أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ ذَٰلِكَ كَفَّـٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (89)

شرح الكلمات :

{ لا يؤاخذكم الله باللغو } : لا يعاقبكم الله باللغو الذي هو ما كان بغير قصد اليمين .

{ عقدتم الأيمان } : عزمتم عليها بقلوبكم بأن تفعلوا أو لا تفعلوا .

{ من أوسط } : أغلبه ولا هو من أعلاه ، ولا هو من أدناه .

{ أهليكم } : من زوجة وولد .

{ تحرير رقبة } : عتقها من الرق القائم بها .

{ يبين الله لكم آياته } : المتضمنة لأحكام دينه من واجب وحلال وحرام .

المعنى :

أما الآية الثالثة وهي قوله تعالى : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } فقد نزلت لما قال أولئك الرهط من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ( لقد حلفنا على ما عزمنا عليه من التبتل فماذا نصنع بأيماننا } فبين لهم تعالى ما يجب عليهم في أيمانهم لما حنثوا فيها بعدولهم عما حلفوا عليه فقال : { لا يؤاخذكم باللغو في أيمانكم } وهو ما لا قصد للحلف فيه وإنما جرى لفظ اليمين على اللسان فقط نحو : لا والله أو بلى والله ، ومثله أن يحلف على الشيء يظنه كذا فيظهر على خلاف ما ظن ، { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } أي قصدتموها عازمين عليها ، فمن حنث بعد الحلف فالواجب في حقه خروجاً من الإِثم كفَّارة وهي { إطعام عشرة مساكين } لكل مسكين نصف صاع أي مدَّان من أعدل { ما تطعمون أهليكم } ما هو بالأجود الغالي ، ولا بالأردأ الرخيص ، { أو كسوتهم } كقميص وعمامة ، أو إزار ورداء ، { أو تحرير رقبة } أي عتق رقبة مؤمنة ذكراً كان أو أنثى صغيرة أو كبيرة فهذه الثلاثة المؤمن مخّير في التكفير بأيها شاء ، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام مفرقة أو متتابعة كما شاء هذا معنى قوله تعالى { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام } ، وقوله { ذلك كفارة أيمانكم } أي هذا الذي بين لكم هو ما تكفِّرون به ما علق بنفوسكم من إثم الحنث .

وقوله { واحفظوا أيمانكم } أي لا تكثروا الحلف فتحنثوا فتأثموا فتجب عليكم الكفارة لذلك . وقوله تعالى : { كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون } معناه مثل هذا التبيين الذي بينه لكم في مسألة الحنث في اليمين والكفارة له يبين لكم آياته المتضمنة لشرائعه وأعلام دينه ليعدكم بذلك لشكره بطاعته بفعل ما يأمركم به وترك ما ينهاكم عنه ، فله الحمد والمنة .

الهداية

من الهداية :

- حرمة الغلو في الدين والتنطع فيه .

- بيان كفارة اليمين بالتفصيل .

- كراهة الإِكثار من الحلف . وحرمة الحلف بغير الله تعالى مطلقاً .

- استحباب حنث من حلف على ترك مندوب أو فعل مكروه ، وتكفيره على ذلك أما إذا حلف أن يترك واجباً أو يأتي محرماً فإن حنثه واجب وعليه الكفارة .

- الأيمان ثلاثة : لغو : يمين لا كفارة لها إذا لم إثم فيها ، الغموس : وهي أن يحلف متعمداً الكذب ولا كفارة لها إلا التوبة ، اليمين المكفَّرة : وهي التي يتعمد فيها المؤمن الحلف ويقصده ليفعل أو لا يفعل ثم يحنث فهذه التي ذكر تعالى كفارتها وبينها .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ ذَٰلِكَ كَفَّـٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (89)

{ لا يؤاخذكم الله } أي على ما له من تمام الجلال { باللغو } وهو ما يسبق إليه اللفظ من غير قصد{[27511]} { في أيمانكم } على أني لم أعتمد على سبب النزول في المناسبة إلا لدخوله في المعنى ، لا لكونه سبباً ، فإنه ليس كل سبب يدخل في المناسبة - كما بينته في أول غزوة أحد في آل عمران ، وإنما كان السبب هنا داخلاً في مناسبة النظم ، لأن تحريم ما أحل يكون تارة بنذر وتارة بيمين ، والنذر في المباح - وهو مسألتنا - لا ينعقد وكفارته{[27512]} كفارة يمين{[27513]} ، فحينئذ لم تدع الحاجة إلا إلى التعريف بالأيمان وأحكامها ، فقسمها سبحانه إلى قسمين : مقصود{[27514]} وغير مقصود{[27515]} ، فأما غير المقصود{[27516]} فلا اعتبار به ، وأما المقصود فقسمان : حلف على ماض ، وحلف على آت ، فأما الحلف على الماضي فهو اليمين الغموس التي لا كفارة لها عند بعض العلماء ، وسيأتي في آية الوصية ، وأما الحلف على{[27517]} الآتي - وهو الذي يمكن التحريم به - فذكر حكمه هنا بقوله تعالى : { ولكن يؤاخذكم } .

ولما كان مطلق الحلف الذي منه اللغو يطلق عليه عقد لليمين ، أعلم أن المؤاخذة إنما هي بتعمد القلب ، وهو المراد بالكسب في الآية الأخرى ، فعبر بالتفعيل في قراءة الجماعة ، والمفاعلة على قراءة ابن عامر{[27518]} تنبيهاً على أن ذلك هو المراد من قراءة حمزة والكسائي{[27519]} بالتخفيف فقال{[27520]} { بما عقدتم الأيمان{[27521]} } أي بسبب توثيقها وتوكيدها وإحكامها بالجمع بين اللسان والقلب ، سواء كان على{[27522]} أدنى الوجوه{[27523]} كما تشير{[27524]} إليه قراءة التخفيف ، أو على أعلاها كما تشير إليه قراءة التشديد ، فلا يحل لكم الحنث فيها إلا بالكفارة بخلاف اللغو فإنه باللسان فقط ، فلا عقد فيه فضلاً عن تعقيد ، و " ما " مصدرية .

ولما أثبت المؤاخذة سبب عنها قوله : { فكفارته } أي الأمر الذي يستر{[27525]} النكث{[27526]} والحنث عن هذا التعقيد ، ويزيل أثره بحيث تصيرون{[27527]} كأنكم ما حلفتم { إطعام عشرة مساكين } أي{[27528]} أحرار{[27529]} مساكين ، لكل مسكين ربع صاع ، وهو مد من طعام ، وهو رطل وثلث { من أوسط ما{[27530]} } كان عادة لكم أنكم { تطعمون أهليكم } أي{[27531]} من أعدله في الجودة والقدر كمية{[27532]} وكيفية ، فهو مد جيد من غالب القوت ، سواء كان من الحنطة أو من التمر أو غيرهما .

ولما بدأ بأقل ما يكفي تخفيفاً ورحمة ، عطف على الإطعام ترقياً قوله : { أو كسوتهم } أي بثوب{[27533]} يغطي العورة من قميص أو إزار أو غيرهما مما يطلق{[27534]} عليه اسم الكسوة { أو تحرير } أي إعتاق { رقبة } أي مؤمنة سليمة عما يخل بالعمل - كما تقدم في كفارة القتل - حملاً لمطلق الكفارات على ذلك المقيد ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ما استأذنه أحد في إعتاق رقبة في كفارة إلا اختبر إيمانها ، هذا ما على المكلف على سبيل التخيير من غير تعيين . والتعيين إليه إذا كان واجداً للثلاثة أو لأحدها{[27535]} ، والإتيان بأحدها{[27536]} مبرئ من العهدة ، لأن كل واحد من الثلاثة بعينه أخص من أحدها{[27537]} على الإبهام ، والإتيان بالخاص يستلزم الإتيان بالعام { فمن لم يجد } أي واحداً منها فاضلاً عن قوته وقوت{[27538]} من تلزمه{[27539]} مؤنته { فصيام } أي فالكفارة صيام { ثلاثة أيام } ولو متفرقة .

ولما تم ذلك . أكده في النفوس وقرره بقوله : { ذلك } أي الأمر العدل الحسن الذي{[27540]} ذكر { كفارة أيمانكم } أي المعقدة { إذا حلفتم } وأردتم نكثها{[27541]} سواء كان ذلك قبل الحنث أو بعده .

