البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{أَرۡسِلۡهُ مَعَنَا غَدٗا يَرۡتَعۡ وَيَلۡعَبۡ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ} (12)

ارتعى افتعل من الرعي بمعنى المراعاة وهي الحفظ للشيء ، أو من الرعي وهو أكل الحشيش والنبات ، يقال : رعت الماشية الكلأ ترعاه رعياً أكلته ، والرعي بالكسر الكلأ ، ومثله ارتعى . قال الأعشى :

ترتعي السفح فالكثيب فذاقا ***   ر فروض القطا فذات الرمال

رتع أقام في خصب وتنعم ، ومنه قول الغضبان بن القبعثري : القيد ، والمتعة ، وقلة الرتعة . وقول الشاعر :

أكفراً بعد رد الموت عني *** وبعد عطائك المائة الرتاعا

وفي لفظة : أرسله ، دليل على أنه كان يمسكه ويصحبه دائماً .

وانتصب غداً على الظرف ، وهو ظرف مستقبل يطلق على اليوم الذي يلي يومك ، وعلى الزمن المستقبل من غير تقييد باليوم الذي يلي يومك .

وأصله : غدو ، فحذفت لامه وقد جاء تاماً .

وقرأ الجمهور : يرتع ويلعب بالياء والجزم ، والإبنان وأبو عمر وبالنون والجزم وكسر العين الحرميان ، واختلف عن قنبل في إثبات الياء وحذفها .

وروي عن ابن كثير : ويلعب بالياء ، وهي قراءة جعفر بن محمد .

وقرأ العلاء بن سيابة : يرتع بالياء وكسر العين مجزوماً محذوف اللام ، ويلعب بالياء وضم الباء خبر مبتدأ محذوف أي : وهو يلعب .

وقرأ مجاهد ، وقتادة ، وابن محيصن : بنون مضمومة من ارتعنا ونلعب بالنون ، وكذلك أبو رجاء ، إلا أنه بالياء فيهما يرتع ويلعب ، والقراءتان على حذف المفعول أي : يرتع المواشي أو غيرها .

وقرأ النخعي : نرتع بنون ، ويلعب بياء ، بإسناد اللعب إلى يوسف وحده لصباه ، وجاء كذلك عن أبي إسحاق ، ويعقوب .

وكل هذه القراآت الفعلان فيها مبنيان للفاعل .

وقرأ زيد بن علي : يرتع ويلعب بضم الياءين مبنياً للمفعول ، ويخرجها على أنه أضمر المفعول الذي لم يسم فاعله وهو ضمير غد ، وكان أصله يرتع فيه ويلعب فيه ، ثم حذف واتسع ، فعدى الفعل للضمير ، فكان التقدير : يرتعه ويلعبه ، ثم بناه للمفعول فاستكن الضمير الذي كان منصوباً لكونه ناب عن الفاعل .

واللعب هنا هو الاستباق والانتضال ، فيدربون بذلك لقتال العدو ، سموه لعباً لأنه بصورة اللعب ، ولم يكن ذلك للهو بدليل قولهم : إننا ذهبنا نستبق ، ولو كان لعب لهو ما أقرهم عليه يعقوب .

ومن كسر العين من يرتع فهو يفتعل .

قال مجاهد : هي من المراعاة أي : يراعي بعضنا بعضاً ويحرسه .

وقال ابن زيد : من رعى الإبل أي يتدرب في الرعي ، وحفظ المال ، أو من رعى النبات والكلأ ، أي : يرتع على حذف مضاف أي : مواشينا .

ومن أثبت الياء .

فقال ابن عطية : هي قراءة ضعيفة لا تجوز إلا في الشعر كقول الشاعر :

ألم يأتيك والأنباء تنمى *** بما لاقت لبون بني زياد

انتهى .

وقيل : تقدير حذف الحركة في الياء لغة ، فعلى هذا لا يكون ضرورة .

ومن قرأ بسكون العين فالمعنى : نقم في خصب وسعة ، ويعنون من الأكل والشرب .

وإنا له لحافظون جملة حالية ، والعامل فيه الأمر أو الجواب ، ولا يكون ذلك من باب الإعمال ، لأن الحال لا تضمر ، وبأنّ الإعمال لا بد فيه من الإضمار إذا أعمل الأول ،