أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ} (34)

شرح الكلمات :

{ لظلوم كفار } : كثير الظلم لنفسه ولغيره ، كفار عظيم الكفر هذا ما لم يؤمن ويهتد فإن آمن واهتدى سلب هذا الوصف منه .

المعنى :

{ وآتاكم من كل ما سألتموه } مما أنتم في حاجة إليه لقوام حياتكم ، هذا هو الله المستحق لعبادتكم رغبة فيه ورهبة منه ، هذا هو المعبود الحق الذي يجب أن يعبد وحده لا شريك له وليس إلا الأصنام والأوثان التي تعبدونها وتدعون إلى عبادتها حتى حملكم ذلك على الكفر والعناد بل والظلم والشر والفساد .

وقوله تعالى { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } أي بعد أن عدد الكثير من نعمة أخبر أنه لا يمكن للإنسان أن يعد نعم الله عليه ولا أن يحصيها عداً بحال من الأحوال ، وقرر حقيقة في آخر هذه الموعظة والذكرى وهي أن الإنسان إذا حرم الإيمان والهداية الربانية ( ظلوم ) أي كثير الظلم كفور كثير الكفر عظيمة ، والعياذ بالله تعالى من ذلك .

الهداية

من الهداية :

- وصف الإنسان بالظلم والكفر وشدتهما ما لم يؤمن ويستقيم على منهج الإسلام .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ} (34)

قوله : ( وآتاكم من كل ما سألتموه ) ( من ) ، للتبعيض . فيكون المعنى : أن الله أعطاكم بعض جميع ما سألتموه حسبما تقتضيه مشيئة الله وحكمته البالغة . وعلى هذا فإن الإنسان قد يسأل الله العافية فيعافيه ، ويسأله النجاة فينجيه ، ويسأله الغنى فيغنيه ، ويسأله الولد فيعطيه ، ويسأله أن ييسر أمره ويشرح صدره ويدرأ الأذى والشر والضرّ عنه فيجيبه لما سأله إياه . لا جرم أن نعم الله لا يحصرها العد . والله سبحانه العاطي المنان المتفضل على عباده ، يجزل من العطاء للناس ليسبغ عليهم من نعمه الكاثرة ما يستوجب من العباد دوام الثناء والشكران لله .

قوله : ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) نعمة الله اسم جنس بمعنى المنعم به . وهو لا يراد به الواحد من النعم بل يراد به الجمع . كأنه قيل : وإن تعدوا نعم الله ( لا تحصوها ) أصل الإحصاء العد بالحصى ؛ فقد كان العرب يعتمدونه في العد . ثم استعمل لمطلق العد من كثرة الاستعمال . والمعنى : أن نعم الله بالغة الكثرة فلا تطيقون حصرها أو عدها . ونعم الله عديدة ومتنوعة ومختلفة . وهي مبثوثة في السماء وفي الأرض وفي سائر أنحاء الطبيعة والحياة مما ينتفع به الإنسان من المطعوم أو المشروب أو الملبوس أو ما فيه رخاء وجمال وسعادة مما تبتهج به النفوس والقلوب والأذهان ، أو تنتشي به وتزهو زهوا يثير في جوها البسطة والحبور .

قوله : ( إن الإنسان لظلوم كفار ) المراد بالإنسان هنا من تقدم وصفه بالكفر وكثرة الظلم والعصيان . وذلك إخبار من الله أن الإنسان الذي توجد فيه خلال الظلم والكفر ( لظلوم ) أي شديد الظلم ، فيظلم النعمة بإغفال شكرها ، وقيل : كثير الظلم لنفسه ولغيره . وهو أيضا ( كفار ) أي شديد الكفران للنعمة بجحدها وعدم شكرانها .

وربما قيل : إن الإنسان في الغالب ظلوم ، من الظلم وهو الشرك ، فيجنح الإنسان للشرك على اختلاف صوره وألوانه . وهو في ذلك ينشد إرضاء من يروم رضاه من الآلهة المصطنعة المفتراة كالآلهة من الجن ، أو الأرواح الموهومة ، أو الأصنام الجامدة البلهاء ، أو من السادة الكبراء من مجرمي البشر . وهو كذلك في الغالب يجنح للكفر بإغفال الشكر لله على أنعمه الكبيرة والكثيرة التي لا تحصيها الأقلام أو الألسن أو القراطيس ؛ ذلكم هو الإنسان في الغالب جانح للظلم والكفران والعصيان إلا من رحم الله من عباده المؤمنين الأبرار المخبتين إليه ، الذين يحذرون السقوط في الشرك وظلم الآخرين أو كفران النعم وجحودها . لا جرم أن الزمان طيلة دورانه وجريانه لم يخل من عباد لله صالحين كرام يؤمنون إيمانا صادقا راسخا ويطيعونه مخلصين منيبين إليه ، لا يصدهم عن ذلك إغراء ولا فتنة ، ولا يحول بينهم وبين الاعتصام بحبل الإسلام إغواء ولا ابتلاء . {[2407]}


[2407]:- البحر المحيط جـ 5 ص 427-429 وروح المعاني جـ 7 ص 226 – 229 والتبيان للطوسي جـ 6 ص 297.