الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي  
{لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (91)

فيه ست مسائل :

الأولى - قوله تعالى : " ليس على الضعفاء " الآية . أصل في سقوط التكليف عن العاجز ، فكل من عجز عن شيء سقط عنه ، فتارة إلى بدل هو فعل ، وتارة إلى بدل هو غرم ، ولا فرق بين العجز من جهة القوة أو العجز من جهة المال ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها{[8200]} " [ البقرة : 286 ] وقوله : " ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض{[8201]} حرج " [ النور : 61 ] . وروى أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لقد تركتم بالمدينة{[8202]} أقواما ما سرتم مسيرا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه ) . قالوا : يا رسول الله ، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة ؟ قال : ( حبسهم العذر ) . فبينت هذه الآية مع ما ذكرنا من نظائرها أنه لا حرج على المعذورين ، وهم قوم عرف عذرهم كأرباب الزمانة والهرم والعمى والعرج ، وأقوام لم يجدوا ما ينفقون ، فقال : ليس على هؤلاء حرج . " إذا نصحوا لله ورسوله " إذا عرفوا الحق وأحبوا أولياءه وأبغضوا أعداءه قال العلماء : فعذر الحق سبحانه أصحاب الأعذار ، وما صبرت القلوب ، فخرج ابن أم مكتوم إلى أحد وطلب أن يعطي اللواء فأخذه مصعب بن عمير ، فجاء رجل من الكفار فضرب يده التي فيها اللواء فقطعها ، فأمسكه باليد الأخرى فضرب اليد الأخرى فأمسكه بصدره وقرأ " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل{[8203]} " [ آل عمران : 144 ] . هذه عزائم القوم . والحق يقول : " ليس على الأعمى حرج " [ النور : 61 ] وهو في الأول . " ولا على الأعرج حرج " [ النور :61 ] وعمرو بن الجموح من نقباء الأنصار أعرج وهو في أول الجيش . قال له الرسول عليه السلام : ( إن الله قد عذرك ) فقال : والله لأحفرن{[8204]} بعرجتي هذه في الجنة ؛ إلى أمثالهم حسب ما تقدم في هذه السورة من ذكرهم رضي الله عنهم . وقال عبدالله بن مسعود : ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى{[8205]} بين الرجلين حتى يقام في الصف .

الثانية - قوله تعالى : " إذا نصحوا " النصح إخلاص العمل من الغش . ومنه التوبة النصوح . قال نفطويه : نصح الشيء إذا خلص . ونصح له القول أي أخلصه له . وفي صحيح مسلم عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الدين النصيحة ) ثلاثا . قلنا لمن ؟ قال : ( لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) . قال العلماء : النصيحة لله إخلاص الاعتقاد في الوحدانية ، ووصفه بصفات الألوهية ، وتنزيهه عن النقائص والرغبة في محابّه والبعد من مساخطه . والنصيحة لرسوله : التصديق بنبوته ، والتزام طاعته في أمره ونهيه ، وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه ، وتوقيره ، ومحبته ومحبة آل بيته ، وتعظيمه وتعظيم سنته ، وإحياؤها بعد موته بالبحث عنها ، والتفقه فيها والذب عنها ونشرها والدعاء إليها ، والتخلق بأخلاقه الكريمة صلى الله عليه وسلم . وكذا النصح لكتاب الله : قراءته والتفقه فيه ، والذب عنه وتعليمه وإكرامه والتخلق به . والنصح لأئمة المسلمين : ترك الخروج عليهم ، إرشادهم إلى الحق وتنبيههم فيما أغفلوه من أمور المسلمين ، ولزوم طاعتهم والقيام بواجب حقهم . والنصح للعامة : ترك معاداتهم ، وإرشادهم وحب الصالحين منهم ، والدعاء لجميعهم وإرادة الخير لكافتهم . وفي الحديث الصحيح ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) .

الثالثة - قوله تعالى : " ما على المحسنين من سبيل " " من سبيل " في موضع رفع اسم " ما " أي من طريق إلى العقوبة . وهذه الآية أصل في رفع العقاب عن كل محسن . ولهذا قال علماؤنا في الذي يقتص من قاطع يده فيفضي ذلك في السراية إلى إتلاف نفسه : إنه لا دية له{[8206]} ؛ لأنه محسن في اقتصاصه من المعتدي عليه . وقال أبو حنيفة : تلزمه الدية . وكذلك إذا صال فحل على رجل فقتله في دفعه عن نفسه فلا ضمان عليه ، وبه قال الشافعي . وقال أبو حنيفة : تلزمه لمالكه القيمة . قال ابن العربي : وكذلك القول في مسائل الشريعة كلها .


[8200]:راجع ج 3 ص 424 فما بعد.
[8201]:راجع ج 12 ص 311 فما بعد.
[8202]:في هـ و ك و ى: بعدكم.
[8203]:راجع ج 4 ص 221.
[8204]:يقال: حفر الطريق إذا اثر فيها بمشيه عليها
[8205]:أي يمشي بينهما معتمدا عليهما من ضعفه وتمايله
[8206]:في هـ: عليه.