ولما ذكر الكتاب المنزل عليه حسن ذكر الرسالة فقال بعد ما أفاد عظمتها بجعله{[17138]} ما مضى مقدمات لها : { ورسولاً } عطفاً على
" تالياً " المقدر ، أو ينصب بتقدير : يجعله{[17139]} { إلى بني إسراءيل } أي بالإنجيل . ولما كان ذكر الرسالة موجباً لتوقع الآية دلالة{[17140]} على صحتها ، وكان من شأن الرسول مخاطبة المرسل إليهم وإقباله بجميع رسالته عليهم اتبعه ببيان{[17141]} الرسالة مقروناً بحرف التوقع{[17142]} فقال : { إني } أي{[17143]} ذاكراً أني { قد جئتكم بآية من ربكم } أي الذي طال إحسانه إليكم ، ثم أبدل من " آية "
{ إني أخلق لكم } أي لأجل تربيتكم بصنائع{[17144]} الله { من الطين } قال الحرالي : هو متخمر{[17145]} الماء والتراب حيث يصير متهيئاً{[17146]} لقبول وقوع الصورة فيه { كهيئة } وهي كيفية وضع أعضاء الصورة بعضها من بعض التي يدركها ظاهر الحس - انتهى{[17147]} وهي الصورة{[17148]} المتهيئة{[17149]} لما يراد{[17150]} منها{[17151]} { الطير } ثم ذكر احتياجه في إحيائه{[17152]} إلى معالجة بقوله{[17153]} معقباً للتصوير : { فأنفخ } قال الحرالي : من النفخ ، وهو إرسال الهواء من منبعثه بقوة انتهى{[17154]} . { فيه } أي في ذلك الذي هو مثل الهيئة { فيكون طيراً } أي طائراً بالفعل - كما في قراءة نافع ، وذكر المعالجة لئلا يتوهم أنه خالق حقيقة ، ثم أكد ذلك إزالة{[17155]} لجميع الشبه بقوله : { بإذن الله } أي بتمكين الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال ، له روح كامل لحمله في الهواء تذكيراً بخلق آدم عليه السلام من تراب ، وإشارة إلى أن هذا أعجب من خلق آدمي{[17156]} من أنثى فقط فلا تهلكوا في ذلك .
ولما ذكر ما يشبه أمر آدم عليه السلام أتبعه علاج أجساد أولاده بما يردها إلى معتادها بما يعجز أهل زمانه ، وكان الغالب عليهم الطب{[17157]} وبدأ بأجزائها{[17158]} فقال : { وأبرىء } قال الحرالي : من الإبراء وهو تمام التخلص من الداء ، والداء{[17159]} ما يوهن{[17160]} القوى ويغير الأفعال العامة للطبع والاختيار - انتهى .
( الأكمه والأبرص } بإيجاد ما فقد منهما من الروح المعنوي ؛ والكمه - قال الحرالي - ذهاب البصر في أصل الخلقة كالذي يولد أعمى أو يعمى قبل أن يميز الأشياء أو يدركها . والبرص أصل معناه : تلمع الشيء بلمع{[17161]} خلاف ما هو عليه ، ومنه براص الأرض - لبقع{[17162]} لا نبت فيها ، ومنه البريص في معنى البصيص ، فما تلمع من الجلد على غير حاله{[17163]} فهو لذلك{[17164]} برص وقال الحرالي : البرص عبارة عن{[17165]} سوء مزاج يحصل بسببه تكرج{[17166]} ، أي فساد بلغم يضعف القوة المغيرة{[17167]} عن إحالته{[17168]} إلى لون الجسد - انتهى .
