جامع البيان في تفسير القرآن للإيجي - الإيجي محيي الدين  
{ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إِلَّا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ} (112)

{ ضُربت عليهم الذّلة } ألزمهم الله المذلة والصغار ، { أين ما ثُقفوا } : أينما وجدوا وكانوا ، { إلا بحبل{[788]} من الله وحبل من الناس } أي : ضربت عليهم الذلة في كل حال إلا معتصمين بذمة الله ، وعهده ، وأمان المسلمين وعهدهم ، وهو عقد الذمة ، وضرب الجزية والمعاهدة والمهادنة أي : لا عز لهم{[789]} قط إلا هذه الحالة الواحدة{[790]} { وباءوا بغضب من الله } : رجعوا به مستوجبين ، { وضُربت عليهم المسكنة } : الجزية أو الفقر والتذلل كضرب القبة ، { ذلك } أي : ضرب المسكنة ، والذلة ، والبوء بالغضب ، { بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق } : بسبب كفرهم بآية الرجم ، وأمثالها ، وقتل الأنبياء بسبب الحسد وهم يعلموا أنه غير حق ، { ذلك } أي : الكفر ، والقتل ، وقيل : هذا أيضا إشارة إلى المشار إليه بذلك الأول أي : الصغار والهوان له سببان { بما{[791]} عصوا وكانوا يعتدون } : بسبب عصيانهم واعتدائهم في{[792]} حدود الله فإن الإصرار{[793]} والمداومة على الذنوب يفضي إلى الكفر ومقت الله تعالى .


[788]:قوله: (بحبل من الله) في محل النصب على الحال/12.
[789]:لما كان استقامة معنى المفرغ عند التحقيق راجعة إلى تقدير النفي أشرنا إليه بقولنا: لا عز لهم إلخ/12 منه.
[790]:هكذا قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، والحسن، والسدي، وغيرهم فيكون الحبلان واحدا من باب (الله ورسوله أحق أن يرضوه) (التوبة: 62)/12.
[791]:جعل علة الكفر وقتل الأنبياء هي المعصية، وذلك لأنهم لما توغلوا في المعاصي والذنوب فكانت ظلمات المعاصي تتزايد حالا فحالا ونور الإيمان يضعف حالا فحالا، ولم يزل كذلك إلى أن بطل نور الإيمان، وفضلت ظلمة الكفر، وإليه الإشارة بقوله: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) (المطففين: 14)، فقوله: (ذلك بما عصوا) إشارة إلى علة العلة ولهذا المعنى قال أرباب المعاني: من ابتلي بترك الآداب وقع في ترك السنن، ومن ابتلي بترك السنن وقع في ترك الفريضة، ومن ابتلي بترك الفريضة وقع في استحقار الشريعة، ومن ابتلي بذلك وقع في الكفر/12 كبير.
[792]:ذكره محمد بن إسحاق وغيره، ورواه العوفي عن ابن إسحاق/12.
[793]:قوله: فإن الإصرار والمداومة مرتب على كلا التفسيرين فافهم/12.