تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
سورة مريم مكية كلها، إلا آية سجدتها، فإنها مدنية.
الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب 437 هـ :
وكان نزولها قبل أن يهاجر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة، لأنهم قرأوا صدرها على النجاشي بعد هجرتهم إلى أرض الحبشة.
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
هذه السورة مكية بإجماع، إلا السجدة منها، فقالت فرقة هي مكية، وقالت فرقة: هي مدنية.
زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 597 هـ :
وقال هبة الله المفسر: هي مكية غير آيتين منها، قوله: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} والتي تليها [مريم: 59، 60].
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
سورة مريم عليها السلام مقصودها:
بيان اتصافه سبحانه بشمول الرحمة بإفاضة النعم على جميع خلقه، المستلزم للدلالة على اتصافه لجميع صفات الكمال، المستلزم لشمول القدرة على إبداع المستغرب، المستلزم لتمام القدرة الموجب للقدرة على البعث والتنزه عن الولد لأنه لا يكون إلا لمحتاج، ولا يكون إلا مثل الوالد، ولا سمي له سبحانه فضلا عن مثيل، وعلى هذا دلت تسميتها بمريم، لأن قصتها أدل ما فيها على تمام القدرة وشمول العلم، لأن أغرب ما في المخلوقات وأجمعه خلقا الآدمي...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
يدور سياق هذه السورة على محور التوحيد؛ ونفي الولد والشريك؛ ويلم بقضية البعث القائمة على قضية التوحيد.. هذا هو الموضوع الأساسي الذي تعالجه السورة، كالشأن في السور المكية غالبا. والقصص هو مادة هذه السورة. فهي تبدأ بقصة زكريا ويحيى. فقصة مريم ومولد عيسى. فطرف من قصة إبراهيم مع أبيه.. ثم تعقبها إشارات إلى النبيين: إسحاق ويعقوب، وموسى وهرون، وإسماعيل، وإدريس. وآدم ونوح. ويستغرق هذا القصص حوالي ثلثي السورة. ويستهدف إثبات الوحدانية والبعث، ونفي الولد والشريك، وبيان منهج المهتدين ومنهج الضالين من أتباع النبيين. ومن ثم بعض مشاهد القيامة، وبعض الجدل مع المنكرين للبعث. واستنكار للشرك ودعوى الولد؛ وعرض لمصارع المشركين والمكذبين في الدنيا وفي الآخرة.. وكله يتناسق مع اتجاه القصص في السورة ويتجمع حول محورها الأصيل. وللسورة كلها جو خاص يظللها ويشيع فيها، ويتمشى في موضوعاتها..
إن سياق هذه السورة معرض للانفعالات والمشاعر القوية.. الانفعالات في النفس البشرية، وفي "نفس "الكون من حولها. فهذا الكون الذي نتصوره جمادا لا حس له يعرض في السياق ذا نفس وحس ومشاعر وانفعالات، تشارك في رسم الجو العام للسورة. حيث نرى السماوات والأرض والجبال تغضب وتنفعل حتى لتكاد تنفطر وتنشق وتنهد استنكارا: (أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا).. أما الانفعالات في النفس البشرية فتبدأ مع مفتتح السورة وتنتهي مع ختامها. والقصص الرئيسي فيها حافل بهذه الانفعالات في مواقفه العنيفة العميقة. وبخاصة في قصة مريم وميلاد عيسى. والظل الغالب في الجو هو ظل الرحمة والرضى والاتصال. فهي تبدأ بذكر رحمة الله لعبده زكريا (ذكر رحمة ربك عبده زكريا) وهو يناجي ربه نجاء: (إذ نادى ربه نداء خفيا).. ويتكرر لفظ الرحمة ومعناها وظلها في ثنايا السورة كثيرا. ويكثر فيها اسم (الرحمن). ويصور النعيم الذي يلقاه المؤمنون به في صورة ود: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا) ويذكر من نعمة الله على يحيى أن آتاه الله حنانا (وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا). ومن نعمة الله على عيسى أن جعله برا بوالدته وديعا لطيفا: (وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا).. وإنك لتحس لمسات الرحمة الندية ودبيبها اللطيف في الكلمات والعبارات والظلال. كما تحس انتفاضات الكون وارتجافاته لوقع كلمة الشرك التي لا تطيقها فطرته.. كذلك تحس أن للسورة إيقاعا موسيقيا خاصا. فحتى جرس ألفاظها وفواصلها فيه رخاء وفيه عمق: رضيا. سريا. حفيا. نجيا.. فأما المواضع التي تقتضي الشد والعنف، فتجيء فيها الفاصلة مشددة دالا في الغالب. مدا. ضدا. إدا. هدا، أو زايا: عزا. أزا. وتنوع الإيقاع الموسيقى والفاصلة والقافية بتنوع الجو والموضوع يبدو جليا في هذه السورة...
