أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقۡطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأۡتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلۡمُنكَرَۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (29)

شرح الكلمات :

{ وتقطعون السبيل } : أي باعتدائكم على المارة في سبيل فامتنع الناس من المرور خوفاً منكم .

{ وتأتون في ناديكم المنكر } : أي مجالس أحاديثكم تأتون المنكر كالصراط وحل الإِزار والفاحشة أي اللواط .

{ فما كان جواب قومه } : أي إلا قولهم إئتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين .

المعنى :

قوله تعالى : { أئنكم لتأتون الرجال } أي في أدبارهم { وتقطعون السبيل } وذلك أنهم كانوا يعتدون على المارة بعمل الفاحشة معهم قسراً وبسلب أموالهم وبذلك امتنع الناس من المرور فانقطعت السبيل ، كما أنهم بإتيانهم الذكران عطلوا السبيل بقطع سبيل الولادة ، وزاد لوط في تأنيبهم والإِنكار عليهم والتوبيخ لها فقال { وتأتون في ناديكم المنكر } والنادي محل اجتماعهم وتحدثهم وإتيان المنكر فيه كان بارتكاب الفاحشة مع بعضهم بعضاً ، وبالتضارط فيه ، وحل الإِزار ، والقذف بالحصى وما غلى ذلك مما يؤثر عنهم من سوء وقبح . قال تعالى : { فما كان جواب قومه } بعد أن أنبهم ووبخهم ناهيا لهم عن مثل هذه الفواحش { إلا أن قالوا إئتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين } أي ما كان جوابهم إلا المطالبة بعذاب الله ، وهذه طريقة الغلاة المفسدين والظلمة المتكبرين ، إذا أعيتهم الحجج لجأوا إلى القوة يستعملونها أو يطالبون بها .

الهداية :

من الهداية :

- قبح الفاحشة وحرمتها وأسوأها فاحشة اللواط .

- وجوب إقامة الحد على اللوطيّ الفاعل والمفعول لأن الله تعالى سماها فاحشة وسمى الزنا فاحشة ووضع حداً للزنى فاللوطية تقاس عليه ، وقد صرحت السنة بذلك فلا حاجة إلى القياس .

- التحذير من العبث والباطل قولاً أو عملاً وخاصة في الأندية والمجتمعات .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقۡطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأۡتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلۡمُنكَرَۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (29)

" وتقطعون السبيل " قيل : كانوا قطاع الطريق . قاله ابن زيد وقيل : كانوا يأخذون الناس من الطرق لقضاء الفاحشة . حكاه ابن شجرة . وقيل : إنه قطع النسل بالعدول عن النساء إلى الرجال . قال وهب بن منبه : أي استغنوا بالرجال عن النساء .

قلت : ولعل الجميع كان فيهم فكانوا يقطعون الطريق لأخذ الأموال والفاحشة ويستغنون عن النساء بذلك .

