نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ} (5)

ولما كان ترك الدنيا شديداً على النفس ، وترك النزاع بعد الانتساب{[34536]} فيه أشد ، شرع يذكر لهم ما كانوا له كارهين ففعله بهم وأمرهم به لعلمه بالعواقب فحمدوا أثره ، ليكون ادعى لتسليمهم لأمره وازدجارهم بزجره ، فشبه حال كراهتهم لترك مرادهم في الأنفال{[34537]} بحال كراهتهم لخروجهم معه ثم بحال كراهتهم للقاء الجيش دون العير ، ثم إنهم رأوا أحسن العاقبة في كلا الأمرين فقال : { كما } أي حالهم في كراهية تسليم الأنفال - مع كون التسليم هو الحق والأولى لهم - كما كانت حالهم إذ { أخرجك ربك } أي المحسن إليك بالإشارد إلى جميع مقاصد الخير { من بيتك بالحق } أي الأمر الفيصل الفارق بين الثابت والمزلزل { وإن } أي والحال أن { فريقاً } عبر به لأن آراءهم كانت تؤول إلى الفرقة { من المؤمنين } أي الراسخين في الإيمان { لكارهون* }


[34536]:من ظ، وفي الأصل: الانتتاب.
[34537]:من ظ، وفي الأصل: الأفعال.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ} (5)

قوله تعالى : { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون 5 يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم يظنون 6 وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلمته ويقطع دابر الكافرين 7 ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون } .

الكاف في قوله : { كما } للتشيبه ، وفيها ثلاثة أوجه : الأول : أنها في موضع نصب صفة لمصدر محذوف دل عليه الكلام . وتقديره : قل الأنفال ثابتة لله والرسول ثبوتا كم أخرجك ربك .

الثاني : أنها صفة لمصدر محذوف وتقديره : يجادلونك جدلا كما أخرجك .

الثالث : أنها وصف لقوله : { حقا } وتقديره : أولئك هم المؤمنون حقا كما أخرجك{[1619]} .

واختلف المفسرون في السبب الجالب لهذه الكاف في قوله : { كما أخرجك ربك } فقد قيل في معنى ذلك : إن الله تعالى يقول : كما أنكم لما اختلفتم في المغاني وتخاصمتم وتشاححتم فيها فانتزعها الله منكم وجعلها إلى قسم الله ورسوله فقسمها بينكم على التسوية والعدل ؛ لكون ذلك هو المصلحة الكاملة لكم ، وكذلك لما كرهتم الخروج لقتال ذات الشوكة ، وهم النفير الذين حرجوا لإحراز عيرهم والقتال دون أصنامهم وشركهم ، فكان عاقبة كرههم للقتال أن قدره الله عليكم فجمع به بينكم وبين عدوكم على غير ميعاد فكتب لكم فيه النصر والخير { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون } وقيل : معنى ذك : كما أخرجك ربك يا محمد من بيتك بالحق على كره من فريق من المؤمنين كذلك هم يكرهون القتال ؛ فهم يجادلونك فيه بعدما تبين لهم{[1620]} .


[1619]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 383.
[1620]:تفسير ابن كثير جـ 2ص 286 وتفسير الطبري جـ 9 ص 122.