الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِۦ وَأَجۡمَعُوٓاْ أَن يَجۡعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمۡرِهِمۡ هَٰذَا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (15)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{فلما ذهبوا به}، بيوسف، {وأجمعوا} أمرهم {أن يجعلوه في غيابت الجب}... فألقوه في الجب... {وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون}، وذلك أن الله أوحى إلى يوسف، عليه السلام، بعدما انصرف إخوته: إنك ستخبر إخوتك بأمرهم هذا الذي ركبوا منك، ثم قال: {وهم لا يشعرون} أنك يوسف حين تخبرهم، فأنبأهم يوسف بعد ذلك...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وفي الكلام متروك حذف ذكره اكتفاء بما ظهر عما ترك، وهو: فأرسله معهم، {فلما ذهبوا به}، {وأجمَعُوا}، يقول: وأجمع رأيهم وعزموا على {أنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الجُبّ}...

وقوله: {وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبّئَنّهُمْ بأمْرِهِمْ}، يقول: وأوحينا إلى يوسف لتخبرنّ إخوتك بأمرهم هذا، يقول: بفعلهم هذا الذي فعلوه بك. {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ}، يقول: وهم لا يعلمون، ولا يدرون.

ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي عناه الله عزّ وجلّ بقوله: {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ}؛ فقال بعضهم: عُني بذلك: أن الله أوحى إلى يوسف أن يوسف سينبئ إخوته بفعلهم به ما فعلوه من إلقائه في الجبّ، وبيعهم إياه، وسائر ما صنعوا به من صنيعهم، وإخوته لا يشعرون بوحي الله إليه بذلك.

وقال آخرون: معنى ذلك: وأوحينا إلى يوسف بما إخوته صانعون به، وإخوته لا يشعرون بإعلام الله إياه بذلك... وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن يوسف سينبئهم بصنيعهم به وهم لا يشعرون أنه يوسف.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

(وأوحينا إليه) وحي نبوة أو وحي بشارة النجاة من ذلك الجب أو بشارة الملك له والعز...

(لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) هو قول يوسف حين قال لهم: (قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ...) [الآية: 89] (قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي) [يوسف: الآية] هذا الذي نبأهم يوسف (وهم لا يشعرون) بذلك...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

حكى الله تعالى أنه لما أذن يعقوب ليوسف في المضي معهم، وذهبوا به "وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب "أي عزموا على فعل ذلك، ولا يقال: أجمع إلا إذا قويت الدواعي إلى الفعل من غير صارف، وأما من دعاه داع واحد فلا يقال فيه أنه أجمع، فكأنه مأخوذ من اجتماع الدواعي، ويجوز أن يكون المراد أنهم اتفقوا على إلقائه في غيابة الجب...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

... {لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا} وإنما أُوحي إليه ليؤنس في الظلمة والوحشة، ويبشر بما يؤول إليه أمره. ومعناه: لتتخلصن مما أنت فيه، ولتحدّثن إخوتك بما فعلوا بك {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أنك يوسف لعلوّ شأنك وكبرياء سلطانك، وبعد حالك عن أوهامهم، ولطول العهد المبدّل للهيئات والأشكال...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

فكأنه قيل: إن هذا لكيد عظيم وخطب جسيم، فما فعل أبوهم؟ فقيل: أجابهم إلى سؤلهم فأرسله معهم {فلما ذهبوا} ملصقين ذهابهم {به وأجمعوا} أي كلهم، و أجمع كل واحد منهم بأن عزم عزماً صادقاً؛ والإجماع على الفعل: العزم عليه باجتماع الدواعي كلها {أن يجعلوه} والجعل: إيجاد ما به يصير الشيء على خلاف ما كان عليه، ونظيره التصيير والعمل {في غيابت الجب} فعلوا ذلك من غير مانع، ولكن لما كان هذا الجواب في غاية الوضوح لدلالة الحال عليه ترك لأنهم إذا أجمعوا عليه علم أنهم لا مانع لهم منه؛ ثم عطف على هذا الجواب المحذوف لكونه في قوة الملفوظ قوله: {وأوحينا} أي بما لنا من العظمة {إليه} أي إلى يوسف عليه الصلاة والسلام. ولما كان في حال النجاة منها بعيدة جداً، أكد له قوله: {لتنبئنهم} أي لتخبرنهم إخباراً عظيماً على وجه يقل وجود مثله في الجلالة {بأمرهم هذا} أي الذي فعلوه بك {وهم لا يشعرون} -لعلو شأنك وكبر سلطانك وبعد حالك عن أوهامهم، ولطول العهد المبدل للهيئات المغير للصور والأشكال- أنك يوسف...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{فلما ذهبوا به} في الغد من ليلتهم التي استنزلوا فيها أباه عن إمساكه عنده {وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب} أي أزمعوه وعزموا عليه عزما إجماعيا لا تردد فيه بعد ما كان من اختلافهم قبل في قتله أو تغريبه، وجواب "لما "محذوف للعلم به مما قبله ومما بعده وتقديره نفذوه بأن ألقوه في غيابة ذلك الجب بالفعل {وأوحينا إليه} عند إلقائه فيه وحيا إلهاميا علم أن منا مضمونه: وربك {لتنبئنهم بأمرهم هذا} معك إذ يظهرك الله عليهم ويذلهم لك ويجعل رؤياك حقا {وهم لا يشعرون} يومئذ بما آتاك الله، أو الآن بما يؤتيك في عاقبة هذه الفعلة التي فعلوها بك، أو بهذا الوحي في الجب وهو المرتبة الأولى من مراتب التكليم الإلهي للأنبياء بعد التمهيد له بالرؤيا الصادقة. وقد هون الله تعالى على يوسف مصيبته به فعلم أنها مصيبة في الظاهر نعمة في الباطن.

