{ إلا الذين يصلون } الآية : استثناء من قوله :{ فخذوهم واقتلوهم } ومعناها أن من وصل من الكفار غير المعاهدين إلى الكفار المعاهدين وهم الذين بينهم وبين المسلمين عهد ومهادنة فحكمه كحكمهم في المسالمة وترك قتاله وكان ذلك في أول الإسلام ثم نسخ بالقتال في أول سورة براءة ، قال السهيلي وغيره : الذين يصلون هم بنو مدلج بن كنانة إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق بنو خزاعة فدخل بنو مدلج في صلح خزاعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فمعنى ( يصلون إلى قوم ) : ينتهون إليهم ، ويدخلون فيما دخلوا فيه من المهادنة وقيل : معنى يصلون أي ينتسبون وهذا ضعيف جدا بدليل قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش ، وهم أقاربه وأقارب المؤمنين فكيف لا يقاتل أقارب الكفار المعاهدين .
{ أو جاؤوكم حصرت صدورهم } عطف على يصلون أو على صفة قوم وهي : بينكم وبينهم ميثاق ، والمعنى يختلف باختلاف ذلك ، والأول أظهر ، وحصرت صدورهم : في موضع الحال بدليل قراءة يعقوب حصرت ، ومعناه ضاقت عن القتال وكرهته ، ونزلت الآية في قوم جاؤوا إلى المسلمين ، وكرهوا أن يقاتلوا المسلمين وكرهوا أيضا أن يقاتلوا قومهم وهم أقاربهم الكفار فأمر الله بالكف عنهم ثم نسخ أيضا ذلك بالقتال .
{ فإن اعتزلوكم } أي : إن سالموكم فلا تقاتلوهم ، والسلم هنا الانقياد .
{ إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً ( 90 ) }
لكن الذين يتصلون بقوم بينكم وبينهم عهد وميثاق فلا تقاتلوهم ، وكذلك الذين أتَوا إليكم وقد ضاقت صدورهم وكرهوا أن يقاتلوكم ، كما كرهوا أن يقاتلوا قومهم ، فلم يكونوا معكم ولا مع قومهم ، فلا تقاتلوهم ، ولو شاء الله تعالى لسلَّطهم عليكم ، فلقاتلوكم مع أعدائكم من المشركين ، ولكن الله تعالى صرفهم عنكم بفضله وقدرته ، فإن تركوكم فلم يقاتلوكم ، وانقادوا إليكم مستسلمين ، فليس لكم عليهم من طريق لقتالهم .
وقوله : ( إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ) ذلك استثناء من أولئك الذين وجب أخذهم وقتلهم . والمستثنون هم الذين يلوذون – من خلال جوار أو حلف- بأناس يربطهم بهم ميثاق أو عهد ، فأولئك المستثنون لا يؤخذون ولا يقتلون بالنظر لرباطهم الموثوق . وقد ذكر أن هذا الحكم منسوخ بالتحلل من العهود الواردة في سورة " براءة " حيث النبذ لعهود المشركين والشروع في محاربتهم أينما كانوا .
قوله : ( أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ) وذلك استثناء آخر فهو معطوف على المستثنى الآنف ذكره وهو متعلق بفريق من المشركين المسالمين الموادعين الذين ( حصرت صدورهم أن يقاتلوكم ) أي ضاقت صدورهم عن قتالكم وهم مبغضون لذلك ، وهم كذلك يعز عليهم قتال قومهم المشركين . فهؤلاء ليسوا لكم أو عليكم .
وقوله : ( ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم . . . ) من شأن الله سبحانه أن يبلو عباده المؤمنين ويصيبهم بضروب من المصائب والمحن ؛ وذلك لمعاص قد ارتكبوها ، ثم يريد الله أن يمحو بذلك من سيئاتهم إن احتملوا وصبروا ، أو أن الله يبلوهم ليمحّص المؤمنين وليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين . أو أنه – جلت قدرته- يتعبد المؤمنين بابتلائهم ليصبروا وليزدادوا إيمانا مع إيمانهم .
وعلى هذا فلو شاء الله لابتلى عباده المؤمنين بأن سلّط عليهم هؤلاء الذين غمروا في صفوف المشركين بعد ضعف ، وتخلّفوا عن مركب الإيمان من غير حيلة فقاتلوهم قتالا لا يرعون فيهم إلا ولا ذمة . وذلك فضل من الله أن نجّى عباده من هذا الكيد المحتمل .
هذا الصنف من الناس إذا ما اعتزلوا المسلمين ثم لم يقاتلوهم وألقوا إليهم المسالمة والموادعة فليس للمسلمين بعد ذلك أن يقاتلوهم{[803]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.