أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ} (57)

شرح الكلمات :

{ الرياح } : جمع ريح وهو الهواء المتحرك .

{ بُشْراً } : جمع بشير أي مبشرات بقرب نزول نزل المطر ، قرىء نشراً أي تنشر السحاب للأمطار .

{ رحمته } : أي رحمة الله تعالى وهي المطر .

{ أقلت سحاباً ثقالاً } : أي حملت سحاباً ثقالاً مسبعاً ببخار الماء .

{ ميت } : لا نبات به ولا عشب ولا كلأ .

{ كذلك نخرج الموتى } : أي كذلك نحيي الموتى ونخرجهم من قبورهم أحياء .

{ تذكرون } : تذكرون فتؤمنون بالبعث والجزاء .

المعنى :

ما زال السياق الكريم في بيان مظاهر القدرة الربانية والرحمة الإلهية الموجبة لعبادته تعالى وحده دون سواه قال تعالى { وهو القدرة الربانية والرحمة الإِلهية الموجبة لعبادته تعالى لا إله إلا هو وبشراً أي مبشرات ونشراً أي تنشر الرياح تحمل السحب الثقال ليسقي الأرض الميتة فتحيا بالزروع والنباتات لتأكلوا وترعوا أنعامكم ، وبمثل هذا التدبير في إنزال المطر وإحياء الأرض بعد موتها يحييكم بعد موتكم فيخرجكم من قبوركم أياء ليحاسبكم على كسبكم في هذه الدار ويجزيكم به الخير بالخير ولا شر بمثله جزاء عادلاً لا ظلم فيه وهذا الفعل الدال على القدرة والرحمة ولطف التدبير يُريكموه فترونه بأبصاركم لعلكم به تذكرون أن القادر على إحياء موات الأرض قادر على إحياء موات الأجسام فتؤمنوا بلقاء ربكم وتوقنوا به فتعملوا بمقتضى ما يسعدكم ولا يشقيكم فيه .

هذا ما تضمنته الآية الأولى ( 57 ) { وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته } أي المطر { حتى إذا أقلَّت } أي حملت { سحاباً ثقالاً } أي ببخار الماء { سقناه } بقدرتنا ولطف تدبيرنا { لبلد ميت } لا حياة به لا نبات ولا زرع ، ولا عشب { فأنزلنا به } أي بالسحاب { الماء } العذب الفرات ، { فأخرجنا به من كل الثمرات } المختلفة الألوان والروائح والطعوم { كذلك نخرج الموتى } كهذا الإِخراج للنبات من الأرض الميتة نخرج الموتى من قبورهم وعملنا هذا نسمعكم إياه ونريكموه بأبصاركم رجاء أن تذكروا فتذكروا أن القادر على إحياء الأرض قادر على إحياء الموتى رحمة منا بكم وإحساناً منا إليكم .

الهداية

من الهداية

- تقرير عقيدة البعث والحياة بعد الموت للحساب والجزاء إذ هي من أهم أركان الإِيمان .

- الاِستدلال بالحاضر على الغائب وهو من العلوم النافعة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ} (57)

قوله تعالى : { وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون 57 والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون } .

الرياح التي تحمل السحاب وما فيه من مطر ، يرسلها الله للبعاد لتحمل لهم البشريات بنزول الخير والرحمة . وقوله : { بشرا بين يدي رحمته } أي مبشرات قدام رحمة الله وهو المطر المحمول . وقد سمي برحمة : لما يترتب عليه بحسب العادة من الخير والخصب والبركة والرزق . و { بشرا } ، بضم الباء وسكون الشين ، جمع بشير منصوب على الحال . وقرئت الكلمة بقراءات غير ذلك ومنها ( نشرا ) بالنون{[1436]} .

قوله : { حتى إذا أقلت سحابا ثقالا } { حتى } غاية لقوله : { يرسل } و { أقلت } ، أي حملت{[1437]} من لإقلال وهو الحمل . والحساب ؛ معناه الغيم سواء كان فيه ماء أو لم يكن ، وجمعه سحب وسحائب{[1438]} ، والسحاب الثقال ؛ ومعناه الغيم الموقر بالماء يسوقه الله بإرادته إلى بلد ميت ، ليس فيه ماء ولا نبات . بلد دارس مجدب غابت عنه كل ظواهر الحياة والحركة . حتى إذا ساق الله إليه السحائب الموقرات بماء المطر انبعثت فيه الحياة والبركة وشاعت فيه الخيرات والثمرات بما يفيض على الحياة والناس الأمن والرخاء والنعمة . وذلك هو مقتضى قوله تعالى : { حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات } .

قوله : { كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون } الكاف في اسم الإشارة في محل نصب صفة لمصدر محذوف . وتقدير الكلام : مثل ذلك الإخراج نخرج محل نصب صفة لمصدر محذوف . وتقدير الكلام : مثل ذلك الإخراج نخرج الموتى من القبور . وهذا برهان من الله لكل ذي عقل سليم وفطرة سوية . برهان منتزع من الواقع المنظور مما لا يعز على الأذهان أن تعيه أو تصوره ، وجملته : أن الله القادر على إحياء الأرض بعد مواتها ويبسها وجدبها ، ثم يثير فيها الحياة والحركة والنمو ؛ لهو قادر على إحياء الموتى من الأحياء في يوم البعث بعد أن أتى عليهم البلى والتعفية والدروس .

ألا يتشابه الحالان ؟ بلى إنهما متشابهان لا يختلفان لا في الأصل ولا في الكيفية ؛ فكلاهما في الأصل ميت وجامد وهامد . الأرض الميتة اليبس قبل أن يردها الماء مقفرة مجدبة ليس فيها حياة البتة . لكنها إذا ما سقيت ماء انبعث فيها الحياة والنماء والعطاء لتستحيل الأرض القفر بعد الماء إلى جنات حسان حيث الزروع والثمرات ، فتعبق بها الروائح الزكية الفواحة ، وتفيض على الناس زهوا وبهجة وجمالا .

إن الذي صنع من حبات الثرى الجوامد جنات خصيبة بهيجة مخضرة لهو قادر –بداهة- أن يحيي الخلائق بعد موتهم . وذلك هو تأويل قوله تعالى : { كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون } إن هذا الإحياء العجيب الباهر ، وهذه العملية الربانية المذهلة في الخلق ، وبعض الحياة بعد موات واقفرار وركود ؛ لا جرم أنها خر دليل على حقيقة البعث يوم القيامة . وفي ذلك من قوة البرهان الساطع ما يعيه ويتذكره أولو النباهة والفطانة من الناس .


[1436]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 366.
[1437]:المعجم الوسيط جـ 2 ص 756.
[1438]:المعجم الوسط جـ 1 ص 418.