أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكۡرُوهٗا} (38)

شرح الكلمات :

المعنى :

وقوله تعالى : { كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروهاً } أي كل ذلك المأمور به والمنهي عنه من قوله تعالى : { وقضى ربك } إلى قوله { كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها } سيئة كالتبذير والبخل وقتل الأولاد والزنا وقتل النفس وأكل مال اليتيم ، وبخس الكيل والوزن ، والقول بلا علم كالقذف وشهادة الزور ، والتكبر كل هذا الشيء مكروه عند الله تعالى إذا فلا تفعله يا عبد الله وما كان من حسن فيه كعادة الله تعالى وحده وبر الوالدين والإحسان إلى ذوي القربى والمساكين وابن سبيل والعدة الحسنة فكل هذا الحسن هو عند الله حسن فأته يا عبد الله ولا تتركه ومن قرأ كنافع كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها فإنه يريد ما اشتملت عليه الآيات من التبذير والبخل وقتل النفس إلى آخر المنهيات .

الهداية :

- انتظام هذا السياق لخمس وعشرين حكمة الأخذ بها خير من الدنيا وما فيها ، والتفريط فيها هو سبب خسران الدنيا والآخرة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكۡرُوهٗا} (38)

الرابعة : قوله تعالى : " كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها " " ذلك " إشارة إلى جملة ما تقدم ذكره مما أمر به ونهى عنه . " ذلك " يصلح للواحد والجمع والمؤنث والمذكر . وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ومسروق " سيئة " على إضافة سيئ إلى الضمير ، ولذلك قال : " مكروها " نصب على خبر كان . والسيء : هو المكروه ، وهو الذي لا يرضاه الله عز وجل ولا يأمر به . وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآي من قوله : " وقضى ربك - إلى قوله - كان سيئة " [ الإسراء : 23 ] مأمورات بها ومنهيات عنها ، فلا يخبر عن الجميع بأنه سيئة فيدخل المأمور به في المنهي عنه . واختار هذه القراءة أبو عبيد . ولأن في قراءة أُبَي " كل ذلك كان سيئاته " فهذه لا تكون إلا للإضافة . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو " سيئة " بالتنوين ، أي كل ما نهى الله ورسوله عنه سيئة . وعلى هذا انقطع الكلام عند قوله : " وأحسن تأويلا " [ النساء : 59 ] ثم قال : " ولا تقف ما ليس لك به علم " [ الإسراء : 36 ] ، " ولا تمش " ، ثم قال : " كل ذلك كان سيئة " بالتنوين . وقيل : إن قوله " ولا تقتلوا أولادكم " [ الأنعام : 151 ] إلى هذه الآية كان سيئة لا حسنة فيه ، فجعلوا " كلا " محيطا بالمنهي عنه دون غيره . وقوله : " مكروها " ليس نعتا لسيئة ، بل هو بدل منه ، والتقدير : كان سيئة وكان مكروها . وقد قيل : إن " مكروها " خبر ثان لكان حمل على لفظه كل ، و " سيئة " محمول على المعنى في جميع هذه الأشياء المذكورة قبل . وقال بعضهم : وهو نعت لسيئة ؛ لأنه لما كان تأنيثها غير حقيقي جاز أن توصف بمذكر . وضعف أبو علي الفارسي هذا وقال : إن المؤنث إذا ذكر فإنما ينبغي أن يكون ما بعده مذكرا ، وإنما التساهل أن يتقدم الفعل المسند إلى المؤنث وهو في صيغة ما يسند إلى المذكر ، ألا ترى قول الشاعر :

فلا مُزْنَةٌ ودقت ودقها *** ولا أرض أبقلَ إبقالَها

مستقبح عندهم . ولو قال قائل : أبقل أرض لم يكن قبيحا . قال أبو علي : ولكن يجوز في قوله " مكروها " أن يكون بدلا من " سيئة " . ويجوز أن يكون حالا من الضمير الذي في " عند ربك " ويكون " عند ربك " في موضع الصفة لسيئة .

الخامسة : استدل العلماء بهذه الآية على ذم الرقص وتعاطيه . قال الإمام أبو الوفاء بن عقيل : قد نص القرآن على النهي عن الرقص فقال : " ولا تمشي في الأرض مرحا " وذم المختال . والرقص أشد المرح والبطر . أو لسنا الذين قسنا النبيذ على الخمر لاتفاقهما في الإطراب والسكر ، فما بالنا لا نقيس القضيب وتلحين الشعر معه على الطنبور والمزمار والطبل لاجتماعهما . فما أقبح من ذي لحية ، وكيف إذا كان شيبة ، يرقص ويصفق على إيقاع الألحان والقضبان ، وخصوصا إن كانت أصوات لنسوان ومردان ، وهل يحسن لمن بين يديه الموت والسؤال والحشر والصراط ، ثم هو إلى إحدى الدارين ، يشمس{[10243]} بالرقص شمس البهائم ، ويصفق تصفيق النسوان ، ولقد رأيت مشايخ في عمري ما بان لهم سن من التبسم فضلا عن الضحك مع إدمان مخالطتي لهم . وقال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله : ولقد حدثني بعض المشايخ عن الإمام الغزالي رضي الله عنه أنه قال : الرقص حماقة بين الكتفين لا تزول إلا باللعب . وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في " الكهف " {[10244]} وغيرها{[10245]} إن شاء الله تعالى .


[10243]:شمست الدابة شردت وجمحت.
[10244]:راجع ص 365 من هذا الجزء.
[10245]:راجع ج 14 ص 51 فما بعد.