أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (91)

شرح الكلمات :

{ على الضعفاء } : أي كالشيوخ . ولا على المرضى : كالعمى والزَمْنَى .

{ حرج } : أي إثم على التخلف .

{ إذا نصحوا لله ورسوله } : أي لا حرج عليهم في التخلف إذا نصحوا لله ورسوله وذلك بطاعتهم لله ورسوله مع تركهم الإِرجاف والتثبيط .

{ ما على المحسنين من سبيل } : أي من طريق إلى مؤاخذتهم .

المعنى :

لما ندد تعالى بالمتخلفين وتوعد بالعذاب الأليم الذين لم يعتذروا منهم ذكر في هذه الآيات أنه لا حرج على أصحاب الأعذار وهم الضعفاء ، كالشيوخ والمرضى والعميان وذوو العرج والفقراء الذين لا يجدون ما ينفقون ولكن بشرط نصحهم لله ورسوله فقال عز وجل { ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج } . أي إثم { إذا نصحوا لله ورسوله } ومعنى النصح لله ورسوله طاعتهما في الأمر والنهي وترك الإِرجاف والتثبيط ولا دعاية المضادة لله ورسوله والمؤمنين والجهاد في سبيل وقوله تعالى { ما على المحسنين من سبيل } أي ليس على من أحسنوا في تخلفهم لأنه أولاً بعذر شرعي وثانياً هم مطيعون لله ورسوله وثالثاً قلوبهم ووجوههم مع الله ورسوله وإن تخلفوا بأجسادهم للعذر فهؤلاء ما عليهم من طريق إلى انتقاصهم أو أذيتهم بحال من الأحوال .

الهداية

من الهداية :

- لا حرج على أصحاب الأعذار الذين ذكر الله تعالى في قوله { ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج } وفي هذه الآية { ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون } حرج وبشرط طاعة الله والرسول فيما يستطيعون والنصح لله والرسول بالقول والعمل وترك التثبيط والتخذيل والإِرجاف من الإِشاعات المضادة للإِسلام والمسلمين .

- مظاهر الكمال المحمدي في تواضعه ورحمته وبره وإحسانه إلى المؤمنين .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (91)

ولما كان من القاعدين من أهل المدر والوبر من له عذر ، استثناهم سبحانه وساق ذلك مساق النتيجة من المقدمات الظاهرة فقال : { ليس على الضعفاء } أي بنحو الهرم{[37063]} { ولا على المرضى } أي بنحو الحمى والرمد { ولا على الذين لا يجدون } ولو بدين يؤدونه في المستقبل { ما ينفقون } أي لحاجتهم وفقرهم { حرج } أي إثم يميل بهم عن الصراط المستقيم ويخرج دينهم .

ولما كان ربما كان{[37064]} أحد من المنافقين بهذه الصفة احترز عنه بقوله : { إذا نصحوا } أي في تخلفهم وجميع أحوالهم { لله } أي الذي له الجلال والإكرام { ورسوله } أي سراً{[37065]} وعلانية ، فإنهم حينئذ محسنون في نصحهم الذي منه تحسرهم على القعود على{[37066]} هذا الوجه وعزمهم على الخروج متى قدروا ، وقوله : { ما على المحسنين } في موضع " ما عليهم " لبيان إحسانهم بنصحهم مع عذرهم { من سبيل } أي طريق إلى ذمهم أو لومهم ، والجملة كلها بيان ل { نصحوا لله ورسوله } وقوله : { والله } أي الذي له صفات الكمال { غفور } أي محاء للذنوب { رحيم* } أي محسن مجمل {[37067]}إشارة إلى أن الإنسان محل{[37068]} التقصير والعجز وإن اجتهد ، فلا يسعه إلا العفو ؛


[37063]:في ظ: هرم.
[37064]:زيد من ظ.
[37065]:في ظ: سر.
[37066]:من ظ، وفي الأصل: عن.
[37067]:من ظ، وفي الأصل: عطف على ذلك.
[37068]:من ظ، وفي الأصل: عطف على ذلك.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (91)

قوله تعالى : { ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم 91 ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون } هذا أصل في عدم التكليف في حق ذوي الأعذار من أهل الزمانة والهرم والمرض أو العاجزين عن السفر لسبب حقيقي معقول . أو الذين لا يملكون أهبة الجهاد من النفقة . ونحو ذلك من المعاذير المشروعة التي تحول بين المرء وفريضة الجهاد . وهذا مدلول من مدلولات الإسلام في مراعاته لقدرات البشر وإمكاناتهم المادية والجسدية والمعنوية ، بعيدا عن التكليف بما لا يطاق . والأصل في ذلك كله أنه { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } وعلى هذا فإنه ليس من إثم على الضعفاء ولا المرضى ولا الفقراء العالة الذين لا يجدون أهبة للجهاد . إنه ليس على هؤلاء المعذورين من بأس أو مساءلة في التخلف عن الجهاد لضعفهم وعجزهم عن القيام بهذا الواجب الكبير الذي لا يحتمله غير الأصحاء والأسوياء والقادرين من الناس .

قوله : { إذ نصحوا لله ورسوله } { نصحوا } من النصيحة ، وهي قول فيه دعا إلى صلاح ونهي عن فساد . ومنه الناصح ، وهو الخالص من كل شيء . نصح الشيء نصحا ونصوحا ونصاحة ؛ أي خلص . ونصح قلبه ؛ أي خلا من الغش{[1870]} . والمعنى المراد هنا : هو قبول الأعذار من هؤلاء المعذورين ، ورفع الإثم عنهم لتخلفهم عن الجهاد على أن يلتزموا النصيحة لله ورسوله في مقابلة قعودهم ، فإذا لبثوا في المدينة قاعدين أذاعوا في الناس الأخبار السارة ، ونشروا في أوساطهم الأمن والطمأنينة ، وبذلوا لهم من العون المعنوي ما يحول بينهم وبين الأراجيف وأخبار السوء .

قال الرازي في تأويل قوله : { إذا نصحوا لله ورسوله } : معناه : أنهم أقاموا في البلد احترزوا عن إلقاء الأراجيف ، وعن إثارة الفتن ، وسعوا في إيصال الخير إلى المجاهدين الذين سافروا ، إما بان يقوموا بإصلاح مهمات بيوتهم ، وإما بأن يسعوا في إيصال الأخبار السارة من بيوتهم إليهم ؛ فغن جملة هذه الأمور جارية مجرى الإعانة على الجهاد{[1871]} .

قوله : { ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم } أي من نصح لله ورسوله بعد أن تخلف عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لعذر من الأعذار ، ليس عليه سبب يوجب عقابه . أو ليس على المعذورين الناصحين من سبب يدعو إلى عقابهم ومؤاخذتهم ؛ بل إن الله يستر على المحسنين ذنوبهم ويشملهم برحمتهم فلا يعذبهم .


[1870]:المعجم الوسيط جـ 2 ص 925 ومختار الصحاح ص 662.
[1871]:تفسير الرازي جـ 16 ص 164.