التفسير الحديث لدروزة - دروزة  
{يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا} (7)

[ 1 ] مستطيرا : منتشرا أو واسعا أو شاملا .

7

تعليق على موضوع النذر

وبمناسبة جملة { يوفون بالنذر } نقول : إن النذر هو ما يوجبه المرء على نفسه من عمل فيه برّ وخير وقربى إلى الله أو يظنه كذلك . وهذا مما كان جاريا عند العرب وغيرهم قبل الإسلام . ومن ذلك ما حكته الآية [ 26 ] من سورة مريم { فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً { 26 } } والآية [ 35 ] من سورة آل عمران { إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ { 35 } } ، وهناك روايات عديدة تدلّ على أن هذه العادة كانت شائعة عند العرب قبل الإسلام ، كما قلنا ، منها رواية المرأة التي نذرت ذبح ابنها عند الكعبة التي أوردناها في سياق تفسير الآيات [ 135-140 ] من سورة الأنعام . وقد روى الخمسة حديثا عن عمر بن الخطاب قال : «يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال له النبي أوف بنذرك فاعتكف ليلة »{[2361]} . وروى أبو داود والترمذي أن امرأة قالت : «يا رسول الله إني نذرت أن أنحر بمكان كذا وكذا قال : لصنم ؟ قالت : لا . لوثن ؟ قالت : لا . قال : أوفي بنذرك »{[2362]} . وروى أبو داود والترمذي «أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدفّ قال : أوفي بنذرك »{[2363]} .

وجملة { يوفون بالنذر } جاءت في مقام التنويه بالذين يفعلون ذلك . وبالتالي ينطوي فيها إقرار لفكرة النذر . وهذا منطوق في آية سورة البقرة هذه : { وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ { 270 } } وهو منطو في الأحاديث التي أوردناها كذلك .

وهناك أحاديث أخرى فيها تنويه وتنديد وتنظيم وتعليم وتشريع في صدد النذر . منها حديث رواه الخمسة إلا مسلما عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه »{[2364]} . وحديث رواه البخاري والنسائي عن عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «خيركم قرني ثم الذين يلونهم . قال عمران : لا أدري ذكر اثنين أو ثلاثة بعد قرنه ، ثم يجيء قوم ينذرون ولا يفون ويخونون ولا يؤتمنون . ويشهدون ولا يستشهدون ، ويظهر فيهم السمن »{[2365]} . وحديث رواه أبو داود والبيهقي والحاكم وصححه جاء فيه : «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فقال : يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين . قال : صلّ هنا . ثم عاد عليه فقال : صلّ ههنا . ثم أعاد عليه فقال : شأنك إذا وزاد في رواية : والذي بعث محمدا بالحق لو صليت ههنا لأجزأ عنك صلاة في بيت المقدس »{[2366]} ، وحديث رواه الخمسة عن ابن عباس قال «استفتى سعد بن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم في نذر كان على أمه ، فتوفيت قبل قضائه فقال رسول الله فاقضه عنها »{[2367]} . وحديث رواه البخاري والنسائي عن ابن عباس قال : «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أختي نذرت أن تحجّ وقد ماتت . فقال النبي : لو كان عليها دين أكنت قاضيه ؟ قال نعم ، قال : فاقض فإن الله أحق بالقضاء »{[2368]} . وحديث رواه الخمسة عن ابن عباس قال : «بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس فسأل عنه ، فقالوا : أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : مُرْهُ فليتكلّم وليستظل وليقعد وليتم صومه »{[2369]} . وحديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال : «إن النبي صلى الله عليه وسلم أدرك شيخا يمشي بين ابنيه يتوكّأ عليهما ، فسأل ما شأنه قال ابناه : يا رسول الله كان عليه نذر المشي إلى بيت الله فقال : اركب أيها الشيخ فإن الله غني عنك وعن نذرك »{[2370]} . وحديث رواه الخمسة إلا البخاري عن عقبة بن عامر قال : «نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله فاستفتيته فقال : لتمش ولتركب »{[2371]} . وحديث رواه الخمسة عن عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء فيه : لا وفاء لنذر في معصية ولا فيما لا يملك العبد »{[2372]} . وحديث رواه أبو داود والنسائي عن سعيد بن المسيب جاء فيه : «إن أخوين كان بينهما ميراث فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال : إن عدت سألتني عن القسمة فكل مالي في رتاج الكعبة فقال له عمران : إن الكعبة غنية عن مالك كفّر عن يمينك وكلّم أخاك . سمعت رسول الله يقول : لا يمين عيك ولا نذر في معصية الربّ ولا في قطيعة الرحم ولا فيما لا تملك »{[2373]} . وحديث رواه أبو داود والترمذي «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من نذر نذرا لم يسمّه فكفّارته كفّارة يمين ومن نذر نذرا في معصية فكفّارته كفارة يمين ومن نذر نذرا لا يطيقه فكفّارته كفارة يمين ومن نذر نذرا أطاقه فليف به »{[2374]} . وحديث رواه النسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «النذر نذران ، فما كان من نذر في طاعة الله فذلك لله وفيه الوفاء ، وما كان من نذر في معصية الله فذلك للشيطان فلا وفاء فيه ويكفره اليمين »{[2375]} . وحديث رواه الشيخان وأبو داود والنسائي عن كعب بن مالك قال : «إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك »{[2376]} . وحديث رواه أبو داود وأحمد أن كعبا أو أبا لبابة قال : «إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب ، وأن أنخلع من مالي كلّه صدقة قال النبي صلى الله عليه وسلم : يجزي عنك الثلث »{[2377]} .

