أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ} (92)

شرح الكلمات :

{ لتحملهم } : أي على رواحل يركبونها .

{ تولوا } : أي رجعوا إلى بيوتهم .

{ تفيض من الدمع } : أي تسيل بالدموع حزناً على عدم الخروج .

المعنى :

كما ليس من سبيل { على الذين إذا ما أتوك لتحملهم } إلى الجهاد معك في سيرك .

{ قلت } معتذراً إليهم { لا أجد ما أحملكم عليه تولوا } أي رجعوا إلى منازلهم وهم يبكون والدموع تفيض من أعينهم حزناً { ألا يجدون ما ينفقون } في سيرهم معكم وهم نفر منهم العرباض بن سارية وبنو مقرن وهم بطن من مزينة . رضي الله تعالى عنهم أجمعين .

الهداية

من هداة الآية :

- بيان ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار من الإيمان واليقين والسمع والطاعة والمحبة والولاء ورقة القلوب وصفاء الأرواح .

- اللهم إنا نحبهم بحبك فأحببنا كما أحببتهم واجمعنا معهم في دار كرامتك .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ} (92)

قوله : { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه } نزلت في البكائين وكانوا سبعة : مقعل بن يسار وصخر بن خنيس وعبد الله ابن كعب الأنصاري وسالم بن عمير وثعلبة بن غنيمة وعبد الله بن مغفل ، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا نبي الله إن الله عز وجل ندبنا للخروج معك فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة معك . فقال : لا أجد ما أحملكم عليه ، فتولوا وهم يبكون{[1872]} .

هذه نماذج من المؤمنين الأبرار الذين تتعلق قلوبهم وأهواؤهم بعقيدة الإسلام . فلا تعبأ بالشهوات والمنافع الدنيوية إلا بقدر ما يكفل لها العيش المبسط المعقول . العيش الوسط المجانب لكل من النقيضين وهما الترف والشظف .

أولئك نفر من المؤمنين الأتقياء الذين رغبوا في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . لكنهم قد منعهم من ذلك مانع الفقر وقلة المؤونة والعجز عن الأهبة للحرب ، فأدبروا راجعين وأعينهم تفيض دمعا ؛ إذ يبكون حزنا أنهم لم يجدوا ما يمكنهم من الذهاب لقاء العدو . لا ريب أن ذكر هذا النفر بمثل هذه الكلمات الكريمة المؤثرة يبين أن خصلة الإخلاص لهي القمة السامقة في درجات الخصال العظام التي تجعل المسلم في عداد الصالحين المتقين . فما يعود هؤلاء الأبرار وهم باكون إلا لإخلاصهم لله وأوامره ، وغيرتهم على هذا الدين المستهدف من قبل المتربصين في كل مكان وزمان . وقد جاء في الصحيحين في ذلك من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن بالمدينة أقواما ما قطعتم واديا ، ولا سرتم سيرا إلا وهم معكم ) قالوا : وهم بالمدينة ؟ قال : ( نعم حبسهم العذر ) .

وروي الإمام أحمد عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد خلفتم بالمدينة رجالا ما قطعتم واديا ، ولا سلكتم طريقا إلا شركوكم في الأجر حبسهم المرض ) {[1873]} .


[1872]:أسباب النزول للنيسابوري ص 174.
[1873]:تفسير ابن كثير جـ 2 ص 382 وتفسير القرطبي جـ 8 ص 228- 230.