{ ورسولا } حال معطوف على { ويعلمه } إذ التقدير ومعلما الكتاب أو يضمر له فعل تقديره أرسل رسولا أو جاء رسولا .
{ إلى بني إسرائيل } أي : أرسل إليهم عيسى عليه السلام مبينا لحكم التوراة .
{ أني } تقديره بأني { أخلق } بفتح الهمزة بدل من أني الأولى ، أو من آية وبكسرها ابتداء كلام .
{ فأنفخ فيه } ذكر هنا الضمير لأنه يعود على الطين ، أو على الكاف من كهيئة ، وأنث في المائدة لأنه يعود على الهيئة .
{ فيكون طيرا } قيل : إنه لم يخلق غير الخفاش ، وقرئ طيرا بياء ساكنة على الجمع ، وبالألف وهمزة على الإفراد ، ذكر بإذن الله : رفعا لوهم من توهم في عيسى الربوبية .
{ وأبرئ } روي أنه : " كان يجتمع إليه جماعة من العميان والبرصاء فيدعو لهم فيبرؤون " .
{ وأحيي الموتى } روي أنه : " كان يضرب بعصاه الميت أو القبر فيقوم الميت ويكلمه " ، وروي أنه : " أحيى سام بن نوح " .
{ وأنبئكم } كان يقول : يا فلان أكلت كذا وادخرت في بيتك كذا .
ولما ذكر الكتاب المنزل عليه حسن ذكر الرسالة فقال بعد ما أفاد عظمتها بجعله{[17138]} ما مضى مقدمات لها : { ورسولاً } عطفاً على
" تالياً " المقدر ، أو ينصب بتقدير : يجعله{[17139]} { إلى بني إسراءيل } أي بالإنجيل . ولما كان ذكر الرسالة موجباً لتوقع الآية دلالة{[17140]} على صحتها ، وكان من شأن الرسول مخاطبة المرسل إليهم وإقباله بجميع رسالته عليهم اتبعه ببيان{[17141]} الرسالة مقروناً بحرف التوقع{[17142]} فقال : { إني } أي{[17143]} ذاكراً أني { قد جئتكم بآية من ربكم } أي الذي طال إحسانه إليكم ، ثم أبدل من " آية "
{ إني أخلق لكم } أي لأجل تربيتكم بصنائع{[17144]} الله { من الطين } قال الحرالي : هو متخمر{[17145]} الماء والتراب حيث يصير متهيئاً{[17146]} لقبول وقوع الصورة فيه { كهيئة } وهي كيفية وضع أعضاء الصورة بعضها من بعض التي يدركها ظاهر الحس - انتهى{[17147]} وهي الصورة{[17148]} المتهيئة{[17149]} لما يراد{[17150]} منها{[17151]} { الطير } ثم ذكر احتياجه في إحيائه{[17152]} إلى معالجة بقوله{[17153]} معقباً للتصوير : { فأنفخ } قال الحرالي : من النفخ ، وهو إرسال الهواء من منبعثه بقوة انتهى{[17154]} . { فيه } أي في ذلك الذي هو مثل الهيئة { فيكون طيراً } أي طائراً بالفعل - كما في قراءة نافع ، وذكر المعالجة لئلا يتوهم أنه خالق حقيقة ، ثم أكد ذلك إزالة{[17155]} لجميع الشبه بقوله : { بإذن الله } أي بتمكين الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال ، له روح كامل لحمله في الهواء تذكيراً بخلق آدم عليه السلام من تراب ، وإشارة إلى أن هذا أعجب من خلق آدمي{[17156]} من أنثى فقط فلا تهلكوا في ذلك .
ولما ذكر ما يشبه أمر آدم عليه السلام أتبعه علاج أجساد أولاده بما يردها إلى معتادها بما يعجز أهل زمانه ، وكان الغالب عليهم الطب{[17157]} وبدأ بأجزائها{[17158]} فقال : { وأبرىء } قال الحرالي : من الإبراء وهو تمام التخلص من الداء ، والداء{[17159]} ما يوهن{[17160]} القوى ويغير الأفعال العامة للطبع والاختيار - انتهى .
( الأكمه والأبرص } بإيجاد ما فقد منهما من الروح المعنوي ؛ والكمه - قال الحرالي - ذهاب البصر في أصل الخلقة كالذي يولد أعمى أو يعمى قبل أن يميز الأشياء أو يدركها . والبرص أصل معناه : تلمع الشيء بلمع{[17161]} خلاف ما هو عليه ، ومنه براص الأرض - لبقع{[17162]} لا نبت فيها ، ومنه البريص في معنى البصيص ، فما تلمع من الجلد على غير حاله{[17163]} فهو لذلك{[17164]} برص وقال الحرالي : البرص عبارة عن{[17165]} سوء مزاج يحصل بسببه تكرج{[17166]} ، أي فساد بلغم يضعف القوة المغيرة{[17167]} عن إحالته{[17168]} إلى لون الجسد - انتهى .
