صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ} (103)

{ لا تدركه الأبصار }لا تحيط بعظمته و جلاله على ما هو عليه أبصار الخلائق في الدنيا و الآخرة ، أو لا تدركه الأبصار إدراك إحاطة بكنهه و حقيقته ، فإن ذلك محال . و الإدراك بهذا المعنى أخص من الرؤية التي هي مجرد المعاينة ، فنفيه لا يقتضى نفي الرؤية ، إذا نفى الأخص لا يستلزم نفي الأعم . فأنت ترى القمر و لا تدرك حقيقته ، و لذلك أثبت أهل السنة رؤية المؤمنين له تعالى في الآخرة ، كما قال تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة . إلى ربها ناظرة }{[144]} . و ذهب بعض السلف على أن الآية مخصوصة بالدنيا . { و هو يدرك الأبصار }أي وهو يدرك القوة التي تدرك بها المبصرات و يحيط بها علما ، إذ هو خالق القوى و الحواس .


[144]::آية 22 و 23 القيامة.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ} (103)

قوله : { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } اختلف أهل التأويل في تأويل الإدراك والأبصار . فقيل الإدراك هنا بمعنى الرؤية وهي عند المعتزلة مستحيلة قال الزمخشري في هذا الصدد : والمعنى أن الأبصار لا تتعلق به ولا تدركه ، لأنه متعال أن يكون مبصرا في ذاته لأن الأبصار إنما تتعلق بما كان في جهة أصلا أو تابعا كالأجسام والهيئات . وهو يدرك الأبصار . وهو للطف إدراكه للمدركات يدرك تلك الجواهر اللطيفة التي لا يدركها مدرك .

أما أهل السنة فقد جوزوا حصول الرؤية يوم القيامة لقوله تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة ( 22 ) إلى ربها ناظرة } .

وقيل : الإدراك معناه الإحاطة بالحقيقة . أو هو الوقوف على كنه الأشياء . فالله تعالى لا تحيط بحقيقته الأبصار وهو يحيط بحقيقتها . وقيل : الإدراك معناه الإحاطة . وإدراك الشيء معناه الإحاطة به . والأبصار جمع بصر ويعني الحاسة . وقيل غير ذلك . وجملة القول أن الله في ذاته وحقيقة كماله لا تحيط به أبصار الخلق على الخلاف في معنى الأبصار سواء في ذلك الرؤية أو غيرها من حواس الإنسان .

لكن الله جل وعلا محيط بالأبصار ، ومطلع على سائر الأخبار والأسرار ، عالم بظواهر الكائنات وأكناهها .

قوله : { وهو اللطيف الخبير } اللطيف من اللطف وهو الرحمة والرفق . أي أن الله رفيق بعباده رحيم بهم . والخبير : العالم الذي يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار{[1237]} .


[1237]:- البيان للطوسي ج 4 ص 222- 226 وتفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي ج 4 ص 195 وتفسير البغوي ج 2 ص 119 وفتح القدير ج 2 ص 148.