ولما كان التقدير : فافعلوا ما قدرتم عليه منه ، عطف عليه{[27542]} لئلا تمتهن{[27543]} الأيمان لسهولة الكفارة قوله : { واحفظوا أيمانكم } أي فلا تحلفوا ما وجدتم إلى ذلك سبيلاً ، ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ، فإنه سبحانه عظيم ، ومن أكثر الحلف وقع في المحذور ولا بد ، وإذا حلفتم فلا تحنثوا دون تكفير ، ويجوز للمكفر الجمع بين هذه الخصال كلها واستشكل ، وحلُّه بما قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في التلويح في بحث أو : والمشهور في الفرق بين التخيير والإباحة أنه يمتنع في التخيير الجمع{[27544]} ولا يمتنع في الإباحة ، لكن الفرق هاهنا أنه لا يجب في الإباحة الإتيان بواحد وفي التخيير يجب ، وحينئذ إن كان الأصل فيه الحظر وثبت الجواز بعارض الأمر - كما إذا قال : بع من عبيدي هذا أو ذاك - يمتنع الجمع ويجب الاقتصار على الواحد .

لأنه المأمور به . وإن كان الأصل فيه{[27545]} الإباحة ووجب بالأمر واحد - كما في خصال الكفارة - يجوز الجمع بحكم الإباحة الأصلية ، وهذا يسمى التخيير على سبيل الإباحة - انتهى .

ولما اشتملت هذه الآيات من البيان على ما يدهش الإنسان كان كأنه قيل : هل يبين كل ما يحتاج إليه هكذا ؟ فنبه من هذه الغفلة بقوله : { كذلك } أي مثل هذا البيان العظيم الشأن { يبين الله } أي{[27546]} على ما له من العظمة { لكم آياته } أي أعلام{[27547]} شريعته وأحكامه{[27548]} على ما لها من العلو بإضافتها إليه{[27549]} .

ولما اشتمل ما تقدم من الأحكام والحِكَم والتنبيه والإرشاد والإخبار بما فيها من الاعتبار على نِعَم جسيمة وسنن جليلة عظيمة ، ناسب{[27550]} ختمُها بالشكر المُربى لها في قوله على سبيل التعليل المؤذن بقطعها إن لم توجد العلة : { لعلكم تشكرون * } أي يحصل منكم الشكر بحفظ جميع الحدود الآمرة والناهية .


[27511]:هو عند الشافعي، وهو المروى عن أبي جعفر وأبي عبد الله وعائشة رضي الله تعالى عنهم- كما في روح المعاني 2/370.
[27512]:وفي روح المعاني: وتعقيد الأيمان شامل للغموس عند الشافعية وفيه طفارة عندهم.
[27513]:زيد من ظ.
[27514]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27515]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[27516]:زيد من ظ.
[27517]:سقط من ظ.
[27518]:من روح المعاني 1/371، وفي الأصل: ابن عمر- كذا، والعبارة من " والمفاعلة" إلى هنا ساقطة من ظ.
[27519]:زيد في روح المعاني: وابن عياش عن عاصم.
[27520]:زيد من ظ.
[27521]:سقط من ظ.
[27522]:في ظ: دنى الوجه- كذا.
[27523]:في ظ: دنى الوجه- كذا.
[27524]:في ظ: أشير.
[27525]:من ظ، وفي الأصل: يشير.
[27526]:في ظ: العمت- كذا.
[27527]:في ظ: يصيرون.
[27528]:سقط من ظ.
[27529]:في ظ: حرام.
[27530]:زيد بعده في الأصل: أي، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[27531]:سقط من ظ.
[27532]:في ظ: والكمية.
[27533]:في ظ: ثوب.
[27534]:في ظ: ينطق.
[27535]:في ظ: لأحدهما.
[27536]:في ظ: بإحدهما.
[27537]:في ظ: أحدهما.
[27538]:زيد بعده في ظ: عياله.
[27539]:في ظ: تلتزمه.
[27540]:من ظ، وموضعه في الأصل بياض.
[27541]:سقط من ظ.
[27542]:زيد من ظ.
[27543]:في ظ: لئلا يمتهن.
[27544]:سقط من ظ.
[27545]:زيد من ظ والتلويح- مبحث " أو".
[27546]:زيد من ظ.
[27547]:من ظ، وفي الأصل: اعلا- كذا.
[27548]:في ظ: إيمانه.
[27549]:سقط من ظ.
[27550]:زيد من ظ.