نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ} (164)

ولما أخبر أن الفسق ديدنهم ، أكده بقوله عطفاً على{ إذ يعدون }[ الأعراف : 163 ] { وإذ } أي واسألهم عن خبرهم حين { قالت أمة منهم } أي جماعة ممن يعتبر ويقصد من الواعظين الصالحين الذين وعظوا حتى أيسوا{[33839]} لأمة أخرى منهم لا يقلعون عن الوعظ{[33840]} تخويفاً للموعوظين{[33841]} بما يتجاوزون به { لم تعظون قوماً } أي معتمدين على قوتهم { الله } أي الذي له الملك كله { مهلكهم } أي لا محالة لأنهم لا ينتهون عن الفساد ولا يتعظون بالمواعظ { أو معذبهم عذاباً شديداً } أي بعظيم ما يرتكبونه وتماديهم فيه { قالوا } أي الأمة الأخرى من الواعظين : وعظنا { معذرة إلى ربكم } أي المحسن إليكم بالحفظ{[33842]} عما وقعوا فيه من الذنب والإقبال على الوعظ حتى إذا سئلنا عن أمرنا في عصيانهم نقول : فعلنا في أمرهم جهدنا ، هذا إن{[33843]} لم يرجعوا { ولعلهم يتقون* } أي وليكون حالهم حال من يرجى خوفه لله فيرجع عن غيه .


[33839]:- من ظ، وفي الأصل: يسوا كذا.
[33840]:- من ظ، وفي الأصل: الوغض- كذا.
[33841]:- من ظ، وفي الأصل: للموعظين.
[33842]:- من ظ، وفي الأصل: لحفظ.
[33843]:- في ظ: إذا.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ} (164)

قوله تعالى : { وإذ قالت أمة منهم ولم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون 164 فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون 165 فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين } الأمة ، هنا بمعنى الجماعة . وهو في اللفظ واحد وفي المعنى جمع . وكل جنس من الحيوان أمة{[1557]} . وفي الحديث : ( لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقلتها كلما ، فاقتلوا منها الأسود البهيم ) رواه أبو داود والترمذي عن هبد اله بن مغفل . حديث صحيح . والبهيم ، الذي لا يخلط لونه شيء سوى لونه ، والجمع بهم{[1558]} . وفي تأويل الآية قال جمهور المفسرين : إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فرق : فرقة عصت أمر ربها وصادت السمك وكانوا نحوا من سبعين ألفا ، وفرقة نهت واعتزلت ، وكانوا ألفا . وفرقة اعتزلت ولم تنه ولم تعص . وأن هذه الطائفة قالت للناهية : { ولم تعظون قوما } –أي الفرقة العاصية- { الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا } بسبب فسقهم وعصيانهم ؟ فقالت الناهية : { معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون } معذرة ، بالنصب على أنه مفعول لأجله . وبالرفع على أنه مبتدأ محذوف . وتقديره : موعظتنا معذرة{[1559]} و { معذرة إلى ربكم } ، أي موعظتنا إبلاء إلى الله ، ولئلا ننسب في النهي عن المنكر إلى بعض التفريط { ولعلهم يتقون } أي ولطعمنا في أن يتقوا الله فينتهوا عن عصيانه . ولما وقع غضب الله على الطائفة الفاسقة العاتية ، نجت الطائفتان الأخريان اللتان قالوا : { لم تعظون قوما الله مهلكهم } ، والذين قالوا : { معذرة إلى ربكم } ، وأهلك الله الذين عصوه وفسقوا عن أمره وصادوا الحيتان ؛ فمسخهم قردة وخنازير .


[1557]:مختار الصحاح ص 25، 26.
[1558]:مختار الصحاح ص 68.
[1559]:البيان لابن الأنباري جـ 1ص 376.