الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (169)

ثم قال تعالى : { فخلف من بعدهم خلف }[ 169 ] .

أي : حدث من بعدهم خلف سوء ، يعني : أبناءهم{[25873]} .

و " الخَلْفُ " {[25874]} : الرديء من القول ، ومن الأبناء{[25875]} ، يقال{[25876]} للواحد والاثنين والجميع{[25877]} ، بلفظ واحد{[25878]} .

ويقال في المدح : " هذا خلف صِدق " ، بتحريك اللام ، ولزم{[25879]} تسكن اللام فيه ، هذا{[25880]} الأشهر .

وقد تحرك في الذم وتسكن في المدح{[25881]} ، قال حسان :

. . . . . . . . {[25882]}وخلفنا *** لأولنا في طاعة الله تابع{[25883]}

والخلف السوء ، مأخوذ من قولهم : " خلف اللبن " ، إذ حمض حتى فسد ، ومن قولهم : " خَلَفُ فم الصائم " ، إذا تغير ريحه{[25884]} .

وقال{[25885]} مجاهد : " الخلف " في الآية يراد به النصارى{[25886]} بعد اليهود .

{ ياخذون عرض هذا الادنى }[ 169 ] .

يعني : الرشوة على الحكم في قول الجميع{[25887]} .

{ ويقولون سيغفر لنا }[ 169 ] .

يحتمل وجهين :

أحدهما : أنه مغفور ، لا نؤاخذ به .

والثاني : أنه ذنب ، لكن الله قد يغفره لنا ، تأميلا{[25888]} منهم لرحمته{[25889]} .

وهو ما عنَّ{[25890]} لهم من عرض الدنيا حلالا كان أو حراما ، يأخذونه ويتمنون المغفرة ، { ويقولون سيغفر لنا } ، وإن وجدوا بعده مثله ، أخذوه ، فهم مصرون على أخذه ، وإنما يتمنى المغفرة من أقلع عن الذنب ، فلم{[25891]} يعد إليه ، ولا نوى الرجوع إلى مثله .

قال ابن جبير : يعملون بالذنب ثم يستغفرون منه ، فإن عرض{[25892]} لهم ذنب ركِبوه{[25893]} .

و " العرض " {[25894]} عنده : الذنوب{[25895]} .

قال السدي : كان{[25896]} بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ارتشي في الحكم ، فيقال{[25897]} له في ذلك ، فيقول : { سيغفر لنا } ، فيطعن عليه بقية بني إسرائيل . فإذا مات جعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه ، فيرتشي ، أيضا ، ثم لا يثوبون{[25898]} .

قال ابن زيد : يأتيهم المحق برشوة ، فيخرجون له كتاب الله ، ثم يحكمون له بالرشوة / فإذا جاءهم الظالم بالرشوة ، أخرجوا له الكتاب الذي كتبوا بأيديهم ، وقالوا : { هذا[ من عند الله ]{[25899]} ليشتروا به ثمنا قليلا }{[25900]} ، وهو عرض الدنيا ، هو الرُّشَى{[25901]} في الحكم ، فيحكمون له بما في الكتاب ، فهو [ في كتابهم{[25902]} ، محق ، وهو في التوراة ظالم ، فقال الله ( عز وجل{[25903]} ) : { ألم{[25904]} يوخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه{[25905]} }[ 169 ] .

المعنى : ألم يؤخذ عليهم الميثاق ، ألا يعملوا{[25906]} إلا بما في التوراة ، و{ أن لا يقولوا على الله إلا الحق } .

[ قال ابن عباس : { أن لا يقولوا على الله إلا الحق } ]{[25907]} ، يعني [ فيما ] يوجبون به من غفران ذنوبهم{[25908]} التي هم عليها مصرون{[25909]} .

وقوله : { ودرسوا ما فيه }[ 169 ] .

معناه : ورثوا الكتاب ، ودرسوا ما فيه ، فنبذوه ، وعملوا بخلاف ما فيه{[25910]} .

وقال ابن زيد : علَّموه ، فعلِموا ما فيه{[25911]} .

ثم قال : { والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون{[25912]} }[ 169 ] .

أي : ما فيها من النعيم{[25913]} .

قوله{[25914]} : { ياخذوه }[ 169 ] وقف{[25915]} .

وكذا{[25916]} : { إلا الحق }{[25917]}[ 169 ] .

وكذا : { ودرسوا ما فيه }{[25918]}[ 169 ] .


