صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (31)

{ ويحفظن فروجهن } عما لا يحل لهن من الزنا والسحاق والإبداء .

{ ولا يبدين زينتهن } الزينة : ما يتزين به ؛ كالخلخال والخضاب في الرجل ، والسوار في المعصم ، والقرط في الأذن ، والقلادة في العنق ، والوشاح في الصدر ، والإكليل في الرأس ، ونحو ذلك .

فلا يجوز للمرأة إظهارها حال ملابستها لمواضعها ، ولا يجوز للأجنبي النظر إليها كذلك ؛ والنهي عن إظهار الزينة حال ملابستها لمواضعها يستلزم النهي عن إظهار مواضعها بفحوى الخطاب . { إلا ما ظهر منها } أي ما جرت العادة بظهوره ؛ كالخاتم في الإصبع ، والكحل في العين ، والخضاب في الكف ، ونحو ذلك ، فإنه يجوز للمرأة إظهاره . وقيل : المراد بالزينة مواضعها من البدن ؛ فيحرم إظهارها ، وكذلك النظر إليها ؛ إلا ما استثنى لدفع الحرج وهو الوجه والكفان ، أو هما والقدمان .

{ وليضربن بخمرهن على جيوبهن } بيان لكيفية إخفاء بعض مواضع الزينة بعد النهي عن إبدائها ؛ أي وليلقين خمرهن على جيوبهن . والخمر : جمع خمار ، وهو ما تغطى به المرأة رأسها ، وتسمى المقنعة . وأصله من الخمر وهو الستر . والجيوب : جمع جيب ، وهو فتح في أعلى القميص يبدو منه بعض الجسد ؛ وأصله من الجيب بمعنى القطع . تقول : جبت القميص أجوبه وأجيبه ، إذا قوّرت جيبه . والمراد بالجيب هنا : محله وهو العنق . أمر النساء بستر شعورهن وأعناقهن ونحورهن وصدورهن بخمرهن عن الأجانب ؛ لئلا يرى منهن شيء من ذلك .

{ ولا يبدين زينتهن . . . } نهي النساء في هذه الآية عن إبداء مواضع الزينة الخفية لكل أحد ؛

إلا من استثنى فيها ، وهم اثنا عشر نوعا : الأزواج ؛ لأنهم المقصودون بالزينة ، ولأن كل بدن الزوجة حلال لهم . والمحارم السبعة المذكورون ؛ لاحتياج النساء لمخالطتهم ، وأمن الفتنة من قبلهم لما ركز في الطباع من النفرة من مماسة القرائب ، ويلحق لهم الأعمام والأخوال والمحارم من الرضاع . والتاسع – ما ذكره الله تعالى بقوله : { أو نسائهن } أي المختصات بهن بالصحبة والخدمة من الحرائر ، مسلمات كن أو غير مسلمات ؛ كما اختاره الإمام الرازي . وما روي عن السلف من منع تكشف المسلمات للكافرات محمول على الاستحباب . والعاشر – قوله تعالى : { أو ما ملكت أيمانهن } أي من الإماء . وأما العبيد فهم كالأجانب ؛ لأنهم فحول ليسوا أزواجا ولا محارم ، والشهوة متحققة فيهم لجواز النكاح في الجملة . والحادي عشر – قوله تعالى : { أو التابعين غير أولي الأربة من الرجال } وهم الرجال الذين لا حاجة لهم بالنساء ولا يعرفون شيئا من أمورهن ؛ بحيث لا تحدثهم أنفسهم بفاحشة ولا يصفونهن للأجانب .

والإربة : الحاجة . يقال : أرب الرجل إلى الشيء يأرب أربا وإربة ومأربة ، إذا احتاج إليه . والثاني عشر – قوله تعالى : { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } أي الأطفال الذين لم يعرفوا ما العورة ولم يميزوا بينها وبين غيرها ؛ من قولهم : ظهر على الشيء ، إذا اطلع عليه . أو الذين لم يبلغوا حد الشهوة والقدرة على الجماع ؛ من قولهم : ظهر على فلان ، إذا قوي عليه وغلبه .

{ ولا يضربن بأرجلهن } نهي النساء عن أن يضربن بأرجلهن في الأرض ليسمع صوت خلاخلهن من يسمعه من الرجال ؛ فيدعوهن ذلك إلى التطلع والميل إليهن ، وذلك سدا لذريعة الفساد .

وفي حكمه إبداء ما يخفين من زينتهن بأي وسيلة كانت . وأما صوتهن فليس بعورة ؛ كما في معتبرات كتب الشافعية ، فلا يحرم سماعه ؛ إلا أن خشيت منه فتنة أو التذاذ . وذهب الحنفية إلى أنه عورة .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (31)

{ وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن } تؤمر المرأة بغض بصرها عن عورة الرجل وعن عورة المرأة إجماعا ، واختلف هل يجب عليها غض بصرها عن سائر جسد الرجل الأجنبي أم لا ، وعن سائر جسد المرأة أم لا ، فعلى القول بذلك تشتمل الآية عليه ، والكلام في حفظ فروج النساء كحفظ فروج الرجال .

{ ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } نهى عن إظهار الزينة بالجملة ثم استثنى الظاهر منها ، وهو ما لابد من النظر إليه عند حركتها أو إصلاح شأنها وشبه ذلك ، فقيل : { إلا ما ظهر منها } : يعني الثياب فعلى هذا يجب ستر جميع جسدها ، وقيل : الثياب والوجه والكفان ، وهذا مذهب مالك لأنه أباح كشف وجهها وكفيها في الصلاة ، وزاد أبو حنيفة القدمين .

{ وليضربن بخمرهن على جيوبهن } الجيوب : هي التي يقول : لها العامة أطواق ، وسببها أن النساء كن في ذلك الزمان يلبسن ثيابا واسعات الجيوب يظهر منها صدورهن ، وكن إذا غطين رؤوسهن بالأخمرة سدلها من وراء الظهر ، فيبقى الصدر والعنق والأذنان لا ستر عليها ، فأمرهن الله بلي الأخمرة على الجيوب ليستر جميع ذلك .

{ ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن } الآية : المراد بالزينة هنا الباطنة ، فلما

ذكر في الآية قبلها ما أباح أن يراه غير وذوو المحرم من الزينة الظاهرة ، وذكر في هذه ما أباح أن يراه الزوج وذوو المحارم من الزينة الباطنة ، وبدأ بالبعولة وهم الأزواج لأن اطلاعهم يقع على أعظم من هذا ، ثم ثنى ، بذوي المحارم وسوّى بينهم في إبداء الزينة ، ولكن مراتبهم تختلف بحسب القرب ، والمراد بالآباء كل من له ولادة من والد وجد ، وبالأبناء كل من عليه ولادة من ولد ، وولد ولد ، ولم يذكر في هذه الآية من ذوي المحارم : العم والخال ومذهب جمهور العلماء جواز رؤيتهما للمرأة ، لأنهما من ذوي المحارم ، وكره ذلك قوم ، وقال الشافعي : إنما لم يذكر العم والخال لئلا يصفا زينة المرأة لأولادها .

{ أو نسائهن } : يعني جميع المؤمنات ، فكأنه قال : أو صنفهن ويخرج عن ذلك نساء الكفار .

{ أو ما ملكت أيمانهن } يدخل في ذلك الإماء المسلمات ، والكتابيات ، وأما العبيد : ففيهم ثلاثة أقوال : منع رؤيتهم لسيدتهم ، وهو قول الشافعي ، والجواز وهو قول ابن عباس وعائشة ، والجواز بشرط أن يكون العبد وغدا وهو مذهب مالك ، وإنما أخذ جوازه من قوله : { أو التابعين غير أولي الإربة } واختلف هل يجوز أن يراها عبد زوجها وعبد الأجنبي أم لا ؟ على قولين : { أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال } شرط في رؤية غير ذوي المحارم شرطين :

أحدهما : أن يكونا تابعين ، ومعناه : أن يتبع لشيء يعطاه كالوكيل والمتصرف ، ولذلك قال بعضهم : هو الذي يتبعك وهمه بطنه .

والآخر : أن لا يكون لهم إربة في النساء كالخصي ، والمخنث ، والشيخ الهرم والأحمق ، فلا يجوز رؤيتهم للنساء إلا باجتماع الشرطين ، وقيل : بأحدهما . ومعنى الإربة الحاجة إلى الوطء .

{ أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } أراد بالطفل الجنس ، ولذلك وصفه بالجمع ، ويقال طفل : ما لم يراهق الحلم ويظهروا معناه يطلعون بالوطء على عورات النساء ، فمعناه الذين لم يطؤوا النساء ، وقيل : الذين لا يدرون ما عورات النساء ، وهذا أحسن .

{ ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن } روي أن امرأة كان لها خلخالان ، فكانت تضرب بهما ليسمعهما الرجال ، فنهى الله عز وجل عن ذلك . قال الزجاج : إسماع صوت الزينة أشد تحريكا للشهوة من إبدائها .

{ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون } التوبة واجبة على كل مؤمن مكلف ، بدليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة .

وفرائضها ثلاث : الندم على الذنب من حيث عُصيَ به ذو الجلال ، لا من حيث أضر ببدن أو مال ، والإقلاع عن الذنب في أول أوقات الإمكان من غير تأخير ولا توان ، والعزم أن لا يعود إليها أبدا ومهما قضى عليه بالعود أحدث عزما مجددا .

وآدابها ثلاثة : الاعتراف بالذنب مقرونا بالانكسار ، والإكثار من التضرع والاستغفار ، والإكثار من الحسنات لمحو ما تقدم من السيئات .

ومراتبها سبع : فتوبة الكفار من الكفر ، وتوبة المخلصين من الذنوب والكبائر ، وتوبة العدول من الصغائر ، وتوبة العابدين من الفترات ، وتوبة السالكين من علل القلوب والآفات ، وتوبة أهل الورع من الشبهات ، وتوبة أهل المشاهدة من الغفلات . والبواعث على التوبة سبعة : خوف العقاب ، ورجاء الثواب ، والخجل من الحساب ، ومحبة الحبيب ، ومراقبة القريب ، وتعظيم بالمقام ، وشكر الإنعام .