التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ تِسۡعَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ فَسۡـَٔلۡ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ إِذۡ جَآءَهُمۡ فَقَالَ لَهُۥ فِرۡعَوۡنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰمُوسَىٰ مَسۡحُورٗا} (101)

{ تسع آيات } بينات الخمس منها الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ، والأربع انقلاب العصا حية ، وإخراج يده بيضاء ، وحل العقدة من لسانه ، وفلق البحر ، وقد عد فيها رفع الطور فوقه ، وانفجار الماء من الحجر على أن يسقط اثنان من الأخر ، وقد عد فيها أيضا السنون ، والنقص من الثمرات ، روي أن بعض اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال : " ألا تشركوا بالله شيئا ، ولا تسرقوا ولا تزنوا ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ولا تمشي ببريء إلى السلطان ليقتله ، ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا المحصنات ، ولا تفروا يوم الزحف وعليكم خاصة اليهود ألا تعدوا في السبت " .

{ فاسأل بني إسرائيل } أي : اسأل المعاصرين لك من بني إسرائيل عما ذكرنا من قصة موسى لتزداد يقينا ، والآية على هذا خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وقال الزمخشري : إن المعنى : قلنا لموسى اسأل بني إسرائيل من فرعون أي : اطلب منه أن يرسلهم معك ، فهو كقوله : { أن أرسل معنا بني إسرائيل } [ الشعراء : 17 ] ، فلا يرد قوله : اسأل لموسى على إضمار القول ، وقال أيضا : يحتمل أن يكون المعنى : اسأل بني إسرائيل أن يعضدوك ويكونوا معك ، وهذا أيضا على أن يكون الخطاب لموسى ، والأول أظهر .

{ إذ جاءهم } الضمير لبني إسرائيل ، والمراد آباؤهم الأقدمون والعامل في { إذ } على القول الأول آتينا موسى أو فعل مضمر ، والعامل فيه على قول الزمخشري : القول المحذوف .

{ مسحورا } هنا وفي الفرقان أي : سحرت واختلط عقلك ، وقيل : ساحر .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ تِسۡعَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ فَسۡـَٔلۡ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ إِذۡ جَآءَهُمۡ فَقَالَ لَهُۥ فِرۡعَوۡنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰمُوسَىٰ مَسۡحُورٗا} (101)

قوله تعالى : { ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا ( 101 ) قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا ( 102 ) فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا ( 103 ) وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا لكم لفيفا ( 104 ) } أرسل الله رسوله موسى إلى فرعون ومثله بتسع آيات ؛ أي تسع دلائل أو حجج ظاهرة تشهد بصدقه وأنه مرسل من رب العالمين . والآيات التسع : هي العصا واليد والسنين والبحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم . وهذه علامات تسع تحمل أولي الطبائع السوية والعقول السليمة على التصديق والاستيقان ( فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم ) وهو سؤال استشهاد ؛ أي سلهم حين جاءهم موسى بالبينات ليظهر لهم أنك صادق فيما جئتهم به فيطمئنوا ويزدادوا يقينا . على أن نبي الله موسى قد أوتي آيات أخريات غير التسع ، وذلك كضرب البحر بالعصا لينبجس منه الماء ، وتظليل بني إسرائيل بالغمام ، وإنزال المن والسلوى ، ووقوف الماء كالطود العظيم من جانبي كل طريق مرّ به بنو إسرائيل في البحر . وغير ذلك من الآيات المعجزة . أما هذه الآيات التسع ؛ فهي التي شهدها فرعون وملؤه من أهل مصر .

قوله : ( فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا ) دعا موسى فرعون إلى توحيد الله ، والكف عما أحاط به نفسه من الكبرياء والغرور وبالغ الكفران . وقد أراه الله جملة من آيات الله لعله يتذكر أو يخشى . لكن هذا الطاغوت قد كذّب وجحد واستكبر فقال قولته لنبي الله موسى ( وإني لأظنك يا موسى مسحورا ) أي ما جئتنا به فهو مما أصابك من السحر حتى صرت مسحورا فتخبط عقلك . وقيل : مسحورا ؛ أي ساحرا بعجيب ما جئتنا به .