أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوۡمَهُۥ لِيُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَنَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡ وَإِنَّا فَوۡقَهُمۡ قَٰهِرُونَ} (127)

شرح الكلمات :

{ قال الملأ } : أي لفرعون .

{ أتذر } : أي أنترك .

{ وقومه } : أي بني إسرائيل .

{ ليفسدوا في الأرض } : أي في البلاد بالدعوة إلى مخالفتك ، وترك طاعتك .

{ وآلهتك } : أصناماً صغاراً وضعها ليعبدها الناس وقال أنا ربكم الأعلى وربها .

{ نستحيي نساءهم } : نبقي على نسائهم لا نذبحهن كما تذبح الأطفال الذكور .

المعنى :

ما زال السياق في أحداث قصص موسى وفرعون أنه بعد انتصار موسى في المباراة وإيمان السحرة ظهر أمر موسى واتبعه ستمائة ألف من بني إسرائيل ، وخاف قوم فرعون من إيمان الناس بموسى وبما جاء به من الحق قالوا لفرعون على وجه التحريض والتحريك له { أتذر موسى وقومه } يريدون بني إسرائيل { ليفسدوا في الأرض } أي أرض مصر فإفساد خدمك وعبيدك { ويذرك وآلهتك } أي ويترك فلا يخدمك ولا يطيعك ويترك آلهتك فلا يعبدها إذ كان لفرعون أصنام يدعو الناس لعبادتها لتقربهم إليه وهو الرب الأعلى للكل . وبعد هذا التحريش والإِغراء من رجال فرعون ليبطش بموسى وقومه قال فرعون { سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم } كما كان يفعل قبل عندما أخبر بأن سقوط ملكه سيكون على يد بني إسرائيل { وإنا فوقهم قاهرون } هذه الكلمة من فرعون في هذا الظرف بالذات لا تعدو أن تكون تعويضاً عما فقد من جبروت ورهبوت كان له قبل هزيمته في المبارة وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون . هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( 127 ) وهي قوله تعالى { وقال الملأ من قوم فرعون : أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ، ويذرك وآلهتك . قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم ، وإنا فوقهم قاهرون } .

الهداية

من الهداية :

- خطر بطانة السوء على الملوك والرؤساء تجلت في إثارة فرعون ودفعه إلى البطش بقولهم { أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض . . . الخ } .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوۡمَهُۥ لِيُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَنَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡ وَإِنَّا فَوۡقَهُمۡ قَٰهِرُونَ} (127)

قوله تعالى : " وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض " أي بإيقاع الفرقة وتشتيت الشمل . " ويذرك " بنصب الراء جواب الاستفهام ، والواو نائبة عن الفاء . " وآلهتك " قال الحسن : كان فرعون يعبد الأصنام ، فكان يعبد ويعبد . قال سليمان التيمي : بلغني أن فرعون كان يعبد البقر . قال التيمي : فقلت للحسن هل كان فرعون يعبد شيئا ؟ قال نعم ، إنه كان يعبد{[7294]} شيئا كان قد جعل في عنقه . وقيل : معنى " وآلهتك " أي وطاعتك ، كما قيل في قوله : " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله{[7295]} " [ التوبة : 31 ] إنهم ما عبدوهم ولكن أطاعوهم ، فصار تمثيلا . وقرأ نعيم بن ميسرة " ويذرك " بالرفع على تقدير وهو يذرك . وقرأ الأشهب العقيلي " ويذرك " مجزوما مخفف يذرك لثقل الضمة . وقرأ أنس بن مالك " ونذرك " بالرفع والنون . أخبروا عن أنفسهم أنهم يتركون عبادته إن ترك موسى حيا . وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس والضحاك " وإلا هتك " ومعناه وعبادتك . وعلى هذه القراءة كان يعبد ولا يعبد ، أي ويترك عبادته لك . قال أبو بكر الأنباري : فمن مذهب أصحاب هذه القراءة أن فرعون لما قال " أنا ربكم الأعلى{[7296]} " [ النازعات : 24 ] و " ما علمت لكم من إله غيري{[7297]} " [ القصص : 38 ] نفى أن يكون له رب مع إلاهة . فقيل له : ويذرك وإلاهتك ، بمعنى ويتركك وعبادة الناس لك . وقراءة العامة " وآلهتك " كما تقدم ، وهي مبنية على أن فرعون ادعى الربوبية في ظاهر أمره وكان يعلم أنه مربوب . ودليل هذا قوله عند حضور الحمام " آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل{[7298]} " [ يونس : 90 ] فلم يقبل هذا القول منه لما أتى به{[7299]} بعد إغلاق باب{[7300]} التوبة . وكان قبل هذا الحال له إله يعبده سرا دون رب العالمين جل وعز ، قاله الحسن وغيره . وفي حرف أبي " أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض وقد تركوك أن يعبدوك " . وقيل : " وإلا هتك " قيل : كان يعبد بقرة ، وكان إذا استحسن بقرة أمر بعبادتها ، وقال : أنا ربكم ورب هذه . ولهذا قال : " فأخرج لهم عجلا جسدا{[7301]} " [ طه : 88 ] . ذكره ابن عباس والسدي . قال الزجاج : كان له أصنام صغار يعبدها قومه تقربا إليه فنسبت إليه ؛ ولهذا قال : " أنا ربكم الأعلى " . قال إسماعيل بن إسحاق : قول فرعون " أنا ربكم الأعلى " . يدل على أنهم كانوا يعبدون شيئا غيره . وقد قيل : إن المراد بالإلاهة على قراءة ابن عباس البقرة التي كان يعبدها . وقيل : أرادوا بها الشمس وكانوا يعبدونها . قال الشاعر :

وأَعْجَلْنَا الإلاهَةَ أن تؤوبَا

ثم آنس قومه فقال " سنقتل أبناءهم " بالتخفيف ، قراءة نافع وابن كثير . والباقون بالتشديد على التكثير . " ونستحيي نساءهم " أي لا تخافوا جانبهم . " وإنا فوقهم قاهرون " آنسهم بهذا الكلام . ولم يقل سنقتل موسى لعلمه أنه لا يقدر عليه . وعن سعيد بن جبير قال : كان فرعون قد ملئ من موسى رعبا ، فكان إذا رآه بال كما يبول الحمار .


[7294]:في ز و ك: أن كان ليعبد.
[7295]:راجع ج 8 ص 199
[7296]:راجع ج 19 ص 198.
[7297]:راجع ج 14 ص 288.
[7298]:راجع ج 8 ص 337.
[7299]:من ب و ج و ز و ك.
[7300]:من ب و ج و ز و ك.
[7301]:راجع ج 11 ص 232 يلاحظ أن الآية في السامري.