ويسير السياق مع موضوعات السورة في أشواط ثلاثة: الشوط الأول يتضمن قصة زكريا ويحيى، وقصة مريم وعيسى. والتعقيب على هذه القصة بالفصل في قضية عيسى التي كثر فيها الجدل، واختلفت فيها أحزاب اليهود والنصارى. والشوط الثاني يتضمن حلقة من قصة إبراهيم مع أبيه وقومه واعتزاله لملة الشرك وما عوضه الله من ذرية نسلت بعد ذلك الأمة. ثم إشارات إلى قصص النبيين، ومن اهتدى بهم ومن خلفهم من الغواة؛ ومصير هؤلاء وهؤلاء. وينتهي بإعلان الربوبية الواحدة، التي تعبد بلا شريك: (رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته. هل تعلم له سميا) والشوط الثالث والأخير يبدأ بالجدل حول قضية البعث، ويستعرض بعض مشاهد القيامة. ويعرض صورة من استنكار الكون كله لدعوى الشرك، وينتهي بمشهد مؤثر عميق من مصارع القرون! (وكم أهلكنا قبلهم من قرن. هل تحسن منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا).
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
اسم هذه السورة في المصاحف وكتب التفسير وأكثر كتب السنة سورة مريم. ورويت هذه التسمية عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رواه الطبراني والديلمي وابن منده وأبو نعيم وأبو أحمد الحاكم: عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني عن أبيه عن جده أبي مريم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إنه ولدت لي الليلة جارية، فقال: والليلة أنزلت علي سورة مريم فسمها مريم. فكان يكنى أبا مريم، واشتهر بكنيته. واسمه نذير، ويظهر أنه أنصاري.
وابن عباس سماها سورة كهيعص، وكذلك وقعت تسميتها في صحيح البخاري في كتاب التفسير في أكثر النسخ وأصحها. ولم يعدها جلال الدين في الإتقان في عداد السور المسماة باسمين ولعله لم ير الثاني اسما.
وهي مكية عند الجمهور. وعن مقاتل: أن آية السجدة مدنية. ولا يستقيم هذا القول لاتصال تلك الآية بالآيات قبلها إلا أن تكون ألحقت بها في النزول وهو بعيد.
وذكر السيوطي في الإتقان قولا بأن قوله تعالى {وإن منكم إلا واردها} الآية مدني، ولم يعزه لقائل...
نزلت بعد سورة فاطر وقبل سورة طه. وكان نزول سورة طه قبل إسلام عمر بن الخطاب كما يؤخذ من قصة إسلامه فيكون نزول هذه السورة أثناء سنة أربع من البعثة مع أن السورة مكية، وليس أبو مريم هذا معدودا في المسلمين الأولين فلا أحسب الحديث المروي عنه مقبولا.
ووجه التسمية أنها بسطت فيها قصة مريم وابنها وأهلها قبل أن تفصل في غيرها. ولا يشبهها في ذلك إلا سورة آل عمران التي نزلت في المدينة.
وعدت آياتها في عدد أهل المدينة ومكة تسعا وتسعين. وفي عدد أهل الشام والكوفة ثمانا وتسعين.
ويظهر أن هذه السورة نزلت للرد على اليهود فيما اقترفوه من القول الشنيع في مريم وابنها، فكان فيها بيان نزاهة آل عمران وقداستهم في الخير.
وهل يثبت الخطي إلا وشيجه ثم التنويه بجمع من الأنبياء والمرسلين من أسلاف هؤلاء وقرابتهم. والإنحاء على بعض خلفهم من ذرياتهم الذين لم يكونوا على سننهم في الخير من أهل الكتاب والمشركين وأتوا بفاحش من القول إذ نسبوا لله ولدا، وأنكر المشركون منهم البعث وأثبت النصارى ولدا لله تعالى.
والتنويه بشأن القرآن في تبشيره ونذارته. وأن الله يسره بكونه عربيا ليسر تلك اللغة.
والإنذار مما حل بالمكذبين من الأمم من الاستئصال.
واشتملت على كرامة زكريا إذ أجاب الله دعاءه فرزقه ولدا على الكبر وعقر امرأته.
وكرامة مريم بخارق العادة في حملها وقداسة ولدها، وهو إرهاص لنبوءة عيسى عليه السلام، ومثله كلامه في المهد.
والتنويه بإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وموسى، وإسماعيل، وإدريس عليه السلام.
وحكاية إنكار المشركين البعث بمقالة أبي بن خلف والعاصي ابن وائل وتبجحهم على المسلمين بمقامهم ومجامعهم.
وإنذار المشركين أن أصنامهم التي اعتزوا بها سيندمون على اتخاذها.
وذكر ضرب من كفرهم بنسبة الولد لله تعالى.
