صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (169)

{ فخلف من بعدهم . . . } فجاء من بعد هؤلاء الذين فيهم الصالح وغير الصالح خلف لا خير فيهم ، وهم اليهود الذين كانوا في عهده صلى الله عليه وسلم . والخلف : القرن مجيء بعد القرن . وهو بسكون اللام شائع فيمن يخلف بالسوء ، ويفتحها فيمن يخلف بالخير . { يأخذون عرض . . . }يأخذون عوضا عن قول الحق متاع هذه الحياة الدنيا ، وهو الرشوة في الأحكام ، والرشوة على التحريف . والعرض : متاع الدنيا وحطامها . و{ الأدنى } الأقرب ، والمراد به الدنيا ، وهي من الدنو للقرب بالنسبة إلى الآخرة .

{ و إن يأتهم عرض . . . } أي وإن أتاهم شيء من حطام الدنيا أخذوه ، حلالا كان أو حراما ، ويتمنون على الله المغفرة . وإن وجدوا من الغد مثله أخذوه ، وذلك لشدة حرصهم على الدنيا وإصرارهم على المعاصي .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (169)

قوله تعالى : { فخلف من بعدهم } ، أي : جاء من بعد هؤلاء الذين وصفناهم .

قوله تعالى : { خلف } ، والخلف : القرن الذي يجيء بعد قرن ، قال أبو حاتم : الخلف بسكون اللام الأولاد ، الواحد والجمع فيه سواء ، والخلف بفتح اللام : البدل ، سواء كان ولداً أو غريباً ، وقال ابن الأعرابي : الخلف بالفتح الصالح ، وبالجزم : الطالح ، وقال النضر بن شميل : الخلف بتحريك اللام وإسكانها في القرن السوء واحد ، وأما في القرن الصالح فبتحريك اللام لا غير ، وقال محمد بن جرير : أكثر ما جاء في المدح بفتح اللام ، وفي الذم بتسكينها ، وقد يحرك في الذم ، ويسكن في المدح .

قوله تعالى : { ورثوا الكتاب } ، أي : انتقل إليهم الكتاب من آبائهم وهو التوراة .

قوله تعالى : { يأخذون عرض هذا الأدنى } ، فالعرض متاع الدنيا ، والعرض ، بسكون الراء ، ما كان من الأموال سوى الدراهم والدنانير . وأراد بالأدنى العالم ، وهو هذه الدار الفانية ، فهو تذكير الدنيا ، وهؤلاء اليهود ورثوا التوراة فقرؤوها وضيعوا العمل بما فيها ، وخالفوا حكمها ، يرتشون في حكم الله وتبديل كلماته .

قوله تعالى : { ويقولون سيغفر لنا } ، ذنوبنا ، يتمنون على الله الأباطيل . أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة ، أنبأنا أبو طاهر ، محمد بن أحمد بن الحارث ، أنبأنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي ، أنبأنا عبد الله بن محمود ، أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ، أنبأنا عبد الله بن المبارك ، عن أبي بكر بن أبي مريم الغساني ، عن ضمرة بن جندب عن شداد بن أوس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ) .

قوله تعالى : { وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه } ، هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا ، وإصرارهم على الذنوب ، يقول : إذا أشرف لهم شيء من الدنيا أخذوه ، حلالاً كان أو حراماً ، ويتمنون على الله المغفرة ، وإن وجدوا من الغد مثله أخذوه ، وقال السدي : كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضياً إلا ارتشى في الحكم ، فيقال له : ما لك ترتشي ؟ فيقول : سيغفر لي ، فيطعن عليه الآخر ، فإذا مات أو نزع وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه فيرتشي أيضاً . يقول : وإن يأت الآخرين عرض مثله يأخذوه . قوله تعالى : { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق } أي : أخذ عليهم العهد في التوراة أن لا يقولوا على الله الباطل ، وهي تمني المغفرة مع الإصرار ، وليس في التوراة ميعاد المغفرة مع الإصرار .

قوله تعالى : { ودرسوا ما فيه } ، قرؤوا ما فيه ، فهم ذاكرون لذلك ، ولو عقلوه لعملوا للدار الآخرة ، ودرس الكتاب : قراءته وتدبره مرةً بعد أخرى .

قوله تعالى : { والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون } .