{ أزواجكم } : الأزواج هنا الزوجات .
{ ولد } : المراد هنا بالولد ابن الصلب ذكراً كان أو أنثى وولد الولد مثله .
{ كَلاَلَة } : الكلالة أن يهلك هالك ولا يترك ولداً ولا والداً ويرثه إخوته لأمه .
{ له أخ أو أخت } : أي من الأم .
{ غير مضار } : بهما -أي الوصية والدين- أحداً من الورثة .
{ حليم } : لا يعاجل بالعقوبة على المعصية .
كانت الآية قبل هذه في بيان الوراثة بالنسب وجاءت هذه في بيان الوارثة بالمصاهرة والوارثون بالمصاهرة الزوج والزوجات قال تعالى : ولكم نصف ما ترك أزواجكم فمن ماتت وتركت مالاً ولم تترك وَلَداً ولا وَلَدَ ولدٍ ذكراً كان أو أنثى فإن لزوجها من تركتها النصف ، و أن تركت ولداً أو ولد ذكراً كان أو أنثى فإن لزوجها من تركتها الربع لا غير لقول الله تعالى { فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن } . وهذا من بعد سداد الدين أن كان على الهالكة دين ، وبعد إخراج الوصية أن أو صت الهالكة بشيء ، لقوله تعالى { من بعد وصية يوصين بها أو دين } . هذا ميراث الزوج أما ميراث الزوجة من زوجها فهو الربع أن لم يترك الزوج ولداً ولا ولد ولد ذكراً أو أنثى فإن ترك ولداً أو ولد ولد فللزوجة الثمن ، وهذا معنى قوله تعالى { ولهن الربع مما تركتكم أن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن ما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين } . هذا و أن كان للزوج الهالك زوجت أن أو أكثر فإنهن يشتركن في الربع بالتسأو ي أن لم يكن للهالك ولد ، و أن كان له ولد فلهن الثمن يشتركن فيه بالتسأو ي وقوله تعالى { و أن كان رجلٌ يورث كلالة أو امرأة } أي تورث كلالة أيضاً ، والموروث كلالة وهو من ليس له والد ولا ولد ، وإنما يرثه إخوته لأمه كما في هذه الآية أو إخوته لأبيه وأمه كما في آية الكلالة في آخر هذه السورة ، فإن كان له أخ من أمه فله السدس وكذا أن كانت له أخت فلها السدس ، و أن كانوا اثنين فأكثر فلهم الثلث لقوله تعالى : و أن كان ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصيّة يُوصي بها أو دين غير مضار ، بأن يوصي بأكثر من الثلث ، أو يقر بدين وليس عليه دين وإنما حسدا للورثة أو بغضا لهم لا غير ، فإن تبين ذلك فلا تنفذ الوصية ولا يسدد الدين وتقسم التركة كلها على الورثة ، وقوله تعالى : وصّية من الله أي وصاكم أيها المؤمنون بهذا وصيّة فهي جديرة بالاحترام والامتثال . والله عليم بنياتكم وأحوالكم وما يضركم وما ينفعكم فسلموا له قسمته وأطيعوه فيها وهو حليم لا يعاجل بالعقوبة فلا يغركم حلمه أن بطشه شديد وعذابه أليم .
- بيان ميراث الزوج من زوجته ، والزوجة والزوجات من زوجهن .
- بيان ميراث الكلالة وهو من لا يترك والداً ولا ولداً فيرثه إخوته فقط يحوطون به إحاطة الإِكليل بالرأس فلذا سُمِيّت الكلالة .
- إهمال الوصيّة أو الدين أن علم أن الغرض منها الإِضرار بالورثة فقط .
- عظم شأن المواريث فيجب معرفة ذلك وتنفيذه كما وصى الله تعالى .
ولما كان الإرث بالمصاهرة أضعف من الإرث بالقرابة ذكره بعده ، وقدمه على الإرث بقرابة الأخوة تعريفاً بالاهتمام به ولأنه بلا واسطة ، وقدم منه الرجل لأنه أفضل فقال : { ولكم نصف ما ترك أزواجكم } وبين شرط هذا بقوله : { إن لم يكن لهن ولد } أي منكم أو من غيركم ، ثم بين الحكم على التقدير الآخر فقال : { فإن كان لهن ولد } أي وارث وإن سفل سواء كان ابناً أو بنتاً { فلكم الربع مما تركن } أي تركت كل واحدة منهن ، ويغسلها{[20694]} الزوج لأن الله أضافها إليه باسم الزوجية ، والأصل الحقيقة ، ولا يضر حرمة جماعها بعد الموت وحلُّ نكاح أختها وأربع سواها ، لأن ذلك لفقد المقتضي أو المانع وهو الحياة ، وذلك لا يمنع علقة{[20695]} النكاح المبيح للغسل - كما لم يمنعها لأجل{[20696]} العدة لو كان الفراق بالطلاق ، ثم كرر حكم الوصية اهتماماً بشأنها فقال : { من بعد وصية يوصين{[20697]} بها } أي الأزواج أو بعضهن ، ولعله جمع إشارة إلى أن الوصية أمر عظيم ينبغي أن يكون مستحضراً في الذهن غير مغفول عنه عند أحد من الناس { أو دين } .
ولما بين إرث الرجل أتبعه إرثها فقال معلماً أنه على النصف مما للزوج - كما مضى في الأولاد{[20698]} - : { ولهن } أي عدداً كن أو لا { الربع مما تركتم } أي يشتركن فيه على السواء إن كن عدداً ، وتنفرد{[20699]} به الواحدة إن لم يكن{[20700]} غيرها ، ثم بين شرطه بقوله : { إن لم يكن لكم ولد } ثم بين حكم القسم الآخر بقوله : { فإن كان لكم ولد } أي وارث { فلهن الثمن مما تركتم } كما تقدم في الربع ، ثم كرر الخروج عن حق الموروث فقال : { من بعد وصية توصون بها أو دين } .