[25873]:جامع البيان 13/209، بتصرف.
[25874]:بسكون اللام.
[25875]:قال في: تفسير مشكل الغريب 176: أي الرديء من الناس. وفي غريب ابن قتيبة: الخُلْفُ: الرديء من الناس ومن الكلام، يقال: هذا خلف من القول.
[25876]:في الأصل: يقول، وهو تحريف.
[25877]:في "ر": والجمع، وأحسبه كذلك، في "ج"، لأن أثر الأرضة عسَّر قراءته.
[25878]:انظر: تفسير القرطبي 7/197.
[25879]:في "ر": والزم. وفي "ج"، عسير القراءة بفعل الرطوبة والأرضة.
[25880]:في "ج": وهذا.
[25881]:انظر: مجاز القرآن 1/232، ومعاني القرآن للأخفش 1/341، وتفسير القرطبي 7/198، والبحر المحيط 4/413، والدر المصون 3/366. وقال ابن الأنباري كما في زاد المسير 3/280،: "أكثر ما تستعمل العرب الخلف، بإسكان اللام، في الرديء المذموم وتفتح اللام في الفاضل الممدوح. وقد يوقع الخَلف على الممدوح، والخلف على المذموم، غير أن المختار ما ذكرناه".
[25882]:وصدره: لنا القدم الأولى إليك.... *** .......................
[25883]:جامع البيان 13/209، والمحرر الوجيز 2/472، وتفسر القرطبي 7/198، والبحر المحيط 4/413، والدر المصون 3/366، وفتح القدير 2/297. والشاهد في: "وخلفنا"، حيث سكن في المدح، خلاف المشهور.
[25884]:جامع البيان 13/210، بتصرف.
[25885]:في "ج": قال.
[25886]:التفسير 346، وتفسير هود بن محكم الهواري 2/57، وجامع البيان 13/210، وضعَّف فيه، وتفسير ابن أبي حاتم 5/1607، وتفسير الماوردي 2/275، وزاد المسير 3/280، وتفسير ابن كثير 2/260، وفيه: "وقد يكون أعم من ذلك"، والدر المنثور 3/593.
[25887]:تفسير الماوردي 2/260، وتمامه: "وسماه عرضا لقلة بقائه".
[25888]:في الأصل: تأملا، وأثبت ما في مصدر التوثيق أسفله، وزاد المسير 3/281.
[25889]:تفسير الماوردي 2/275. ومن قوله: "يعني الرشوة" إلى: "تأميلا منهم لرحمته" ساقط من "ج" و"ر".
[25890]:في الأصل: ما عز، بزاي معجمة، وهو تحريف. وفي السياق اضطراب لا يخفى، نتيجة زيادة الأصل المشار إليها أعلاه. وعنَّ له كذا يَعُنَّ، بضم العين وكسرها، عننا، أي: عرض واعترض. المختار/عن.
[25891]:في ""ج: ولم.
[25892]:عرض لهم، مطموسة في ر.
[25893]:جامع البيان 13/212، وتفسير ابن كثير 2/260، والدر المنثور 3/594، بألفاظ متقاربة.
[25894]:في "ج": فالعرض.
[25895]:جامع البيان 13/212، وتفسير ابن أبي حاتم 5/1608.
[25896]:في الأصل: كانوا.
[25897]:في الأصل: فيقول، وهو تحريف.
[25898]:جامع البيان 13/213، وتفسير ابن كثير 2/262، بتصرف.
[25899]:زيادة من "ج" و"ر".
[25900]:البقرة: 78.
[25901]:الرشوة، بكسر الراء وضمها، والجمع: رُشا، بكسر الراء وضمها. المختار / رشا.
[25902]:زيادة من "ج".
[25903]:ما بين الهلالين ساقط من "ج".
[25904]:في الأصل: ألن. وهو تحريف ناسخ.
[25905]:جامع البيان 13/214، بتصرف.
[25906]:في الأصل: وألا يعلموا، وهو تحريف. وفي "ر": وألاّ يعملوا، ولا يستقيم به السياق.
[25907]:زيادة من "ج" و"ر".
[25908]:في "ر": لذنوبهم.
[25909]:جامع البيان 13/215، والدر المنثور 3/594، بتصرف. وفي الأصل: "مضرون"، وهو تصحيف.
[25910]:جامع البيان 13/215، بتصرف. وينظر: تفسير القرطبي 7/198.
[25911]:انظر جامع البيان 13/215، وتفسير ابن أبي حاتم 5/1609، والدر المنثور 3/595.
[25912]:ما بين الهلالين ساقط من "ج".
[25913]:انظر: جامع البيان 13/215، 216، ففيه تفصيل ما أجمله مكي هاهنا.
[25914]:في "ر": قالوا، وهو تحريف.
[25915]:هو كاف، كما في القطع والإئتناف 343، والمكتفى 277. وينظر: منار الهدى 153.
[25916]:في "ج": وكذلك.
[25917]:هو كاف، كما في القطع والإئتناف 343، والمكتفى 277، ومنار الهدى 153.
[25918]:هو كاف، كما في المصادر نفسها.