والتنويه بالقرآن ولملته العربية، وأنه بشير لأوليائه ونذير بهلاك معانديه كما هلكت قرون قبلهم.
وقد تكرر في هذه السورة صفة الرحمان ست عشرة مرة، وذكر اسم الرحمة أربع مرات، فأنبأ بأن من مقاصدها تحقيق وصف الله تعالى بصفة الرحمان. والرد على المشركين الذين تقعروا بإنكار هذا الوصف كما حكى الله تعالى عنهم في قوله في سورة الفرقان {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن}.
ووقع في هذه السورة استطراد بآية {وما نتنزل إلا بأمر ربك}.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
وقد ابتدأت هذه السورة الكريمة بذكر معجزات خارقة للعادة في الوجود الإنساني.. ابتدأت السورة الكريمة بذكر نبي الله زكريا... ثم جاء بالمعجزة الكبرى الخارقة لمجرد الأسباب والمسببات وبيان أنها لا تلزم الفاعل المختار وهي خلق عيسى من غير أب من عذراء بتول فقال تعالى: {واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا 16}... ويجيء في السورة أخبار الأنبياء السابقين وما اقترن برسالتهم من معجزات وما جاءوا به من شرائع، فابتدأ بقصة أبي العرب إبراهيم عليه السلام، وفيها تتجلى محبة الأبناء للآباء فيريد لمحبته أباه أن يجنبه عبادة الأوثان ويدعوه إلى تركها فيقول: {يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا...} ثم ذكرت قصة موسى وكيف وهب الله من رحمته معه أخاه هارون نبيا، ثم ذكر أخبار إسماعيل عليه السلام منفردا عن أولاد إبراهيم عليه السلام، وفي هذا إشارة إلى أنه عمود نسب متفرع من إبراهيم عليه السلام وأنه سيكون منه محمد خاتم النبيين... وتفصل السورة الكريمة جزاء المتقين وعقاب الكافرين في بيان معجز ككل آيات القرآن وسوره. وتجئ العبر في الآيات المختلفة الكثيرة،...وختم السورة الكريمة ببيان المؤمنين، وما كتب لهم من جزاء يوم القيامة، فقال تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا 96 فإنما يسّرناه بلسانك لتبشر به التقين وتنذر به قوما لدّا 97 وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا 98}.
وهكذا نجد السورة ابتدأت بأن الحكمة الله تعالى اقتضت أن يخلق يحيى عليه السلام من شيخ هرم امرأته عاقر، ويخالف بذلك الأسباب والمسببات، ثم يأتي سبحانه بخلق عيسى عليه السلام من غير أب ليكون وجوده عليه السلام معجزة، وهو عبد من عباد الله ويختمها بالمعجزة الكبرى وهو القرآن، {فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدّا 97}...
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
ويتجلى من سياق هذه السورة على العموم التركيز على وحدة الرسالة الإلهية، وإن تعدد حملتها الذين تلاحقوا عليها جيلا بعد جيل، والتركيز على مضمون تلك الرسالة، وكونها رسالة تثبت الوحدانية لله، وتنفي عنه الشريك والولد نفيا باتا، كما تثبت البعث بعد الموت، وتقرر الجزاء الأخروي في الدار الآخر.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
لقد أُريد لاسم مريم بنت عمران أن يكون عنواناً لهذه السورة، لأن الله تحدث فيها عن قصة ولادتها لعيسى (عليه السلام) بما يتمثل فيها من أجواء روحية، وما يحيط بها من أوضاع غيبيّة، وما يهيمن عليها من إعجاز، ما يجعل قصته تتصل بأكثر من بُعدٍ من أبعاد العقيدة، في عالم الغيب والشهود. وربما كانت هناك غاية أخرى من تسمية السورة باسمها، وهي التذكير بهذه المرأة الطاهرة التي عاشت الإيمان في طفولتها وشبابها، في ابتهال خاشع مع الله، في محرابها الذي كان موقعاً من مواقع الفيض الإلهي بالرحمة، واللطف، والعطاء الروحي الذي كان ينهمر عليها من كل جانب. ولهذا فإنها كانت تعيش هذا اللطف الإلهي بعمق في الروح، وامتدادٍ في الفكر، فلا نستغرب حصول أي شيء معجز في حياتها، خلافاً للاّتي يعشن الإيمان بطريقة تقليدية محدودة، ونظرة ذاتية مغلقة. هذا بالإضافة إلى أن ذلك كله يجعلها الإنسانة الوحيدة في عصرها التي يمكن أن تكون موضعاً لكرامة الله، وإظهار قدرته، في خلق هذه الظاهرة الإنسانية الجديدة وهي ولادة عيسى (عليه السلام) من دون أب...
