أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{قَالُواْ يَٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓاْ إِلَيۡكَۖ فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٌ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمۡۚ إِنَّ مَوۡعِدَهُمُ ٱلصُّبۡحُۚ أَلَيۡسَ ٱلصُّبۡحُ بِقَرِيبٖ} (81)

شرح الكلمات :

{ فأسر بأهلك } : أي اخرج بهم من البلد ليلا .

{ بقطع من الليل } : أي بجزء وطائفة من الليل .

{ الصبح } : هو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس .

المعنى :

ما زال السياق في الحديث عن ضيف لوط مع قومه إنه بعد أن اشتد بلوط الخوف وتأسف من عدم القدرة على حماية الضيف الكريم وقال متمنيا لو أنّ لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد . هنا قالت له الملائكة { يا لوط إنا رسل ربك إليك لنُنَجِيّنَّكَ ونهلك قومك لن يصلوا إليك أي بأي سوء أو بأدنى أذى فأسر بأهلك أي فاخرج بهم بقطع من الليل أي بطائفة وجزء من الليل ولا يلتف منكم أحد كراهية أن يرى ما ينزل بالقوم من العذاب فيصيبه كرب من ذلك إلا امرأتك وهي عجوز السوء فخلفها في القرية وإن خرجت دعها تلتفت فإِنها مصيبها ما أصابهم . وسأل لوطً عن موعد نزول العذاب بالقوم فقالوا إن موعدهم الصبح ، وكان لوطُ قد استبطأ الوقت فقالوا له : أليس الصبح بقريب ؟

الهداية :

من الهداية :

- استحباب السير في الليل لما فيه من البركة بقطع المسافات البعيدة بدون تعب .

- كراهة التأسف لهلاك الظالمين .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالُواْ يَٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓاْ إِلَيۡكَۖ فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٌ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمۡۚ إِنَّ مَوۡعِدَهُمُ ٱلصُّبۡحُۚ أَلَيۡسَ ٱلصُّبۡحُ بِقَرِيبٖ} (81)

قوله تعالى : " قالوا يا لوط إنا رسل ربك " لما رأت الملائكة حزنه واضطرابه ومدافعته عرفوه بأنفسهم ، فلما علم أنهم رسل مكن قومه من الدخول ، فأمر جبريل عليه السلام يده على أعينهم فعموا ، وعلى أيديهم فجفت . " لن يصلوا إليك " أي بمكروه " فأسر بأهلك " قرئ " فاسر " بوصل الألف وقطعها ، لغتان فصيحتان . قال الله تعالى : " والليل إذا يسر{[8806]} " [ الفجر : 4 ] وقال : " سبحان الذي أسرى{[8807]} " [ الإسراء : 1 ] وقال النابغة : فجمع بين اللغتين :

أَسْرَتْ{[8808]} عليه من الجوزاء ساريةٌ *** تُزْجِي الشمالُ عليهِ جامدُ البَرَدِ

وقال آخر :

حَيِّ النضيرةَ رَبَّةَ الخِدْرِ *** أَسْرَتْ إليكَ ولم تَكُنْ تَسْرِي

وقد قيل : " فأسر " بالقطع إذا سار من أول الليل ، وسرى إذا سار من آخره ، ولا يقال في النهار إلا سار . وقال لبيد :

إذا المرء أسرى ليلةً ظن أنه*** قَضَى عملا والمرء ما عاش عامل

وقال عبد الله بن رواحة :

عند الصباح يَحْمَدُ القومُ السُّرَى *** وتنجلِي عنهم غَيَابَاتُ الكَرَى

" بقطع من الليل " قال ابن عباس : بطائفة من الليل . الضحاك : ببقية من الليل . قتادة : بعد مضي صدر من الليل . الأخفش : بعد جنح من الليل . ابن الأعرابي : بساعة من الليل . وقيل : بظلمة من الليل . وقيل : بعد هدء من الليل . وقيل : هزيع من الليل . وكلها متقاربة ، وقيل : إنه نصف الليل ، مأخوذ من قطعه نصفين ، ومنه قول الشاعر{[8809]} :