ولما فرغ من رد الأرواح إلى أجزاء الجسم{[17169]} أتبعه رد الروح الكامل في جميعه المحقق لأمر البعث المصور له بإخراجه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة في بعض الآدميين فقال : { وأحيي الموتى } أي برد أرواحهم إلى أشباحهم ، بعضهم بالفعل وبعضهم بالقوة ، لأن الذي أقدرني على البعض قادر على ذلك في الكل ، وقد أعطاني قوة ذلك ، وهذا كما نقل القضاعي أن الحسن قال : " أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أنه طرح بنيّة له في وادي كذا{[17170]} ، فمضى معه إلى الوادي وناداها باسمها : يا فلانة ! أجيبي{[17171]} بإذن الله سبحانه وتعالى ! فخرجت وهي تقول : لبيك وسعديك ! فقال لها{[17172]} : إن أبويك قد أسلما {[17173]}فإن أحببت{[17174]} أردك إليهما{[17175]} ، فقالت : لا حاجة لي{[17176]} بهما ، وجدت الله خيراً لي منهما " وقد تقدم في البقرة عند{ أرني كيف تحيي{[17177]} الموتى }[ البقرة : 260 ] ما ينفع هنا ، وقصة قتادة ابن دعامة في رده صلى الله عليه وسلم عينه{[17178]} بعد أن أصابها{[17179]} سهم فسالت على خده ، فصارت أحسن من أختها شهيرة ، وقصة أويس القرني رحمه الله تعالى في إبراء الله سبحانه وتعالى له من البرص ببرّه{[17180]} لأمه كذلك{[17181]} .
ولما كان ذلك من أمر{[17182]} الإحياء الذي هو من خواص الإلهية وأبطن آيات الملكوتية ربما أورث لبساً في أمر الإله تبرأ منه ورده إلى من هو له ، مزيلاً للبس وموضحاً للأمر فقال{[17183]} مكرراً لما قدمه في مثله{[17184]} معبراً بما يدل على عظمه : { بإذن الله } أي بعلمه وتمكينه ، ثم{[17185]} أتبعه ما هو من جنسه في الإخراج من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فقال : { وأنبئكم } أي من الأخبار الجليلة من عالم الغيب{[17186]} { بما تأكلون } أي مما لم أشاهده ، بل تقطعون{[17187]} بأني كنت غائباً عنه{[17188]} { وما تدخرون } ولما كان مسكن الإنسان أعز{[17189]} البيوت عنده وأخفى لما يريد{[17190]} أن يخفيه قال : { في بيوتكم } قال الحرالي : من الادخار : افتعال من الدخرة ، قلب حرفاه{[17191]} الدال{[17192]} لتوسط الدال{[17193]} بين تطرفهما في متقابلي حالهما ؛ والدخرة ما{[17194]} اعتنى بالتمسك به عدة لما شأنه أن يحتاج إليه فيه ، فما كان لصلاح خاصة الماسك فهو ادخار ، وما كانت لتكسب{[17195]} فيما يكون{[17196]} من القوام فهو احتكار - انتهى .
ولما ذكر هذه{[17197]} الخوارق نبه على أمرها بقوله : { إن في ذلك } أي الأمر العظيم { لآية لكم } أي أيها المشاهدون{[17198]} على أني عبد الله ومصطفاه ، فلا تهلكوا في تكويني من أنثى فقط فتطروني ، فإني لم أعمل شيئاً منها إلا ناسباً له إلى الله سبحانه وتعالى وصانعاً فيه ما يؤذن بالحاجة المنافية للإلهية ولو بالدعاء ، وأفرد{[17199]} كاف الخطاب أولاً لكون ما عده ظاهراً لكل أحد على انفراده أنه آية لجميع المرسل إليهم ، وكذا جمع{[17200]} ثانياً{[17201]} قطعاً لتعنت{[17202]} من قد يقول : إنها لا تدل إلا باجتماع أنظار{[17203]} جميعهم - {[17204]}لو جمع{[17205]} الأول ، وإنها ليست آية لكلهم بل لواحد منهم - لو وحد{[17206]} في الثاني ، ولما كانت الآيات لا تنفع مع المعاندات قال : { إن كنتم مؤمنين * } أي مذعنين بأن الله سبحانه وتعالى قادر على ما يريد ، وأهلاً لتصديق ما ينبغي التصديق به .