أما أغراض هذه السورة، فهي أغراض السور المكية التي تعمل على تحريك الجانب العقيدي بأسلوب التبشير والإنذار، ومحاولة التأكيد عليه من خلال تقديم الأنبياء والأولياء بطريقة قصصية، تبرز لنا الأفكار التي كانت تتحرك في ساحة الرسالة والأفكار المضادّة التي كانت تواجه بها، والأساليب التي كان يستخدمها الأنبياء في سبيل الإقناع، إلى جانب الأساليب التي كان يستخدمها الكافرون في إثارة الغبار أمام رسل الله. وتطل من خلال ذلك كله على فكرة التوحيد والشرك في ساحة الصراع العقيدي، لتطرح الخط العريض ثم تتحدث عن التفاصيل عبر نماذج الساحة الواقعية. وهكذا تطوف السورة على كل فئات المجتمع على تنوع موقفها من الرسالة، من الذين أفاض الله عليهم بنعمة الهدى والإيمان، والمغضوب عليهم الذين ابتعدوا عن نعم الله ورحمته، والتائبين الذين تراجعوا عن الضلال، وساروا في طريق الهدى المفتوح على كل حق وخير وإيمان، ثم تواجه الجميع بالنتائج الإيجابية والسلبية في مسألة الثواب والعقاب للتائبين وللغاوين. وهكذا تقدم السورة جواً متحركاً يجمع بين الفكرة والواقع...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
لهذه السورة من جهة المحتوى عدة أقسام مهمّة: 1 يشكل القسم الذي يتحدث عن قصص زكريا ومريم والمسيح (عليهم السلام) ويحيي وإِبراهيم (عليهما السلام) بطل التوحيد، وولده إِسماعيل، وإِدريس وبعض آخر من كبار أنبياء الله، الجزء الأهم في هذه السورة، ويحتوي على أُمور تربوية لها خصوصيات مهمّة.
الجزء الثّاني من هذه السورة والذي يأتي بعد القسم الأوّل من حيث الأهمية عبارة عن المسائل المرتبطة بالقيامة، وكيفية البعث، ومصير المجرمين، وثواب المتقين، وأمثال ذلك.
القسم الثّالث، وهو المواعظ والنصائح التي تكمل في الواقع الأقسام السابقة. 4 وأخيراً، فإِنّ آخر قسم عبارة عن الإِشارات المرتبطة بالقرآن، ونفي الولد عن الله سبحانه، ومسألة الشفاعة، وتشكل بمجموعها برنامجاً تربوياً مؤثراً من أجل دفع النفوس الإِنسانية إلى الإِيمان والطهارة والتقوى...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
"كهيعص"... القول في ذلك عندنا نظير القول في "الم "وسائر فواتح سور القرآن التي افتتحت أوائلها بحروف المعجم، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى قبل، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
اختلف الناس في الحروف التي في أوائل السور على قولين فقالت فرقة: هو سر الله في القرآن لا ينبغي أن يعرض له، يؤمن بظاهره ويترك باطنه. وقال الجمهور بل ينبغي أن يتكلم فيها وتطلب معانيها فإن العرب قد تأتي بالحرف الواحد دالاً على كلمة وليس في كتاب الله ما لا يفهم، ثم اختلف هذا الجمهور على أقوال قد استوفينا ذكرها في سورة البقرة...وقال ابن المستنير وغيره {كهيعص} عبارة عن حروف المعجم، ونسبه الزجاج الى أكثر أهل اللغة، أي هذه الحروف منها {ذكر رحمة ربك عبده زكريا} وعلى هذا يتركب قول من يقول ارتفع {ذكرُ} بأنه خبر عن {كهيعص}، وهي حروف تهج يوقف عليها بالسكون...
تفسير الجلالين للمحلي والسيوطي 911 هـ :
[كهيعص] الله أعلم بمراده بذلك...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
كاف. ها. يا. عين. صاد.. هذه الأحرف المتقطعة التي تبدأ بها بعض السور، والتي اخترنا في تفسيرها أنها نماذج من الحروف التي يتألف منها هذا القرآن، فيجيء نسقا جديدا لا يستطيعه البشر مع أنهم يملكون الحروف ويعرفون الكلمات، ولكنهم يعجزون أن يصوغوا منها مثل ما تصوغه القدرة المبدعة لهذا القرآن...