ولما فرغ من قسمي ما اتصل بالميت بلا واسطة أتبعه الثالث وهو ما اتصل بواسطة ، ولما{[20701]} كان قسمين ، لأنه تارة يتصل من جهة الأم فقط وهم الأخياف ، أمهم واحدة وآباؤهم{[20702]} شتى ، وتارة من جهة الأب فقط{[20703]} وهم العلات ، أبوهم واحد وأمهاتهم شتى ، وتارة من جهة الأبوين وهم الأعيان ، وكانت قرابة الأخوة أضعف من قرابة البنوة ؛ أكدها بما يقتضيه{[20704]} حالها ، فجعلها{[20705]} في قصتين ، ذكر إحداهما هنا {[20706]}إدخالاً لها{[20707]} في حكم الوصية المفروضة ، وختم بالأخرى السورة لأن الختام من مظنات الاهتمام .
ولما كانت قرابة الأم أضعف من قرابة الأب قدمها هنا دلالة على الاهتمام{[20708]} بشأنها ، وأن ما{[20709]} كانوا يفعلونه من حرمان الإناث خطأ وجور عن منهاج العدل ، فقال تعالى : { وإن كان } أي وجد { رجل يورث } ي من ورث حال كونه { كلالة } أي ذا حالة لا ولد له{[20710]} فيها ولا والد{[20711]} ، أو{[20712]} يكون يورث من : أورث - بمعنى أن إرث الوارث بواسطة من مات كذلك : لا{[20713]} هو ولد للميت ولا والد ، و{[20714]}وارثه أيضاً كلالة{[20715]} لأنه ليس بوالد ولا ولد ، فالمورث كلالة وارثه ، والوارث{[20716]} كلالة مورثة ؛ قال الأصبهاني : رجل كلالة ، و{[20717]}امرأة كلالة ، وقوم كلالة ، لا يثنى ولا يجمع ، لأنه مصدر كالدلالة والوكالة ، وهو بمعنى الكلال ، وهو ذهاب القوة{[20718]} من الإعياء ، وقد تطلق الكلالة على القرابة من غير جهة الولد والوالد ، ومنه قولهم : ما ورث المجد عن كلالة{[20719]} { أو{[20720]} } وجدت{[20721]} { امرأة{[20722]} } أي تورث كذلك ، ويجوز أن يكون ( يورث ) صفة ، و ( كلالة ) خبر كان { وله } خبر كان { وله } أي للمذكور وهو الموروث{[20723]} على أي الحالتين كان .
ولما كان الإدلاء{[20724]} بمحض الأنوثة{[20725]} يستوي{[20726]} بين الذكر والأنثى لضعفها قال : { أخ أو أخت } أي من الأم بإجماع{[20727]} المفسرين ، وهي قراءة أبي وسعد بن مالك رضي الله عنهما { فلكل واحد منهما السدس } أي من تركته ، من غير فضل للذكر على الأنثى .
ولما أفهم ذلك أي بتحويل العبارة المذكورة من أن يقال : فله السدس أنهما إن كانا{[20728]} معا كان لهما الثلث ، وكان ذلك قد يفهم أنه إن زاد وارثه{[20729]}
زاد الإرث عن الثلث نفاه بقوله : { فإن كانوا } أي ما أفهمه " أخ أو أخت " من الوارث{[20730]} منهم { أكثر من ذلك } أي واحد ، كيف كانوا { فهم شركاء } أي بالسوية{[20731]} { في الثلث } أي المجتمع من {[20732]}السدسين اللذين تقدم أنهما بينهما ، لا يزادون على ذلك شيئا ، ثم كرر الحث على مصلحة الميت بيانا للاهتمام بها{[20733]} فقال : { من بعد وصية يوصي بها أو دين } .
ولما كان الميت قد يضار ورثته ، أو بعضهم بشيء يخرجه عنهم ظاهرا أو{[20734]} باطنا كأن يقر بماله لأجنبي ، أو بدين لا حقيقة له ، {[20735]}أو بدين كان له{[20736]} بأنه{[20737]} استوفاه ، ختم الآية بالزجر عن ذلك بقوله : { لا يدرون أيهم أقرب لكم نفعا } ؛ قال الأصبهاني : والإضرار في الوصية من الكبار . ثم أكد ذلك بقوله مصدرا ليوصيكم : { وصية من الله } أي{[20738]} الذي له الوصية بأولها وأخرها ، وهو دون الفريضة في حق الأولاد ، لأن حقهم آكد .
ولما بين سبحانه الأصول وفصل النزاع ، وكان ذلك خلاف مألوفهم وكان الفطام عن المألوف في الذروة من المشقة ؛ اقتضى الحال الوعظ بالترغيب والترهيب ، فختم القصة بقوله : { والله } أي الجامع لصفات الكمال من الجلال والجمال ، وللإشارة إلى عظيم الوصية كرر هذا [ الاسم {[20739]} ] الأعظم في جميع القصة ، ثم قال : { عليم } أي فلا يخفى عليه أمر من خالف بقول أو فعل ، نية أو غيرها { حليم } فهو من شأنه أن لا يعاجل بالعقوبة فلا يغتر{[20740]} بإمهاله ، فإنه إذا أخذ بعد طول الأناة لم يفلت{[20741]} فاحذروا غضب الحليم ! وفي الوصفين مع التهديد استجلاب للتوبة .