قوله تعالى : " وتأتون في ناديكم المنكر " النادي المجلس واختلف في المنكر الذي كانوا يأتونه فيه ، فقالت فرقة : كانوا يخذفون النساء بالحصى ويستخفون بالغريب والخاطر عليهم ، وروته أم هانئ عن النبي صلى الله عليه وسلم قالت أم هانئ : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل : " وتأتون في ناديكم المنكر " قال : ( كانوا يخذفون من يمر بهم ويسخرون منه فذلك المنكر الذي كانوا يأتونه ) أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده ، وذكره النحاس والثعلبي والمهدوي والماوردي . وذكر الثعلبي قال معاوية قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم وعند كل رجل قصعة فيها الحصى للخذف ، فإذا مر بهم عابر قذفوه ، فأيهم أصابه كان أولى به ) يعني يذهب به للفاحشة ، فذلك قوله : " وتأتون في ناديكم المنكر " وقالت عائشة وابن عباس والقاسم بن أبي بزة{[12406]} والقاسم بن محمد : إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم ، وقال منصور{[12407]} عن مجاهد كانوا يأتون الرجال في مجالسهم ، وبعضهم يرى بعضا وعن مجاهد : كان من أمرهم لعب الحمام وتطريف الأصابع بالحناء والصفير والخذف ونبذ الحياء في جميع أمورهم . قال ابن عطية : وقد توجد هذه الأمور في بعض عصاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فالتناهي واجب . قال مكحول : في هذه الأمة عشرة من أخلاق قوم لوط : مضغ العلك وتطريف الأصابع بالحناء وحل الإزار وتنقيض{[12408]} الأصابع والعمامة التي تلف حول الرأس والتشابك ورمي الجلاهق{[12409]} والصفير والخذف واللوطية . وعن ابن عباس قال : إن قوم لوط كانت فيهم ذنوب غير الفاحشة منها أنهم يتظالمون فيما بينهم ويشم بعضهم بعضا ويتضارطون في مجالسهم ويخذفون ويلعبون بالنرد والشطرنج ويلبسون المصبغات ويتناقرون بالديكة ويتناطحون بالكباش ويطرفون أصابعهم بالحناء وتتشبه الرجال بلباس النساء والنساء بلباس الرجال ويضربون المكوس على كل عابر ، ومع هذا كله كانوا يشركون بالله ، وهم أول من ظهر على أيديهم اللوطية والسحاق ، فلما وقفهم لوط عليه السلام على هذه القبائح رجعوا إلى التكذيب واللجاج ، فقالوا : " ائتنا بعذاب الله " أي إن ذلك لا يكون ولا يقدر عليه وهم لم يقولوا هذا إلا وهم مصممون على اعتقاد كذبه ، وليس يصح في الفطرة أن يكون معاند يقول هذا .


[12406]:بفتح الموحدة وتشديد الزاي كما في التقريب.
[12407]:في كل النسخ: مجاهد ومنصور. والتصويب عن تفسير الطبري وغيره.
[12408]:تنقيض الأصابع: فرقعتها.
[12409]:الجلاهق كعلابط البندق الذي رمى به. والخذف بالخاء المعجمة: الحذف به.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقۡطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأۡتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلۡمُنكَرَۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (29)

ثم كرر الإنكار تأكيداً لتجاوز قبحها الذي ينكرونه فقال : { أئنكم لتأتون الرجال } إتيان الشهوة ، وعطف عليها ما ضموه إليها من المناكر ، بياناً لاستحقاق الذم من وجوه ، فأوجب حالهم ظن أنهم وصلوا من الخبث إلى حد لا مطمع في الرجوع عنه مع ملازمته لدعائهم من غير ملل ولا ضجر ، فقال { وتقطعون السبيل* } أي بأذى الجلابين والمارة .

ولما خص هذين الفسادين ، عم دالاً على المجاهرة فقال : { وتأتون في ناديكم } أي المكان الذي تجلسون فيه للتحدث بحيث يسمع بعضكم نداء بعض من مجلس المؤانسة ، وهو ناد ما دام القوم فيه ، فإذا قاموا عنه لم يسم بذلك { المنكر } أي هذا الجنس ، وهو ما تنكره الشرائع والمروءات والعقول ، ولا تتحاشون عن شيء منه في المجتمع الذي يتحاشى فيه الإنسان من فعل خلاف الأولى ، من غير أن يستحي بعضكم من بعض ؛ ودل على عنادهم بقوله مسبباً عن هذه النصائح بالنهي عن تلك الفضائح : { فما كان جواب قومه } أي الذين فيهم قوة ونجدة بحيث يخشى شرهم ، ويتقي أذاهم وضرهم ، لما أنكر عليهم ما أنكر { إلا أن قالوا } عناداً وجهلاً واستهزاء : { ائتنا بعذاب الله } وعبروا بالاسم الأعظم زيادة في الجرأة . ولما كان الإنكار ملزوماً للوعيد بأمر ضار قالوا : { إن كنت } أي كوناً متمكناً { من الصادقين* } أي في وعيدك وإرسالك ، إلهاباً وتهييجاً .