ونائحةٍ تنوحُ بقطعِ ليلٍ*** على رجلٍ بقارعةِ الصَّعِيدِ

فإن قيل : السُّرَى لا يكون إلا بالليل ، فما معنى " بقطع من الليل " ؟ فالجواب : أنه لو لم يقل : " بقطع من الليل " جاز أن يكون أوله . " ولا يلتفت منكم أحد " أي لا ينظر وراءه منكم أحد ، قاله مجاهد . ابن عباس : لا يتخلف منكم أحد . علي بن عيسى لا يشتغل منكم أحد بما يخلفه من مال أو متاع . " إلا امرأتك " بالنصب ، وهي القراءة الواضحة البينة المعنى ، أي فأسر بأهلك إلا امرأتك . وكذا في قراءة ابن مسعود " فأسر بأهلك إلا امرأتك " فهو استثناء من الأهل . وعلى هذا لم يخرج بها معه . وقد قال الله عز وجل : " كانت من الغابرين{[8810]} " [ الأعراف : 83 ] أي من الباقين . وقرأ أبو عمرو وابن كثير : " إلا امرأتك " بالرفع على البدل من " أحد " . وأنكر هذه القراءة جماعة منهم أبو عبيد ، وقال : لا يصح ذلك إلا برفع " يلتفت " ويكون نعتا ؛ لأن المعنى يصير - إذا أبدلت وجزمت - أن المرأة أبيح لها الالتفات ، وليس المعنى كذلك . قال النحاس : وهذا الحمل من أبي عبيد وغيره على مثل أبي عمرو مع جلالته ومحله من العربية لا يجب أن يكون ، والرفع على البدل له معنى صحيح ، والتأويل له على ما حكى محمد بن الوليد عن محمد بن يزيد أن يقول الرجل لحاجبه : لا يخرج فلان ، فلفظ النهي لفلان ومعناه للمخاطب ، أي لا تدعه يخرج ، ومثله قولك : لا يقم أحد إلا زيد ، يكون معناه : انههم عن القيام إلا زيدا ، وكذلك النهي للوط ولفظه لغيره ، كأنه قال : انههم لا يلتفت منهم أحد إلا امرأتك فإنها تلتفت وتهلك ، وأن النهي عن الالتفات لأنه كلام تام ، أي لا يلتفت ، منكم أحد إلا امرأتك فإنها تلتفت وتهلك ، وأن لوطا خرج بها ، ونهى من معه ممن أسرى بهم ألا يلتفت ، فلم يلتفت منهم أحد سوى زوجته ، فإنها لما سمعت هَدَّةَ العذاب التفتت وقالت : واقوماه ! فأدركها حجر فقتلها . " إنه مصيبها " أي من العذاب ، والكناية في " إنه " ترجع إلى الأمر والشأن ، أي فإن الأمر والشأن والقصة . " مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح " لما قالت الملائكة : " إنا مهلكو أهل هذه القرية " [ العنكبوت : 31 ] قال لوط : الآن الآن . استعجلهم بالعذاب لغيظه على قومه ، فقالوا : " أليس الصبح بقريب " وقرأ عيسى بن عمر " أليس الصبح " بضم الباء وهي لغة . ويحتمل أن يكون جعل الصبح ميقاتا لهلاكهم ؛ لأن النفوس فيه أودع ، والناس فيه أجمع . وقال بعض أهل التفسير : إن لوطا خرج بابنتيه ليس معه غيرهما عند طلوع الفجر ، وأن الملائكة قالت له : إن الله قد وكل بهذه القرية ملائكة معهم صوت رعد ، وخطف برق ، وصواعق عظيمة ، وقد ذكرنا لهم أن لوطا سيخرج فلا تؤذوه ، وأمارته أنه لا يلتفت ، ولا تلتفت ابنتاه فلا يهولنك ما ترى . فخرج لوط وطوى الله له الأرض في وقته حتى نجا ووصل إلى إبراهيم .


[8806]:راجع ج 20 ص 42.
[8807]:راجع ج 10 ص 204.
[8808]:ويروى (سرت) يقول: إن السحابة سرت في الجوزاء: فلذلك شبهها بالجوزاء.
[8809]:هو مالك ابن كنانة.
[8810]:راجع ج 13ص 241.