سورة{[1]} مريم عليها السلام{[2]}
{[3]}مقصودها بيان اتصافه سبحانه بشمول الرحمة بإفاضة{[4]}النعم على جميع خلقه ، المستلزم للدلالة على اتصافه لجميع صفات الكمال ، المستلزم لشمول القدرة على إبداع المستغرب ، المستلزم [ لتمام القدرة - {[5]} ] الموجب للقدرة على البعث والتنزه{[6]} عن الولد [ لأنه لا يكون إلا لمحتاج ، ولا يكون إلا مثل الوالد - {[7]} ] ، ولا سمى له سبحانه فضلا عن مثيل{[8]} ، وعلى هذا دلت تسميتها بمريم ، لأن قصتها أدل ما فيها على تمام القدرة وشمول العلم ، لأن أغرب ما في المخلوقات وأجمعه خلقا الآدمي ، وأعجب أقسام توليده الأربعة-{[9]} -– بعد {[10]} كونه آدميا{[11]} - ما كان من أنثى بلا توسط ذكر ، لأن ذلك أضعف الأقسام ، وأغرب ذلك أن يتولد منها على ضعفها أقوى النوع وهو الذكر ، ولا سيما إن أوتي قوة الكلام والعلم والكتاب في حال الطفولية ، وأن يخبر بسلامته الكاملة فيكون الأمر كذلك ، لم يقدر أحد – مع كثرة الأعداء - على{[12]} أن يمسه بشيء من أذى ، هذا إلى{[13]} ما جمعته{[14]}من إخراج الرطب في غير حينه من يابس الحطب ، ومن إنباع الماء في غير موضعه ، وعلى مثل ذلك أيضا دلت تسميتها بما في أولها من الحروف ، بيان ذلك أن مخرج الكاف من أقصى اللسان مما يلي الحلق ويحاذيه من أسفل الحنك ، وهي أدنى من مخرج القاف قليلا إلى مقدم الفم . ولها من الصفات الهمس والشدة والانفتاح والاستفال ، ومخرج الهاء من أقصى الحلق لكنها أدنى من الهمزة إلى جهة اللسان قليلا ، ولها من الصفات [ الهمس والرخاوة والانفتاح والاستفال والخفاء ، ومخرج الياء من وسط اللسان ووسط الحنك الأعلى ، ولها من الصفات الجهر والرخاوة والانفتاح والاستفال ، وهو أغلب صفاتها ، ومخرج العين من وسط الحلق ، ولها من الصفات -{[15]} ]الجهر وبين الشدة والرخاوة والانفتاح والاستفال ، ومخرج الصاد من طرف رأس اللسان وبين أصول الثنيتين السفليين ، وله من الصفات الهمس والرخاوة والإطباق والاستعلاء والصفير فالافتتاح بهذه الأحرف هنا إشارة – والله أعلم –إلى أن أهل الله عامة – من ذكر منهم في هذه السورة وغيرهم – يكون أمرهم عند المخالفين أولا – كما تشير إليه الكاف - ضعيفا مع شدة وانفتاح كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم أول ما دعا ، فإنه اشتهر أمره ولكنه كان ضعيفا بإنكار قومه إلا أنهم لم يبالغوا في الإنكار ، ثم يصير الأمر في أوائل العراك – كما تشير إليه الهاء - إلى{[16]} استفال{[17]} ، ثم يزداد بتمالؤ المستكبرين عليهم ضعفا وخفاء ، وإلى هذا تشير قراءتها بالإمالة ولا بد مع ذلك من نوع ظهور – كما يشير إليه انفتاح الهاء وإليه تشير قراءة الفتح ، وهذا كما كان النبي صلى الله عليه وسلم حين صرح بسب آلهتهم وتسفيه أحلامهم وتضليل آبائهم فقاموا عليه إلبا واحدا ، فهاجر{[18]} أكثر الصحابة رضي الله عنهم إلى الحبشة ، وخاف أبو طالب دهماء العرب فقال قصيدته اللامية{[19]} في ذلك ، وتمادى الحال حتى ألجأتهم قريش إلى الشعب ، و{[20]} تكون في وسط أمرهم – كما يشير إليه الياء وقراءتها بالفتح – لهم قوة مع رخاوة واشتهار واستفال ، وهو الأغلب عليهم ظاهرا كما تشير إليه قراءة الإمالة ، فيكون ذلهم من وراء عز وعزهم في ثوب ذل ، يعرف ذلك من عاناه ، ونظر إليه بعين الحقيقة واجتلاه ، وهذا كما كان عند قيام من قام من قريش في نقض الصحيفة الظالمة وإخراجهم من الشعب ، ثم عند موت خديجة رضي الله عنها وأبي طالب ، وخرج صلى الله عليه وسلم إلى الطائف فردوه – بأبي هو وأمي ونفسي وولدي وعيني ، فلما قرب من مكة المشرفة لم يستطع دخولها بغير جوار ، فاختفى في غار حراء وأرسل [ إلى -{[21]} ] من يجيره ثم أرسل حتى أجاره المطعم بن عدى ، ولبس السلاح هو ومن أطاعه وأدخله صلى الله عليه وسلم حتى طاف بالبيت ، ثم قضى سبحانه أن قتل المطعم في بدر كافرا – بعد اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم [ في سلامته - {[22]} ] والإيصاء به أن لا يقتل – ليعلم أنه سبحانه مختار في عموم رحمته وخصوصها لئلا ييأس عاص أو يأمن طائع ؛ ثم إذا علا أمرهم عن الوسط صاعدا قوى – كما تشير إليه العين ، فصار بين الشدة والرخاوة وفيه انفتاح بشهرة مع استفال في بعض الأمر كما كان حاله صلى الله عليه وسلم عند مبايعة الأنصار رضوان الله عليهم ، وأما آخر أمرهم فهو وإن كان فيه نوع من الضعف ، وضرب من الرخاوة واللين كما كان في غزوة حنين والطائف ، فإنه تعقبه قوة عظيمة بالإطباق ، واستعلاء{[23]} واشتهار يملأ الآفاق ، كما يشير إليه الضفير – هذا في أهل الله عامة المذكورين في هذه السورة وغيرهم ، وأما ما يخص عيسى عليه الصلاة والسلام الذي هو صورة سورتها ومطمح إشارتها [ وسيرتها - {[24]} ] فجعل الحروف / اللسانية من هذه الحروف أغلبها ثلاثة أحرف منها إشارة إلى أن إبراهيم عليه السلام بما أعطى في نفسه وفي ذريته ولسان الصدق المذكور به هو لسان هذا الوجود ، وأن دولة آله الذين [ عيسى عليه السلام من أعيانهم هي وسط هذا الوجود حقيقة وخيارا - {[25]} ] فموسى{[26]} عليه السلام أول أصحاب شرائعهم بمنزلة القاف التي هي من أقصى اللسان وله حظ كبير منها ، فإنه من أجله قتل أبناء{[27]} بني إسرائيل وولد في سنة القتل ، وكان سبب هجرته وابتداء سيره إلى الله تعالى قتله القبطي ، وقرب نجيا ، ومن صفاتها الجهر والشدة والانفتاح ، و{[28]}الاستعلاء والقلقلة{[29]} ، وهو عريق في كل من خيرات ذلك ، وداود عليه السلام ثاني ذوى كتبهم بمنزلة الهمزة التي هي أبعد من مخرج الهاء إحدى هذه الحروف ، وهو أول من جمع من بني إسرائيل بين الملك والنبوة ، وله حظ من{[30]} صفاتها الجهر والشدة والانفتاح ، بما كان فيه من الملك والظهور ، والنصر على الأعداء وعجائب المقدور ، وله حظ من وصفها بالاستفال في أول أمره وفي آخره بما كان من بكائه وتواضعه{[31]} وإخباته لربه وصلاحه ، فالكاف هنا إشارة إلى أن عيسى عليه الصلاة والسلام هو ثاني الشارعين{[32]} في الوجود ، والهاء عبارة عن أنه من عقب داود عليهما السلام ، وكل منهما له حظ من صفات الحرف المشير إليه الدال عليه ، والصاد التي هي من طرف اللسان وهي خاتمة هذه الحروف إشارة بما فيها من الإطباق المشير [ إلى تطبيق الرسالة لجميع الوجوه ومن الاستعلاء المشير -{[33]} ]إلى نهاية العظمة ، والصفير المشير إلى غاية الانتشار والشهرة إلى محمد صلى الله عليه وسلم وإلى مقرر دينه ومجدده عيسى عليه السلام [ وتشير الكاف أيضا بما فيها{[34]} من الصفات إلى أن أول أمر عيسى عليه السلام - {[35]} ] يكون فيه مع الشدة ضعف ، ثم تشير أيضا الهاء – التي هي{[36]} من أقصى الحلق – إلى أن أمره يبطن بعد ذلك الظهور ويخفى بارتفاعه إلى السماء ، ويدل الاستفال على أنها قريبة إلى{[37]} السفلى ، وهو كذلك فإنه في{[38]} الثانية بدلالة{[39]} رتبة الكاف والهاء في مخرجيهما .
وتشير الياء بجهرها إلى ظهوره بنزوله ، وتدل بكونها من وسط اللسان على تمكنه في أموره وباعتلائها على شيء في ذلك وهو ضعف الأتباع وحصرهم{[40]} في ذلك الوقت ، وتدل بانفتاحها ورخاوتها على ظهوره على الدجال في أولئك القوم الذين قد جهدهم البلاء عند نزوله ، ومسهم الضر قبل حلوله ، و{[41]}تليح غلبة{[42]} الاستفال عليها إلى أمر ياجوج وماجوج لما يوحيه الله إليه " إني قد{[43]} أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بهم فحرز عبادي إلى الطور " وتدل العين بكونها من وسط الحق على{[44]} انحصارهم وبجهرها على أنه لا سبيل للعدو عليهم ولا وصول بوجه إليهم ، وبما{[45]} فيها من البينية{[46]} والاستفال على جهدهم مع{[47]} حسن العاقبة ، وتبشر{[48]} - بما فيها من الانفتاح – بحصول الفتح الذي ليس وراءه فتح ، وتدل الصاد بمخرجها على القوة الزائدة ، وبالهمس والرخاوة على أنها قوة لا بطش فيها ، وبالإطباق والاستعلاء على عموم الدين جميع الناس وبالصفير على أنه ليس وراء ذلك إلا النفخ في الصور لعموم الهلاك لكل موجود مفطور . ثم لبعثرة القبور . وتحصيل ما في الصدور ، وكل هذا من ترتيب سنته سبحانه في المصطفين من عباده على هذا النحو البديع ، وترتيب هذه الحروف على هذا/ النظم الدال عليه دائر على القدرة التامة والعلم الشامل ، والحكمة الباهرة ، رحمهم سبحانه بأن نكبهم{[49]} طريق الجبارين التي أوصلتهم إلى القسوة ، وجنبهم سنن المستكبرين التي تلجئ ولا بد إلى الشقوة فجعل نصرهم في لوامع انكسار ، وكسرهم في جوامع انتصار وحماهم من فخامة دائمة تجر إلى بذخ وعلو واستكبار ، ومن رقة ثابتة نحمل على ذل وسفول وصغار ، فلقد انطبق الاسمان{[50]} على المسمى ، واتضحا غاية الاتضاح{[51]} في أمره ونما .
