أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إِلَّا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ} (112)

شرح الكلمات :

{ ضربت عليهم الذلة } : أحاطت بهم المذلة ولصقت بهم حتى لا تفارقهم .

{ وباءوا بغضب } : رجعوا من رحلتهم الطويلة في الكفر وعمل الشر بغضب الله .

{ ذلك بأنهم . . الخ } : ذلك : إشارة إلى ما لصق بهم من الذلة والمسكنة وما عادوا به من غضب الله تعالى وما تبعه من عذاب . ( فالباء ) في بأنهم سببية أي بسبب فلعهم كذا وكذا والمسكنة هي ذلة الفاقة والفقر .

{ يعتدون } : الاعتداء مجاوزة الحد في الظلم والشر والفساد .

المعنى :

كما أخبر تعالى في الآية ( 112 ) أنه تعالى ضرب عليهم الذلة والمسكنة أينما ثقفوا وفي أيّ البلاد وجدوا لن تفارقهم الذلة والمسكنة في حال من الأحوال إلا في حال دخولهم في الإسلام وهو حبل الله ، أو معاهدة وارتباط بدولة قوية وذلك هو حبل الناس . كما أخبر تعالى عنهم أنهم رجعوا من عنادهم وكفرهم بغضب من الله ، وما يستتبعه من عذاب في الدنيا بحالة الفاقة والفقر المعبر عنها بالمسكنة ، وفي الآخرة بعذاب جهنم كما ذكر تعالى علة عقوبتهم وأنها الكفر بآيات الله وقتل الأنبياء بغير حق وعصيانهم المستمر واعتداؤهم الذي لا ينقطع فقال تعالى { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } .

الهداية

من الهداية :

- صدق القرآن في إخباره عن اليهود بلزوم الذلة والمسكنة لهم أينما كانوا .

- بيان جرائم اليهود التي كانت سبباً في ذلتهم ومسكنتهم وهي الكفر المستمر ، وقتل الأنبياء بغير حق والعصيان والاعتداء على حدود الشرع .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إِلَّا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ} (112)

قوله : ( ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس ) أي لزمهم الهوان والضغار أينما وجدوا ( إلا بحبل من الله ) أي بذمة من الله وهو عقد الذمة لهم وإلزامهم بأداء الجزية للمسلمين .

وقوله : ( وحبل من الناس ) المراد به الأمان يعطيه المسلمون لهم كالذي يكون عليه المهادن والمعاهد والأسير .

قوله : ( وباءوا بغضب منه الله ) أي رجعوا به ومكثوا فيه . من البوء وهو المكان . تبوأ فلان منزلا أي نزله ، وبوأ له منزلا أي هيأه له ومكن له فيه . والمعنى أنهم مكثوا في غضب من الله وحلوا فيه{[566]} .

قوله : ( وضربت عليهم المسكنة ) أي كما يضرب البيت على أهله منهم ساكنون في المسكنة وهي الذلة والضعف . وقيل : الجزية . ومنها المسكين وهو الذليل المقهور .

قوله : ( ذلك بأهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ) ( ذلك ) اسم إشارة لما ذكر وهو ما حصل لليهود من بلايا وهوان وما حاق بهم من ضرب الذلة عليهم والمسكنة ، واستحقاقهم الغضب ، فإن ذلك كله بسبب كفرانهم بآيات الله وهي ما أنزل من بينات ودلائل وحجج وبراهين ، وكذلك قتلهم الأنبياء بغير حق ، يعني ظلما واعتداء . وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله في هذا الصدد : كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم ثلاثمائة نبي .

ولئن كان ذلك علته أفاعيل يهود وجرائرهم فيما مضى من قتل الأنبياء مما اقترفه الآباء السالفون فما جريرة الأبناء المتأخرين فيما بعد ممن لم يصدر عنهم مثل هذا القتل . ؟ ويجاب عن ذلك بأن هؤلاء المتأخرين كانوا راضين بفعل أسلافهم فنسب ذلك الفعل إليهم من حيث كان ذلك الفعل المشين فعلا لآبائهم وأسلافهم ؛ إذ كانوا مصوبين لأسلافهم فيما فعلوه .

وقوله : ( ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) اسم الإشارة ( ذلك ) يعود على الكفر وقتل الأنبياء . أي أن علة كفرهم وقتلهم الأنبياء هو عصيانهم لله واعتداؤهم لحدوده .

فجملة القول في معنى الآية أن الله ضرب عليهم الذلة والمسكنة والبواء بالغضب منه لكونهم كفروا بآياته وقتلوا أنبياءه . وعلة الكفر وقتل الأنبياء هي المعصية{[567]} .


[566]:- مختار الصحاح ص 68 وتفسير الرازي جـ 8 ص 202.
[567]:- الكشاف جـ 1 ص 445 وتفسير البيضاوي ص 86 وتفسير الطبري جـ 4 ص 33 وتفسير الرازي جـ 8 ص 202، 203.