الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ يَوۡمَ يَأۡتُونَنَا لَٰكِنِ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٱلۡيَوۡمَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ} (38)

قوله تعالى : { أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ } : هذا لفظُه أمرٌ ومعناه التعجبُ ، وأصَحُّ الأعاريبِ فيه كما تقرَّر في علم النحو : أنَّ فاعلَه هو المجرورِ بالباءِ ، والباءُ زائدةٌ ، وزيادتُها لازمةٌ إصلاحاً للَّفظِ ، لأنَّ أَفْعِلْ أمراً لا يكون فاعلُه إلا ضميراً مستتراً ، ولا يجوزُ حَذْفُ هذه الباءِ إلا مع أَنْ وأنَّ كقوله :

تَرَدَّدَ فيعا ضَوْءَها وشُعاعُها *** فَاَحْصِنْ وأَزْيِنْ لامرِئٍ أن تَسَرْبَلا

أي : بأَنْ تَسَرْبَلَ ، فالمجرور مرفوعُ المحلِّ ، ولا ضميرِ في أَفْعَلِ . ولنا قولُ ثانٍ : إن الفاعلَ مضمرٌ ، والمرادُ به المتكلمُ كأنَّ المتكلمَ يأمر نفسَه بذلك والمجرورُ بعده في محلِّ نصب ، ويُعزَى هذا للزجاج .

ولنا قول ثالث : أن الفاعلَ ضميرُ المصدرِ ، والمجرورَ منصوبُ المحلِّ أيضاً ، والتقديرُ : أحسِنْ يا حُسْنُ بزيدٍ . ولشَبَهِ هذه الفاعلِ عند الجمهور بالفَضْلَة لفظاً جاز حَذْفُه للدلالةِ عليه كهذه الآيةِ فإنَّ تقديرَه : وأَبْصِرْ بهم . وفيه أبحاثٌ موضوعُها كتبُ النحو .

وقوله { يَوْمَ يَأْتُونَنَا } معمولٌ ل " أَبْصِرْ " . ولا يجوز أن يكونَ معمولاً ل " أَسْمِعْ " لأنه لا يُفْصَلُ بين فعلِ التعجبِ ومعمولِه ، ولذلك كان الصحيحُ أنه لا يجوزُ أن تكونَ المسألة من التنازع . وقد جَوَّزه بعضُهم ملتزِماً إعمالَ الثاني ، وهو خلافُ قاعدةِ الإِعمال . وقيل بل هو أمرٌ حقيقةً ، والمأمورُ به رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، والمعنى : أَسْمِعِ الناسَ وأَبْصِرْهم بهم وبحديثهم : ماذا يُصنع بهم من العذاب ؟ وهو منقولٌ عن أبي العالية .

وقوله " اليوم " منصوبٌ بما تضمنَّه الجارُّ مِنْ قولِه " في ضلال مبين " ، أي : لكن الظالمون استقروا في ضلال مبين اليوم . ولا يجوز أن يكون هذا الظرفُ هو الخبرَ ، والجارُّ لغوٌ ؛ لئلا يُخْبَر عن الجثةِ بالزمان بخلافِ قولك : القتال اليوم في دارِ زيدٍ ، فإنه يجوز الاعتباران .

39