{ كنتم خير أمة } : وُجدتم أفضل وأبرك أمة وجدت على الأرض .
{ أخرجت للناس } : أظهرت وأبرزت لهداية الناس ونفعهم .
لما أمر الله تعالى المؤمنين بتقواه والاعتصام بحبله فامتثلوا وأمرهم بتكوين جماعة منهم يدعون إلى الإِسلام ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فامتثلوا ذكرهم بخير عظيم فقال لهم : { كنتم خير أمة أخرجت للناس } كما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كنتم خير الناس للناس . . " ووصفهم بما كانوا به خير أمة فقال تأمرون بالمعروف وهو الإِسلام وشرائع الهدى التي جاء بها نبيّه صلى الله عليه وسلم وتنهون عن المنكر وهو الكفر والشرك وكبائر الإِثم والفواحش ، وتؤمنون بالله . وبما يتضمنه الإِيمان بالله من الإِيمان بكل ما أمر تعالى بالإِيمان به من الملائكة والكتب والرسل والبعث الآخر والقدر . ثم دعا تعالى أهل الكتاب الى الإِيمان الصحيح المنجي من عذاب الله فقال عز وجل ، ولو آمن أهل الكتاب بالنبي محمد وما جاء به من الإِسلام لكان خيراً لهم من دعوى الإِيمان الكاذبة التي يدعونها . وأخبر تعالى عنه بأن منهم المؤمنين الصادقين في إيمانهم كعبد الله بن سلام وأخيه ، وثعلبة بن سعيد وأخيه ، وأكثرهم الفاسقون الذين لم يعملوا بما جاء في كتابهم من العقائد والشرائع من ذلك أمر الله تعالى بالإِيمان بالنبي الأميّ واتباعه على ما يجيء به من الاسلام .
- إثبات خيرية أمة الإِسلام وفي الحديث : " أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله " .
- بيان علة خيرية أمة الإِسلام وهي الإِيمان بالله والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
قوله تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) الفعل كان في قوله : ( كنتم ) ناقصة . وبذلك فقوله : ( كنتم ) يحتمل المراد ثلاثة وجوه هي :
الأول : أنكم كنتم في اللوح المحفوظ موصوفين بأنكم خير أمة .
الثاني : أن ذلك مخصوص بقوم معينين من أصحاب الرسول صلى الله عليه و سلم وهم السابقون الأولون .
الثالث : أن هذه الآية عامة في جميع الأمة الإسلامية كل قرن بحسبه ، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم . وهو الراجح والصواب .
وقيل : كان هنا تامة . فيكون المعنى : وجدتم وخلقتم خير أمة{[564]} .
وكيفما كان اعتبار " كان " هنا فإنه يجب الاستفادة من مدلول الآية في خيرية أمة الإسلام بما يستثير الانتباه والنظر إلى هذه الحقيقة الكبرى . وهي أن أمة القرآن خير الأمم التي أقلتها هذه الأرض ، ولا يقال مثل هذه الكلام من قبيل التعصب للجنس أو العرق أو غير ذلك من مختلف المظاهر النوعية والإقليمية . ولكنها الحقيقة المبنية على الدليل والبرهان . ووجه ذلك أن أمة الإسلام قد صنعها هذا الدين المتكامل المميز الوسط ، الدين الذي يتسم بكل مزايا التوازن والتوسط ، فضلا عن مراعاته الكاملة لفطرة الإنسان ، لا جرم أن مثل هاتيك الخصائص لا تتجلى في ديانة ولا عقيدة ولا ملة ولا فلسفة من الفلسفات أو مبدأ من مبادئ الدنيا ، ليس شيء من ذلك إلا مناهض لفطرة الإنسان أو مخالف لطبيعته مهما كان مدى هذه المخالفة ، لكن الإسلام وحده جُماع مزايا الصلاح كله . يضاف إلى ذلك ما نبه عنه القرآن في هذه الآية وهما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وذان عنصران أساسيان قد تجليا في أمة الإسلام تجليا مكشوفا وعلى غير مثال ولا نظير في الملل السابقة . وفوق ذلك كله ما يتجلى في هذه الأمة من إيمان صادق وثيق ، إيمان حقيقي سليم ، مبرأ من كل زيف أو تضليل أو خرافة ، إيمان بالله وحده لا شريك له وما يستتبعه ذلك من أسماء لله حسنى وما تقتضيه هذه من صفات الكمال لله جل وعلا .
إذا تبين ذلك أيقنا أن عقيدة الإسلام وحدها المبنية على التوحيد الكامل لله ، الخالصة من كل أدران الشرك على اختلاف صوره وأشكاله ، البعيدة عن كل صور الزيف والافتراء والباطل .
من هنا لزم القول إن أمة الإسلام وحدها لهي المخولة بقيادة البشرية إلى ما فيه أمنها وسلامتها وسعادتها ، ذلك أن هذه الأمة قد صنعها الإسلام لتكون على خير حال من توازن الشخصية واستواء الطبع وجمال العقيدة والفكر ، في غير ما خلل ولا شذوذ ولا اضطراب ، وبعيدا عن كل صور الإفراط والتفريط . أمة منسجمة ملتئمة متسقة في أفكارها وتصوراتها وتطلعاتها وحضارتها ، فهي وحدها معنية بحمل رسالة الإصلاح والهداية والترشيد للبشرية تخليصا لها مما يحيق بها من الأرزاء والملمات والأزمات . أمة الإسلام قائمة على الود والرحمة واليقين ، وقد جيء بها لتحمل لواء الرحمة للناس جميعا ، فتتبدد من وجه هذه الدنيا كل معالم الشر والفساد والباطل . ولتشعشع في الآفاق أنوار الخير والتعاون والسلام .
قوله : ( ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) أي لو صدق أهل التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى بمحمد صلى الله عليه و سلم وما جاءهم في ذلك من عند الله ، فآمنوا كإيمان المسلمين ، هذا الإيمان الحقيقي الصادق الذي لا يعتوره زيف ولا تضليل ولا خلل ، والذي لا يخالطه تحريف ولا تبديل ولا افتراء ( لكان خيرا لهم ) لسوف يفضي بهم هذا الإيمان الصحيح إلى الخير . إذ يصنع منهم أمة سوية رحيمة سليمة من عطب العقيدة وفساد الفكر والتصور .
ومع ذلك فقد آمن بنبي الإسلام نفر قليل من أهل الكتاب ، لكن الأكثرين مهم الفاسقون ، وذلك من الفسق أي الخروج ، فقد خرج أهل الكتاب من اليهود والنصارى عن دينهم مما في التوراة والإنجيل . وكان هذان الكتابان قد تضمنا ذكر رسالة الإسلام ونبوة محمد صلى الله عليه و سلم وتحريض بني إسرائيل على تصديقه والإيمان به ، لكنهم أبوا وعتوا عتوا كبيرا . وما فتئ اليهود والنصارى يزدادون على مرّ الزمن كفرا بدين الإسلام وبنبيه محمد صلى الله عليه و سلم ، فضلا عن حمالات الصدر والتضليل والتشويه لهذا الدين العظيم وعما يتفننون فيه من أساليب الإبادة والتدمير والتشريد للمسلمين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.