الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗاۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدٗا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا} (26)

قوله : { وَقَرِّي عَيْناً } : " عَيْناً " نصبٌ على التمييز منقولٌ من الفاعل ، إذ الأصلُ : لِتَقَرَّ عينُك . والعامَّة على فتحِ القاف مِنْ " قَرِّيْ " أمراً مِنْ قَرَّتْ عَيْنُه تَقَرُّ ، بكسر العين في الماضي ، وفتحِها في المضارع .

وقُرِئ بكسرِ القاف ، وهي لغةُ نجدٍ يقولون : قَرَّتْ عينُه تَقِرُّ بفتح العين في الماضي وكسرِها في المضارع ، والمشهورُ أن مكسورَ العين في الماضي للعين ، ومفتوحَها في المكان . يقال : قَرَرْتُ بالمكانِ أَقِرُّ به ، وقد يُقال : قَرِرْتُ بالمكانِ بالكسر . وسيأتي ذلك في قولِه تعالى : { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } [ الأحزاب : 33 ] .

وفي وَصْفِ العين بذلك تأويلان ، أحدُهما : أنَّه مأخوذٌ مِنَ " القُرّ " وهو البَرْدُ : وذلك أنَّ العينَ إذا فَرِح صاحبُها كان دَمْعُها قارَّاً أي بارداً ، وإذا حَزِن كان حَرَّاً ولذلك قالوا في الدعاء عليه : " أَسْخَنَ اللهُ عينَه " ، وفي الدعاء له : " أقرَّ اللهُ عينَه . وما أَحْلى قولَ أبي تمام :

فأمَّا عيونُ العاشِقينَ فَأُسْخِنَتْ *** وأمَّا عيونُ الشامتينَ فَقَرَّتِ

والثاني : أنه مأخوذٌ من الاستقرار ، والمعنى : أعطاه الله ما يُسَكِّنُ عينَه فلا تطمحُ إلى غيره .

قوله : { فَإِمَّا تَرَيِنَّ } دخلت " إنْ " الشرطية على " ما " الزائدة للتوكيد ، فَأُدْغِمت فيها ، وكُتِبَتْ متصلةً . و " تَرَيْنَ " تقدَّم تصريفُه . والعامَّةُ على صريح الياء المكسورة وقرأ أبو عمروٍ في رواية " تَرَئِنَّ " بهمزة مكسورةٍ بدلَ الياء ، وكذلك رُوي عنه " لَتَرَؤُنَّ " بإبدالِ الواوِ همزةُ . قال الزمخشري : " هذا مِنْ لغةِ مَنْ يقول : لَبَأْتُ بالحَجِّ وحَلأْتُ السَّوِيْقَ " - يعني بالهمز - وذلك لتآخٍ بين الهمز وحروف اللين " . وتجرَّأ ابن خالَوَيْة على أبي عمرو فقال : " هو لحنٌ عند أكثر النحويين " .

وقرأ أبو جعفر قارئُ المدينةِ وشيبة وطلحة " تَرَيْنَ " بياءٍ ساكنة ونونٍ خفيفة . قال ابن جني : " وهي شاذَّةٌ " . قلت : لأنه كان ينبغي أَنْ يُؤَثِّر الجازمُ ، وتُحذفَ نونُ الرفع . كقول الأَفْوه :

إمَّا تَرَيْ رَأْسِيَ أَزْرَى به *** ماسُ زمانٍ ذيٍ انتكاثٍ مَؤُؤْسِ

ولم يؤثِّرْ هنا شُذوذاً . وهذا نظيرُ قولِ الآخر :

لولا فَوارسُ مِنْ نُعْمٍ وأُسْرَتِهِمْ *** يومَ الصُّلَيْفاءِ لم يُوفُوْنَ بالجارِ

فلم يُعْمِلْ " لم " ، وأبقى نونَ الرفعِ .

و " من البشر " حالٌ من " أحداً " لأنه لو تأخَّر لكان وصفاً . وقال أبو البقاء : " أو مفعول " يعني أنه متلِّعق بنفسِ الفعل قبله .

قوله : فَقُولِيْ " بين هذا الجوابِ وشرطِه جملةٌ محذوفةٌ ، تقديرُه : فإمَّا تَرَيْنَّ من البشر أحداً فسألكِ الكلامَ فَقُولي . وبهذا المقدَّر نَخْلُصُ من إشكالٍ : وهو أنَّ قولَها { فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً } / كلامٌ ، فيكون ذلك تناقضاً ؛ لأنها قد كَلَّمَتْ إنْسِيَّاً بهذا الكلامِ . وجوابُه ما تَقَدَّم : وقيل : المرادُ بقوله " فقُولي " إلى آخره ، أنه بالإِشارة . وليس بشيء . بل المعنى : فلن أكلِّمَ اليومَ إنْسِيَّاً بعد هذا الكلامِ .

وقرأ زيد بن علي " صِياماً " بدل " صوم " ، وهما مصدران .