ولما فرغ من رد الأرواح إلى أجزاء الجسم{[17169]} أتبعه رد الروح الكامل في جميعه المحقق لأمر البعث المصور له بإخراجه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة في بعض الآدميين فقال : { وأحيي الموتى } أي برد أرواحهم إلى أشباحهم ، بعضهم بالفعل وبعضهم بالقوة ، لأن الذي أقدرني على البعض قادر على ذلك في الكل ، وقد أعطاني قوة ذلك ، وهذا كما نقل القضاعي أن الحسن قال : " أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أنه طرح بنيّة له في وادي كذا{[17170]} ، فمضى معه إلى الوادي وناداها باسمها : يا فلانة ! أجيبي{[17171]} بإذن الله سبحانه وتعالى ! فخرجت وهي تقول : لبيك وسعديك ! فقال لها{[17172]} : إن أبويك قد أسلما {[17173]}فإن أحببت{[17174]} أردك إليهما{[17175]} ، فقالت : لا حاجة لي{[17176]} بهما ، وجدت الله خيراً لي منهما " وقد تقدم في البقرة عند{ أرني كيف تحيي{[17177]} الموتى }[ البقرة : 260 ] ما ينفع هنا ، وقصة قتادة ابن دعامة في رده صلى الله عليه وسلم عينه{[17178]} بعد أن أصابها{[17179]} سهم فسالت على خده ، فصارت أحسن من أختها شهيرة ، وقصة أويس القرني رحمه الله تعالى في إبراء الله سبحانه وتعالى له من البرص ببرّه{[17180]} لأمه كذلك{[17181]} .
ولما كان ذلك من أمر{[17182]} الإحياء الذي هو من خواص الإلهية وأبطن آيات الملكوتية ربما أورث لبساً في أمر الإله تبرأ منه ورده إلى من هو له ، مزيلاً للبس وموضحاً للأمر فقال{[17183]} مكرراً لما قدمه في مثله{[17184]} معبراً بما يدل على عظمه : { بإذن الله } أي بعلمه وتمكينه ، ثم{[17185]} أتبعه ما هو من جنسه في الإخراج من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فقال : { وأنبئكم } أي من الأخبار الجليلة من عالم الغيب{[17186]} { بما تأكلون } أي مما لم أشاهده ، بل تقطعون{[17187]} بأني كنت غائباً عنه{[17188]} { وما تدخرون } ولما كان مسكن الإنسان أعز{[17189]} البيوت عنده وأخفى لما يريد{[17190]} أن يخفيه قال : { في بيوتكم } قال الحرالي : من الادخار : افتعال من الدخرة ، قلب حرفاه{[17191]} الدال{[17192]} لتوسط الدال{[17193]} بين تطرفهما في متقابلي حالهما ؛ والدخرة ما{[17194]} اعتنى بالتمسك به عدة لما شأنه أن يحتاج إليه فيه ، فما كان لصلاح خاصة الماسك فهو ادخار ، وما كانت لتكسب{[17195]} فيما يكون{[17196]} من القوام فهو احتكار - انتهى .
ولما ذكر هذه{[17197]} الخوارق نبه على أمرها بقوله : { إن في ذلك } أي الأمر العظيم { لآية لكم } أي أيها المشاهدون{[17198]} على أني عبد الله ومصطفاه ، فلا تهلكوا في تكويني من أنثى فقط فتطروني ، فإني لم أعمل شيئاً منها إلا ناسباً له إلى الله سبحانه وتعالى وصانعاً فيه ما يؤذن بالحاجة المنافية للإلهية ولو بالدعاء ، وأفرد{[17199]} كاف الخطاب أولاً لكون ما عده ظاهراً لكل أحد على انفراده أنه آية لجميع المرسل إليهم ، وكذا جمع{[17200]} ثانياً{[17201]} قطعاً لتعنت{[17202]} من قد يقول : إنها لا تدل إلا باجتماع أنظار{[17203]} جميعهم - {[17204]}لو جمع{[17205]} الأول ، وإنها ليست آية لكلهم بل لواحد منهم - لو وحد{[17206]} في الثاني ، ولما كانت الآيات لا تنفع مع المعاندات قال : { إن كنتم مؤمنين * } أي مذعنين بأن الله سبحانه وتعالى قادر على ما يريد ، وأهلاً لتصديق ما ينبغي التصديق به .
ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين
[ و ] نجعله [ رسولاً إلى بني إسرائيل ] في الصبا أو بعد البلوغ فنفخ جبريل في جيب درعها فحملت ، وكان من أمرها ما ذكر في سورة مريم فلما بعثه الله إلى بني إسرائيل قال لهم : إني رسول الله إليكم [ أني ] أي بأني [ قد جئتكم بآية ] علامة على صدقي [ من ربكم ] هي [ أني ] وفي قراءة بالكسر استئنافا [ أخلق ] أصور [ لكم من الطين كهيئة الطير ] فالكاف اسم مفعول [ فأنفخ فيه ] الضمير للكاف [ فيكون طيراً ] وفي قراءة طائر
[ بإذن الله ] بإرادته فخلق لهم الخفاش لأنه أكمل الطير خلقا فكان يطير وهم ينظرونه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ليتميز فعل المخلوق من فعل الخالق وهو الله تعالى وليعلم أن الكمال لله [ وأبرئ ] أشفى [ الأكمه ] الذي ولد أعمى [ والأبرص ] وخُصا بالذكر لأنهما داءا إعياء وكان بعثه في زمن الطب فأبرأ في يوم خمسين ألفا بالدعاء بشرط الإيمان [ وأحيي الموتى بإذن الله ] كرره لنفي توهم الألوهية فيه فأحيا عازر صديقا له وابن العجوز وابنة العاشر فعاشوا وولد لهم ، وسام بن نوح ومات في الحال [ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون ] تخبئون [ في بيوتكم ] مما لم أعاينه فكان يخبر الشخص بما أكل وبما يأكل بعد [ إن في ذلك ] المذكور [ لآية لكم إن كنتم مؤمنين ] .
قوله : ( ورسولا إلى بني إسرائيل ) أي ونجعله رسولا لبني إِسرائيل . وقيل : تقدير الكلام : ويكلم الناس رسولا . أي حال كونه رسولا . وقيل غير ذلك .
والمقصود في الآية أن المسيح عيسى ابن مريم أرسل إلى بني إسرائيل جميعهم وليس إلى فريق منهم دون غيرهم . أجل . بعث الله نبيه المسيح إلى هذا الصنف من البشر كيما تستقيم طبائعهم ونفوسهم فيسيروا في حياتهم على جادة الحق من غير عوج ولا استكبار ولا تمرد . أرسله الله ليقوم في بني إسرائيل اعوجاجهم ، وليحملهم على المضي في طاعة الله وفي طريق اللاحب المستقيم ، فلا يميلوا مع الهوى ، ولا يأخذهم شطط النفس فيوغلوا في الرجس والدنس ويفسدوا في الأرض إفسادا .
قوله : ( أنّي قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ) هذه واحدة من المعجزات الحسية الظاهرة احتج بها المسيح عيسى لتكون للناس آية على صدق نبوته ورسالته للناس .
أولها : أنه يخلق من الطين طيرا ، والخلق في حق العبد معناه التصوير والتقدير وهو هنا معقول ، لكنه في حق الله يعني التكوين والإبداع ، والمقصود هنا أنه يصنع من الطين على شكل طير ثم ينفخ فيه فيطير عيانا بإذن الله .
الثانية : إبراء الأكمه . وهو الذي يولد أعمى{[472]} .
الثالثة : إبراء الأبرص ، وهو من البرص وهو واحد من أمراض الجلد .
الرابعة : إحياء الموتى . وذلك بدعاء الله يدعوه عيسى لهم فيستجيب الله له فيحييهم .
الخامسة : إخبارهم بما أكل أحدهم الآن ، وما هو مدخر لنفسه في بيته لغد . وذلك مقتضى قوله تعالى : ( وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ) {[473]} هذه خمس آيات معجزات احتج بها نبي الله عيسى ليحمل الناس على تصديقه واتباعه ، لا جرم أنه دلائل حسية ومشهودة كان الناس يبصرونها ويشهدونها عيانا من غير شك في ذلك البتة ، ولذلك قال سبحانه وتعالى : ( إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ) .
وفي هذا الصدد من الكلام نقل ابن كثير رحمه الله عن كثير من العلماء قولهم : بعث الله كل نبي من الأنبياء بما يناسب أهل زمانه ، فكان الغالب على زمان موسى عليه السلام السحر وتعظيم السحرة فبعثه الله بمعجزات بهرت الأبصار وحيرت كل سحار ، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام وصاروا من عباد الله الأبرار ، وأما عيسى عليه السلام فبعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه إلا أن يكون مؤيدا من الذي شرع الشريعة ، فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد ، أو على مداومة الأكمه والأبرص ، وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد . وكذلك محمد صلى الله عليه و سلم بعث في زمان الفصحاء والبلغاء وتجاريد الشعراء فأتاهم بكتاب من الله عز وجل ، فلو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة من مثله لم يستطيعوا أبدا لو كان بعضهم لبعض ظهيرا . وما ذاك إلا أن كلام الرب عز وجل لا يشبه كلام الخلق أبدا{[474]} .