{ ليلة الصيام } : الليلة التي يصبح العبد بعدها صائماً .
{ لباس لكم } : كناية عن اختلاط بعضكم ببعض كاختلاط الثوب البدن .
{ تختانون أنفسكم } : بتعريضها للعقاب ، ونقصان حظها من الثواب بالجماع ليلة الصيام قبل أن يحل الله لكم ذلك .
{ باشروهن } : جامعوهن ، أباح لهم ذلك ليلاً .
{ وابتغوا ما كتب الله لكم } : اطلبوا بالجماع الولد إن كان قد كتب لكم ، ولا يكن الجماع لمجرد الشهوة .
{ الخيط الأبيض } : الفجر الكاذب وهو بياض يلوح في الأفق كذنب السرحان .
{ الخيط الأسود } : سواد يأتي بعد البياض الأول فينسخه تماماً .
{ الفجر } : انتشار الضوء أفقياً ينسخ سواد الخيط الأسود ويعم الضياء الأفق كله .
{ عاكفون في المساجد } : منقطعون إلى العبادة في المسجد تقرّباً إلى الله تعالى .
{ حدود الله } : جمع حد وهو ما شرع الله تعالى من الطاعات فعلاً أو تركاً .
{ كذلك يبين الله آياته } : أي كما بين أحكام الصيام يبين أحكام سائر العبادات من أفعال وتروك ليهيئهم للتقوى التي هي السبب المورث للجنة .
كان في بداية فرض الصيام أن من نام بالليل لم يأكل ولم يشرب ولم يقرب امرأته حتى الليلة الآتية . كأن الصيام يبتدئ من النوم لا من طلوع الفجر ، ثم إن ناساً أتوا نساءهم وأخبروا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة تبيح لهم الأكل والشرب والجماع طوال الليل إلى طلوع الفجر ، فقال تعالى : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } أي الاختلاط بهن إذ لا غنى للرجل عن امرأته ولا للمرأة عن زوجها { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } . يسترها وتستره كالثوب يستر الجسم ، وأعلمهم أنه تعالى علم منهم ما فعلوه من إتيان نسائهم ليلاً بعد النوم قبل أن ينزل حكم الله فيه بالإِباحة أو المنح فكان ذلك منهم خيانة لأنفسهم فقال تعالى : { علم الله أنكم كنتم تختانون أنسفكم فتاب عليكم وعفا عنكم } . وأعلن لهم عن الإِباحة بقوله : { فالآن باشروهنّ وابتغوا ما كتب الله لكم } . يريد من الولد ، لأن الجماع لا يكون لمجرد قضاء الشهوة بل للإِنجاب والولد .
وحدد لهم الظرف الذي يصومون فيه وهو النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فقال تعال : { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر . ثم أتموا الصيام إلى الليل } وحرم على المعتكفين في المساجد مباشرة نسائهم فلا يحل للرجل وهو معتكف أن يخرج من المسجد ويغشى امرأته وإن فعل أثم وفسد اعتكافه ووجب عليه قضاؤه قال تعال : { ولا تباشورهن وأنتم عاكفون في المساجد } وأخبرهم أن ما بينّه لهم من الواجبات والمحرمات هي حدوده تعالى فلا يحل القرب منها ولا تعديها فقال عز وجل : { تلك حدود الله فلا تقربوها } ثم قال : { كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون } فامتنّ تعالى على المسلمين بهذه النعمة وهي بيان الشرائع والأحكام والحدود بما يوحيه إلى رسوله من الكتاب والسنة ليعد بذلك المؤمنين للتقوى ، إذ لا يمكن أن تكون تقوى ما لم تكن شرائع تتبع وحدود تحترم .
- إباحة الأكل والشرب والجماع في ليال الصيام من غروب الشمس إلى طلوع الفجر .
- بيان ظرف الصيام وهو من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس .
- بيان ما يمسك عنه الصائم وهو الأكل والشرب والجماع .
- مشروعية الاعتكاف وخاصة في رمضان ، وأن المعتكف لا يحل له مخالطة امرأته وهو معتكف حتى تنتهي مدة اعتكافه التي عزم أن يعتكفها .
- استعمال الكناية بدل التصريح فيما يستحى من ذكره ، حيث كنى بالمباشرة عن الوطء .
- حرمة انتهاك حرمات الشرع وتعدي حدوده .
- بيان الغاية من إنزال الشرائع ووضع الحدود وهي تقوى الله عز وجل .
- ثبت بالسنة : سنة السحور واستحباب تأخيره ما لم يخش طلوع الفجر ، واستحباب تعجيل الفطر .
ثم قال تعالى : { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }
كان في أول فرض الصيام ، يحرم على المسلمين في الليل بعد النوم الأكل والشرب والجماع ، فحصلت المشقة لبعضهم ، فخفف الله تعالى عنهم ذلك ، وأباح في ليالي الصيام كلها الأكل والشرب والجماع ، سواء نام أو لم ينم ، لكونهم يختانون أنفسهم بترك بعض ما أمروا به .
{ فتاب } الله { عليكم } بأن وسع لكم أمرا كان - لولا توسعته - موجبا للإثم { وعفا عنكم } ما سلف من التخون .
{ فالآن } بعد هذه الرخصة والسعة من الله { باشروهن } وطأ وقبلة ولمسا وغير ذلك .
{ وابتغوا ما كتب الله لكم } أي : انووا في مباشرتكم لزوجاتكم التقرب إلى الله تعالى والمقصود الأعظم من الوطء ، وهو حصول الذرية وإعفاف فرجه وفرج زوجته ، وحصول مقاصد النكاح .
