوب على التمييز .
لا جرم أن الشهادة من الله عنوان الثبوت الجازم بما يضفي على رسالة الإسلام فيضا من الصدق واليقين . وحسب النبي والمسلمين أن يكون الله شهيدا لهم على صدق رسالتهم وأن دينهم لهو حق اليقين . والله جلت قدرته خير الشاهدين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.