أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَالَتۡ أَوۡدِيَةُۢ بِقَدَرِهَا فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّيۡلُ زَبَدٗا رَّابِيٗاۖ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيۡهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَآءَ حِلۡيَةٍ أَوۡ مَتَٰعٖ زَبَدٞ مِّثۡلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ} (17)

شرح الكلمات :

{ فسالت أودية بقدرها } : أي بمقدار مائها الذي يجري فيها .

{ زبداً رابياً } : أي غثاء إذا لزبد هو وضر غليان الماء أو جريانه في الأنهار .

{ ومما يوقدون عليه في النار } : أي كالذهب والفضة والنحاس .

{ ابتغاء حيلة أو متاع } : أي طلباً لحيلة من ذهب أو فضة أو متاع من الأواني .

{ زبد مثله } : أي مثل زبد السيل .

{ فأما الزبد } : أي زبد السيل أو زبد ما أوقد عليه النار .

{ فيذهب جفاء : أي باطلاً مرمياً بعيداً إذ هو غثاء ووضر لا خير فيه .

{ فيمكث في الأرض } : أي يبقى في الأرض زمناً ينتفع به الناس .

المعنى :

ما زال السياق في تقرير التوحيد والتنديد بالكفر والشرك ففي هذه الآية الكريمة ضرب الله تعالى مثلاً للحق والباطل ، للحق في بقائه ، والباطل في اضمحلاله وتلاشيه فقال : { أنزل } أي الله { من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها } أي بحسب كبرها وصغرها لأن الوادي قد يكون كبيراً وقد يكون صغيراً ، فاحتمل السيل أي حمل سيل الماء في الوادي زبداً رابياً أي غثاء ووضراً على سطح الماء ، هذا مثل مائي ، ومثل ناري قال فيه عز وجل : { ومما يوقدون عليه في النار } أي ومما يوقد عليه الصاغة والحدادون ( ابتغاء حلية ) أي طلباً للحلية ، { أو متاع } أي طلباً لمتاع يتمتع به الأواني إذا لصائغ أو الحداد يضع الذهب أو الفضة أو النحاس في البوتقة وينفخ عليها بالكير فيعلو ما كان فاسداً غير صالح على الصورة الزبد وما كان صالحاً يبقى في البوتقة وهو الذي يصنع منه الحيلة والمتاع ، وقوله تعالى : { كذلك } أي المذكور من الأمور الأربعة مثلي الحق وهما الماء والجوهر ومثلي الباطل وهما زبد الماء وزبد الجوهر { فأما الزبد فيذهب جفاء } أي باطلاً مرمياً به يرميه السيل إلى ساحل الوادي فيعلق بالأشجار والأحجار ويرميه الصائغ عن بوتقته ، وأما ما ينفع الناس من الماء للسقي والري فيمكث في الأرض ، وكذا ما ينفع من الحلي والمتاع يبقى في بوتقة الصائغ والحداد وقوله تعالى : { كذلك يضرب الله الأمثال } أي مثل هذا المثل الذي ضربه للحق في بقائه والباطل في ذهابه وتلاشيه وان علا وطغى في بعض الأوقات ، { يضرب } أي بين الأمثال ، ليعلموا فيؤمنوا ويهتدوا فيكملوا ويسعدوا . هذا ما تضمنته الآية الأولى ( 17 ) .

الهداية

من الهداية : :

- استحسان ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأذهان .

- ثبات الحق ، واضمحلال الباطل سنة من سنن الله تعالى .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَالَتۡ أَوۡدِيَةُۢ بِقَدَرِهَا فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّيۡلُ زَبَدٗا رَّابِيٗاۖ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيۡهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَآءَ حِلۡيَةٍ أَوۡ مَتَٰعٖ زَبَدٞ مِّثۡلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ} (17)