ومما كتب الله لكم ليلة القدر ، الموافقة لليالي صيام رمضان ، فلا ينبغي لكم أن تشتغلوا بهذه اللذة عنها وتضيعوها ، فاللذة مدركة ، وليلة القدر إذا فاتت لم تدرك .
{ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } هذا غاية للأكل والشرب والجماع ، وفيه أنه إذا أكل ونحوه شاكا في طلوع الفجر فلا بأس عليه .
وفيه : دليل على استحباب السحور للأمر ، وأنه يستحب تأخيره أخذا من معنى رخصة الله وتسهيله على العباد .
وفيه أيضا دليل على أنه يجوز أن يدركه الفجر وهو جنب من الجماع قبل أن يغتسل ، ويصح صيامه ، لأن لازم إباحة الجماع إلى طلوع الفجر ، أن يدركه الفجر وهو جنب ، ولازم الحق حق .
{ ثم } إذا طلع الفجر { أتموا الصيام } أي : الإمساك عن المفطرات { إلى الليل } وهو غروب الشمس ولما كان إباحة الوطء في ليالي الصيام ليست إباحته{[126]} عامة لكل أحد ، فإن المعتكف لا يحل له ذلك ، استثناه بقوله : { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } أي : وأنتم متصفون بذلك ، ودلت الآية على مشروعية الاعتكاف ، وهو لزوم المسجد لطاعة الله [ تعالى ] ، وانقطاعا إليه ، وأن الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد .
ويستفاد من تعريف المساجد ، أنها المساجد المعروفة عندهم ، وهي التي تقام فيها الصلوات الخمس .
وفيه أن الوطء من مفسدات الاعتكاف .
{ تلك } المذكورات - وهو تحريم الأكل والشرب والجماع ونحوه من المفطرات في الصيام ، وتحريم الفطر على غير المعذور ، وتحريم الوطء على المعتكف ، ونحو ذلك من المحرمات { حدود الله } التي حدها لعباده ، ونهاهم عنها ، فقال : { فلا تقربوها } أبلغ من قوله : " فلا تفعلوها " لأن القربان ، يشمل النهي عن فعل المحرم بنفسه ، والنهي عن وسائله الموصلة إليه .
والعبد مأمور بترك المحرمات ، والبعد منها غاية ما يمكنه ، وترك كل سبب يدعو إليها ، وأما الأوامر فيقول الله فيها : { تلك حدود الله فلا تعتدوها } فينهى عن مجاوزتها .
{ كذلك } أي : بيَّن [ الله ] لعباده الأحكام السابقة أتم تبيين ، وأوضحها لهم أكمل إيضاح .
{ يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون } فإنهم إذا بان لهم الحق اتبعوه ، وإذا تبين لهم الباطل اجتنبوه ، فإن الإنسان قد يفعل المحرم على وجه الجهل بأنه محرم ، ولو علم تحريمه لم يفعله ، فإذا بين الله للناس آياته ، لم يبق لهم عذر ولا حجة ، فكان ذلك سببا للتقوى .
{ أحل لكم } : كان الأكل والجماع محرما بعد النوم في ليل رمضان ، فجرت لذلك قصة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ولصرمة بن مالك ، فأحلهما الله تخفيفا على عباده { الرفث } هنا الجماع ، وإنما تعدى بإلى لأنه في معنى الإفضاء .
{ هن لباس لكم } تشبيه بالثياب ، لاشتمال كل واحد من الزوجين على الآخر ، وهذا تعليل للإباحة .
{ تختانون أنفسكم } أي : تأكلون وتجامعون بعد النوم في رمضان .
{ فتاب عليكم وعفى عنكم } أي : غفر ما وقعتم فيه من ذلك ، وقيل : رفع عنكم ذلك الحكم .
{ ما كتب الله لكم } قيل : الولد يبتغى بالجماع ، وقيل : الرخصة في الأكل والجماع لمن نام في ليل رمضان بعد منعه .
{ من الفجر } بيان للخيط الأبيض لا للأسود ؛ لأن الفجر ليس له سواد ، والخيط هنا استعارة : يراد بالخيط الأبيض بياض الفجر ، وبالخيط الأسود : سواد الليل ، وروي أن قوله :{ من الفجر } نزل بعد ذلك بيانا لهذا المعنى ، لأن بعضهم جعل خيطا أبيض وخيطا أسود تحت وسادته ، وأكل حتى تبين له ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " إنما هو بياض النهار وسواد الليل " .
{ إلى الليل } أي : إلى أول الليل ، وهو غروب الشمس ، فمن أفطر قبل ذلك فعليه القضاء والكفارة ، ومن شك هل غربت أم لا فأفطر فعليه القضاء والكفارة أيضا . وقيل : القضاء فقط ، وقالت عائشة رضي الله عنها : " إلى الليل " يقتضي المنع من الوصال ، وقد جاء ذلك في الحديث .
{ ولا تباشروهن } تحريم للمباشرة حين الاعتكاف ، قال الجمهور : المباشرة هنا الجماع فما دونه . وقيل : الجماع فقط .
{ في المساجد } دليل على جواز الاعتكاف في كل مسجد ؛ خلافا لمن قال : لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام ، ومسجد المدينة ، وبيت المقدس : وفيه أيضا دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد لا في غيرها خلافا لمن أجازه في غيرها من مفهوم الآية .
{ حدود الله } أحكامه التي أمر بالوقوف عندها .
{ فلا تقربوها } أي : لا تقربوا مخالفتها ، واستدل بعضهم به على سد الذرائع لأن المقصود النهي عن المخالفة للمحدود لقوله :{ تلك حدود الله فلا تعتدوها } [ البقرة :229 ] ، ثم نهى هنا عن مقاربة المخالفة سدا للذريعة .