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِۦ وَأَجۡمَعُوٓاْ أَن يَجۡعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمۡرِهِمۡ هَٰذَا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (15)

قوله تعالى : { فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أي لما أخذوه من أبيهم يعقوب وعزموا بعد ذلك على إلقائه في البئر ، وجواب لما محذوف ، وتقديره : فعلوا ما فعلوه من الأذى ؛ فقد روي أنهم لما برزوا به إلى البرية وغاب يعقوب عن أبصارهم أظهروا له العداوة وشرعوا يؤذونه بالفعل من ضرب وطعن ونحوهما . وكذلك يؤذونه بالقول من شتم وإهانة ونحوهما ، وهو يستعطفهم عليه ويذكرهم الرحم ووصية أبيه لهم بالرفق به ، لكنهم ظلوا سادرين في إيذائه والنيل منه حتى جاءوا به إلى الجب الذي اتفقوا على رميه فيه فربطوه بحبل ودلوه فيه ، فكان إذا لجأ إلى واحد منهم لطمه وشتمه ، وإذا تشبث بحافات البئر ضربوا على يديه ثم قطعوا به الحبل من نصف المسافة فسقط في الماء فغمره فصعد إلى صخرة تكون في وسطه فقام فوقها .

قوله : { وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } وهذا يدل على نبوته في ذلك الوقت . وبذلك أعطى الله يوسف النورة وهو في الجب على حجر مرتفع عن الماء وكان ابن اثنتي عشرة سنة ، وقيل : تسع سنين . وقيل غير ذلك ؛ فقد أوحي الله إلى يوسف وهو في تلك الحال من الضيق والخوف والوحشة تطيبا لقلبه وتثبيتا كيلا يحزن ولا يبتئس مما أصابه ومما هو فيه من كيد إخوته الظالمين الآثمين الذين تفجر الحسد في قلوبهم فاستحوذ عليها أيما استحواذ ففعلوا ما فعلوا . فهان عليهم إيمانهم وغاضت في نفوسهم علائم الرحمة والإشفاق .

لقد أوحي الله إليه وهو في حاله هذه أنه جاعل له فرجا ومخرجا ، وأنه كاشف عنه السوء والبأساء ، وسيكتب الله له النصر والعزة وعلو الشأن ، ولسوف يحدث إخوته بكل ما فعلوه به من وجوه المكر والإيذاء ، { وهم لا يشعرون } أيلا يشعرون بما يخبرك به الوحي ، أو لا يشعرون بأنك يوسف وذلك لدى دخلوهم عليه وهو في مصر ؛ إذ يعرفهم وهم له منكرون . لقد أوحي الله إلى جبريل عليه السلام أن أدرك عبدي ، فأسرع غليه جبريل حتى أقعده على الصخرة سالما . وكان ذلك الجب مأوى الهوام من الحشرات السامة والحيات . وفي هذا الموقف الكئيب الموحش يلجأ يوسف إلى ربه يسأله الخلاص والفرج ويشكو إليه ما فعله به المعتسفون الحاسدون ، ويدعوه بهذا الدعاء الذي علمه إياه جبريل : الله يا مؤنس كل غريب ، ويا صاحب كل وحيد ، ويا ملجأ كل خائف ، ويا كشاف كل كربة ، وعالم كل نجوى ، ويا منتهى كل شكوى ، ويا حاضر كل ملأ ، يا حي يا قيوم ، أسألك أن تقذف رجاءك في قلبي ، حتى لا يكون لي هم ولا شغل غيرك ، وأن تجعل لي من أمري فرجا ومخرجا . إنك على كل شيء قدير . فقالت الملائكة . إلهنا ، نسمع صوتا ودعاء ، الصوت صوت صبي ، والدعاء دعاء نبي ! {[2211]} .


[2211]:تفسير القرطبي جـ 9 ص 144 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 471 وتفسير النسفي جـ 2 ص 214 وفتح القدير جـ 3 ص 12.