قوله تعالى : " أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا " ضرب مثلا للحق والباطل ، فشبه الكفر بالزبد الذي يعلو الماء ، فإنه يضمحل ويعلق بجنبات الأودية ، وتدفعه الرياح ، فكذلك يذهب الكفر ويضمحل ، على ما نبينه . قال مجاهد : " فسالت أودية بقدرها " قال : بقدر ملئها . وقال ابن جريج : بقدر صغرها وكبرها . وقرأ الأشهب العقيلي والحسن " بقدرها " بسكون الدال ، والمعنى واحد . وقيل : معناها بما قدر لها . والأودية . جمع الوادي ، وسمي واديا لخروجه وسيلانه ، فالوادي على هذا اسم للماء السائل . وقال أبو علي : " فسالت أودية " توسع ، أي سال ماؤها فحذف ، قال : ومعنى " بقدرها " بقدر مياهها ؛ لأن الأودية ما سالت بقدر أنفسها . " فاحتمل السيل زبدا رابيا " أي طالعا عاليا مرتفعا فوق الماء ، وتم الكلام ، قاله مجاهد . ثم قال : " ومما يوقدون عليه في النار " وهو المثل الثاني . " ابتغاء حلية " أي حلية الذهب والفضة . " أو متاع زبد مثله " قال مجاهد : الحديد والنحاس والرصاص . وقوله : " زبد مثله " أي يعلو هذه الأشياء زبد كما يعلو السيل ، وإنما احتمل السيل الزبد لأن الماء خالطه تراب الأرض فصار ذلك زبدا ، كذلك ما يوقد عليه في النار من الجوهر ومن الذهب والفضة مما ينبث في الأرض من المعادن فقد خالطه التراب ، فإنما يوقد عليه ليذوب فيزايله تراب الأرض . وقوله : " كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء " قال مجاهد : جمودا . وقال أبو عبيدة قال أبو عمرو بن العلاء : أجفأت القدر إذا غلت حتى ينصب{[9378]} زبدها ، وإذا جمد في أسفلها . والجفاء ما أجفاه الوادي أي رمى به . وحكى أبو عبيدة أنه سمع رؤبة يقرأ " جفالا " قال أبو عبيدة : يقال أجفلت القدر إذا قذفت بزبدها ، وأجفلت الريح السحاب إذا قطعته . " وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض " قال مجاهد : هو الماء الخالص الصافي . وقيل : الماء وما خلص من الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص ، وهو أن المثلين ضربهما الله للحق في ثباته ، والباطل في اضمحلاله ، فالباطل وإن علا في بعض الأحوال فإنه يضمحل كاضمحلال الزبد والخبث . وقيل : المراد مثل ضربه الله للقرآن وما يدخل منه القلوب ، فشبه القرآن بالمطر لعموم خيره وبقاء نفعه ، وشبه القلوب بالأودية ، يدخل فيها من القرآن مثل ما يدخل في الأودية بحسب سعتها وضيقها . قال ابن عباس : " أنزل من الماء ماء " قال : قرآنا ، " فسالت أودية بقدرها " قال : الأودية قلوب العباد . قال صاحب " سوق العروس " :{[9379]} " إن صح هذا التفسير فالمعنى فيه أن الله سبحانه مثل القرآن بالماء . ومثل القلوب بالأودية ، ومثل المحكم بالصافي ، ومثل المتشابه بالزبد . وقيل : الزبد مخايل النفس وغوائل الشك ترتفع من حيث ما فيها فتضطرب من سلطان تِلَعِها ، كما أن ماء السيل يجري صافيا فيرفع ما يجد في الوادي باقيا ، وأما حلية الذهب والفضة فمثل الأحوال النية . والأخلاق الزكية ، التي بها جمال الرجال ، وقوام صالح الأعمال ، كما أن من الذهب والفضة زينة النساء . وبهما قيمة الأشياء . وقرأ حميد وابن محيصن ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي وحفص ، " يوقدون " بالياء واختاره أبو عبيد ؛ لقوله : " ينفع الناس " فأخبر ، ولا مخاطبة هاهنا . الباقون بالتاء لقوله في أول الكلام : " أفاتخذتم من دونه أولياء " [ الرعد : 16 ] الآية . وقوله : " في النار " متعلق بمحذوف ، وهو في موضع الحال ، وذو الحال الهاء التي في " عليه " التقدير : ومما توقدون عليه ثابتا في النار أو كامنا . وفي قوله : " في النار " ضمير مرفوع يعود إلى الهاء التي هي اسم ذي الحال ولا يستقيم أن يتعلق " في النار " ب " يوقدون " من حيث لا يستقيم أوقدت عليه في النار ؛ لأن الموقد عليه يكون في النار ، فيصير قوله : " في النار " غير مقيد . وقوله : " ابتغاء حلية " مفعول له . " زبد مثله " ابتداء وخبر ، أي زبد مثل زبد السيل . وقيل : إن خبر " زبد " قوله : " في النار " الكسائي : " زبد " ابتداء ، و " مثله " نعت له ، والخبر في الجملة التي قبله ، وهو " مما يوقدون " . " كذلك يضرب الله الأمثال " أي كما بين لكم هذه الأمثال فكذلك يضربها بينات . تم الكلام .


[9378]:في ز و ي: ينضب. بالمعجمة.
[9379]:هو: أبو معشر عبد الكريم بن عبد الصمد الطبري، نزيل مكة المكرمة، المتوفى بها سنة 478 وكتابه " سوق العروس" في علم القراءات. (كشف الظنون).