وهناك حديثان رواهما الخمسة واحد عن ابن عمر قال : «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر وقال : إنه لا يردّ شيئا ولكنه يستخرج به من البخيل » {[2378]} . وثان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئا لم يكن الله قدّره له ولكن النذر يوافق القدر فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يُخرج »{[2379]} .

والمتبادر أن الحديثين بسبيل تعليم المسلمين بأن لا يجعلوا النذر لأجل مطلب يريدون أن يقضى سواء أكان فيه جلب نفع أو دفع ضرّ . وينطوي في هذا كما هو المتبادر قصد تعليمهم أن تكون نذورهم لله بدون شرط وذريعة . ومع ذلك فإن فحوى الحديثين لا يفيد النهي عن هذا النوع من النذور ، بل ويفيد إقراره بسبيل استخراج مال ينفق في سبيل الله والخير من البخيل . . .

وهناك أحاديث أخرى رواها أئمة آخرون ولم ترد في الكتب الخمسة فيها شيء مما ورد في الأحاديث التي أوردناها {[2380]} فاكتفينا بما أوردناه .


[2361]:التاج 2/96
[2362]:التاج 3/74
[2363]:انظر المصدر نفسه
[2364]:انظر المصدر نفسه ص: 73-75
[2365]:نفسه
[2366]:التاج 3/73-75
[2367]:نفسه
[2368]:نفسه
[2369]:انظر المصدر نفسه ص 75-76
[2370]:نفسه
[2371]:نفسه
[2372]:نفسه
[2373]:التاج 3/75-76
[2374]:نفسه ص 76-77
[2375]:نفسه
[2376]:انظر المصدر نفسه. وكعب بن مالك أحد الثلاثة الذين تخلّفوا عن رسول الله وذكرتهم آية التوبة [118]
[2377]:انظر المصدر نفسه. وأبو لبابة هو الذي أرسل خبرا إلى مكة بعزم النبي صلى الله عليه وسلم على غزو مكة وأشارت إليه آيات سورة الممتحنة [1-5]
[2378]:نفسه 79
[2379]:نفسه 73
[2380]:انظر مجمع الزوائد 4/185-192