1{[52]}وهذا معنى ما قال الكلبي : هو ثناء أثنى الله به على نفسه{[53]} : " بسم الله " المنزه عن كل شائبة نقص ، القادر على كل ما يريد " الرحمن " الذي عم{[54]} نواله سائر مخلوقاته " الرحيم " الذي اختص الصالحين من عباده ، بما يسعد من مراده .
لما كان مقصود التي{[55]} قبلها الدلالة على أن القرآن قيم لا عوج فيه ، وبه تمام الانتظام في نعمة الإبقاء الأول ، ودل على ذلك بأنه ساق المسؤول عنه من القصص أحسن سوق ، وكشف عن مخبأته القناع{[56]} أبدع كشف – إلى غير ذلك مما خلله{[57]} به من بدائع الحكم وغرائب المعاني فاضحة لمن ادعى لله سبحانه ولدا ، وختمها بمثل ذلك من وصف الكتاب والتوحيد – النافي لقبول التعدد بولد أو غيره بكل اعتبار – والعمل الصالح ، ابتدأ هذه بالكشف عن أغرب من تلك القصص ، تحقيقا{[58]} لآية " أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا " بسياق غير ما تقدم فيما مضى من السور . وجزئيات لم تذكر إلا فيها مع عدم المخالفة لما مضى ، تأييدا لأن كلماته لا تنفذ ، وعجائبه لا تعد ولا تحد ، وأنه لو كان من عند غيره لاختلف ، مع أن أهلها سادة الموحدين ، وقادة المصلحين المتقين الذين عملوا الصالحات ، ونفوا الشرك وشرعوا ذلك للناس ، فرحمهم ربهم سبحانه ، وكلهم ممن يعتقده اليهود الآمرون لقريش بالسؤال عن أصحاب الكهف وذي القرنين تعنتا أما من عدا عيسى عليه الصلاة والسلام فواضح وأما عيسى عليه السلام فيعتقدون أنه ما أتى بعد وأنه سيأتي ويكون الناس في أيامه على دين واحد تصديقا لوعد التوراة الآتي بيانه وذلك على وجه مستلزم في أكثرها تنزهه تعالى عن الولد ، وقدرته على البعث ، وبدأها بقصة من خرق له العادة في الولد على وجه مبين أنه لا يحتاجه إلا فان حسا أو معنى يريد أن يخلفه فيما تعسر عليه فعله أو تعذر ، وكان تقديم قصته أولى لأن التبكيت به أعظم لمباشرتهم لقتله وقتل ابنه يحيى عليهما الصلاة والسلام ، وإشارة إلى أن العمل الصالح المؤسس{[59]} على التوحيد ضامن لإجابة الدعاء وإن كان فيه خرق للعادة وثنى بأمر من نسبوه إليه وافتروه{[60]} عليه وقصدوا قتله على وجه معرب عن شأنه غاية الإعراب . مبين فيه وجه الصواب متمما لتبكيت اليهود الآمرين لقريش بالتعنت بالسؤال بالإشارة إلى قتل زكريا ويحيى عليهما الصلاة والسلام وادعاء صلب{[61]} المسيح الذي بشرت به التوراة ، وهم الآن ينتظرونه ويدعون أنهم / أخص الناس به وقذف أمه – وحاشاها – دالا بذلك على القدرة على البعث ، قال في التوراة في آخر السفر الأول{[62]} : إن يعقوب عليه الصلاة والسلام أخبر بقرب وفاته وقال لبنيه : اجتمعوا إلي فأبين لكم ما هو كائن من أمركم في آخر الأيام اجتمعوا واسمعوا يا بني يعقوب ، أنصتوا لإسرائيل أبيكم ثم قال : يا يهوذا لك يعترف{[63]} إخوتك بتعالى يدك على رقاب أعدائك ، وليسجد{[64]} لك بنو أبيك شبل الليث يهوذا ، كما أنه خلص ابنى من القتل ، ربض وجثم مثل الضرغام ومثل شبل الليث ، من ذا يقيمه عن فريسته ، لا يزول{[65]} القضيب من آل يهوذا لا يعدم سبط يهوذا ملكا مسلطا وأفخاذه نبيا مرسلا حتى يأتي الذي له الملك – وفي نسخة : الكل – وإياه تنتظر الشعوب يربط{[66]} بالحبلة{[67]} جحشه عيناه أشد شهولة من الخمر ، وأسنانه أشد بياضا من اللبن – هذا نصه ، وعند اليهود أنه المسيح ، ويسمونه مع ذلك المنتظر والمهدي ، وعندهم أنه ينصرهم ويخلصهم مما هم فيه من الذل ، فقلت لبعضهم : أشهد أنه المسيح ابن مريم الذي أتى وتبعه النصارى وعاديتموه حتى رفعه الله تعالى [ فقال - {[68]} ] الذي في التوراة أنه{[69]} يكون له الكل وعيسى ما كان كذلك فقلت : إنه يكون له الكل حين ينزل تابعا لديننا من حيث أنه لا يقبل إلا الإسلام فيطبق أهل الأرض على اتباعه عليه ويسعد به منكم من يتبعه ، ويزول عنه الذل ، وهذا لا ينافي كلام التوراة فإنه لم يقيد ذلك بساعة إتيانه ، فلم يقبل ذلك ، ثم إنه أتى إلي يوما بكتاب من كتبهم في شرح سفر الأنبياء فقال في الكلام على{[70]} البشائر المتعلقة بالمسيح " ولا يبعد " أن يبدو لإسرائيل ثم يختفي ثم يظهر فيكون له الكل " فقلت له : انظر وتبصر هذا عين ما ذكرته لك من قبل . فبهت لذلك فقلت : أطعني وأسلم ففكر ثم قال : حتى يريد الله تعالى .
وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير في برهانه : لما قال تعالى " أم حسبت أن اصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا " ثم أورد خبرهم وخبر الرجلين وموسى والخضر عليهما السلام وقصة ذي القرنين ، اتبع سبحانه ذلك بقصص تضمنت من العجائب [ ما هو أشد عجبا- {[71]} ] وأخفى سببا ، فافتتح سورة مريم بيحيى بن زكريا وبشارة زكريا به بعد الشيخوخة وقطع الرجاء وعقر{[72]} الزوج حتى سأل زكريا مستفهما ومتعجبا " أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا "
فأجابه تعالى بأن ذلك عليه هين ، وأنه يجعل ذلك آية للناس وأمر هذا عجب من القصص المتقدمة ، فكان قد قيل ، أم حسبت يا محمد أن اصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ، نحن نخبرك [ بخبرهم ونخبرك -{[73]} ] بما هو أعجب وأغرب وأوضح آية ، وهو قصة زكريا في ابنه يحيى عليهما الصلاة والسلام ، وقصة عيسى{[74]} في كينونته بغير أب ، ليعلم أن الأسباب في الحقيقة لا يتوقف عليها شيء من مسبباتها إلا بحسب سنة الله ، وإنما الفعل له سبحانه لا بسبب ، وإلى هذا أشار قوله تعالى لزكريا عليه الصلاة والسلام " وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا " ثم{[75]} اتبع سبحانه / بشارة زكريا بيحي بإيتائه{[76]} الحكم صبيا ، ثم بذكر مريم{[77]} وابنها عليهما الصلاة والسلام ، وتعلقت الآي بعد إلى انقضاء السورة – انتهى .
ولما كانت هذه السورة تالية{[47732]} للسورة الواصفة للكتاب - الذي به نعمة الإبقاء الأول - بالاستقامة البالغة ، افتتحها بالأحرف المقطعة ، كما افتتح السورة التي تلي أم الكتاب ، الداعيةَ إلى الصراط المستقيم ، الواصفةَ{[47733]} الكتابَ بالهدى الضامن للاستقامة ، والتي تلي واصفته ، والتي{[47734]} تلي الأنعام المشيرة إلى نعمة الإيجاد الأول ، فقال : { كهيعص * } وهي خمسة أحرف على عددها مع تلك السور{[47735]} ، وهي جامعة النعم ، وواصفة الكتاب ، وذات النعمة الأولى ، وذات النعمة الثانية ، كما افتتحت الأعراف التالية لذات النعمة الأولى بأربعة على عددها مع ما قبلها من{[47736]} الأم الجامعة{[47737]} والواصفة وذات النعمة الأولى ، وكما افتتحت آل عمران التالية للواصفة بثلاثة على عددها مع الأم والواصفة{[47738]}