الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَۖ لَهُۥ مَا بَيۡنَ أَيۡدِينَا وَمَا خَلۡفَنَا وَمَا بَيۡنَ ذَٰلِكَۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا} (64)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

ذُكر أن هذه الآية نزلت من أجل استبطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم جبرائيل بالوحي،... حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثنا عبد الله بن أبان العجلي، وقبيصة ووكيع وحدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا أبي، جميعا عن عمر بن ذرّ، قال: سمعت أبي يذكر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن محمدا قال لجبرائيل: «ما يَمْنَعُكَ أنْ تَزُورَنا أكْثَرَ مِمّا تَزُورُنا» فنزلت هذه الآية: ومَا نَتَنّزلُ إلاّ بأَمْرِ رَبّكَ لَهُ ما بينَ أيْدِينا ومَا خَلْفَنا ومَا بينَ ذلكَ ومَا كانَ رَبّكَ نَسِيّا" قال: هذا الجواب لمحمد صلى الله عليه وسلم...

ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: "لَهُ ما بينَ أيْدِينا ومَا خَلْفَنا ومَا بينَ ذلكَ فقال بعضهم: يعني بقوله "ما بينَ أيْدِينا" من الدنيا، وبقوله: "ومَا خَلْفَنا" الآخرة "ومَا بينَ ذلكَ": النفختين...

وقال آخرون: "ما بينَ أيْدِينا" الآخرة، "ومَا خَلْفَنا": الدنيا، "ومَا بينَ ذلكَ": ما بين الدنيا والآخرة...

عن ابن جريج "ما بينَ أيْدِينا" قال: ما مضى أمامنا من الدنيا "وَما خَلْفَنا" ما يكون بعدنا من الدنيا والآخرة، "وَما بينَ ذلكَ" قال: ما بين ما مضى أمامهم، وبين ما يكون بعدهم. وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يتأوّل ذلك "له ما بينَ أيْدِينا" قبل أن نخلق "وَما خَلْفَنا" بعد الفناء "وَما بينَ ذلكَ" حين كنا.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معناه: له ما بين أيدينا من أمر الآخرة، لأن ذلك لم يجئ وهو جاء، فهو بين أيديهم، فإن الأغلب في استعمال الناس إذا قالوا: هذا الأمر بين يديك، أنهم يعنون به ما لم يجئ، وأنه جاء، فلذلك قلنا: ذلك أولى بالصواب.

"وما خلفنا" من أمر الدنيا، وذلك ما قد خلفوه فمضى، فصار خلفهم بتخليفهم إياه، وكذلك تقول العرب لما قد جاوزه المرء وخلفه هو خلفه، ووراءه. "وما بين ذلك": ما بين ما لم يمض من أمر الدنيا إلى الآخرة، لأن ذلك هو الذي بين ذينك الوقتين.

وإنما قلنا: ذلك أولى التأويلات به، لأن ذلك هو الظاهر الأغلب، وإنما يحمل تأويل القرآن على الأغلب من معانيه، ما لم يمنع من ذلك ما يجب التسليم له. فتأمل الكلام إذن: فلا تستبطئنا يا محمد في تخلفنا عنك، فإنا لا نتنزّل من السماء إلى الأرض إلا بأمر ربك لنا بالنزول إليها، لله ما هو حادث من أمور الآخرة التي لم تأت وهي آتية، وما قد مضى فخلفناه من أمر الدنيا، وما بين وقتنا هذا إلى قيام الساعة، بيده ذلك كله، وهو مالكه ومصرّفه، لا يملك ذلك غيره، فليس لنا أن نحدث في سلطانه أمرا إلا بأمره إيانا به.

"وَما كانَ رَبّكَ نَسِيّا" يقول: ولم يكن ربك ذا نسيان، فيتأخر نزولي إليك بنسيانه إياك، بل هو الذي لا يعزُب عنه شيء في السماء ولا في الأرض فتبارك وتعالى، ولكنه أعلم بما يدبر ويقضي في خلقه، جل ثناؤه.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

هذا الكلام منه لا يكون إلا عن سؤال كان منه، كأنه قد كان استبطأ نزول جبريل عليه، فعند ذلك قال له: {وما نتنزل إلا بأمر ربك}]. ثم فيه أن لم يقل ذلك إلا بأمر الله؛ أخبر أنهم {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} [الأنبياء: 27] فلا يحتمل لأن يقول له ذلك من تلقاء نفسه، فيجعل ذلك آية في كتاب الله تُتْلَى...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

"وما كان ربك نسيا"... وتقديره -ههنا- وما نسيك وإن أخر الوحي عنك...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

إن الملائكةَ -عليهم السلام- أبداً يَنْزِلون بإِذن الحقِّ تعالى، فبعضهم بإنجاد المظلومين، وبعضهم بإِغاثة الملهوفين، وبعضهم بتدمير الجاحدين، وبعضهم بنصرة المؤمنين، وبعضهم إلى ما لا يحصى من أمور الناس أجمعين. واللَّهُ -سبحانه- لا يترك جاحداً ولا عابداً من حِفْظٍ وإنعامٍ، أو إمهالٍ ونكَال...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

والتنزل على معنيين: معنى النزول على مهل، ومعنى النزول على الإطلاق... لأنه مطاوع نزل، ونزل يكون بمعنى أنزل، وبمعنى التدريج، واللائق بهذا الموضع هو النزول على مهل، والمراد أن نزولنا في الأحايين وقتا غب وقت ليس إلا بأمر الله، وعلى ما يراه صواباً وحكمة، وله ما قدامنا {وَمَا خَلْفَنَا} من الجهات والأماكن {وَمَا بَيْنَ ذلك} وما نحن فيها فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة ومكان إلى مكان إلا بأمر المليك ومشيئته، وهو الحافظ العالم بكل حركة وسكون، وما يحدث ويتجدد من الأحوال، لا يجوز عليه الغفلة والنسيان، فأنى لنا أن نتقلب في ملكوته إلا إذا رأى ذلك مصلحة وحكمة، وأطلق لنا الإذن فيه. وقيل: ما سلف من أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة، وما بين ذلك: ما بين النفختين... وقيل: ما مضى من أعمارنا وما غبر منها، والحال التي نحن فيها. وقيل: ما قبل وجودنا وما بعد فنائنا. وقيل: الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا، والسماء التي وراءنا، وما بين السماء والأرض. والمعنى: أنه المحيط بكل شيء لا تخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة، فكيف نقدم على فعل نحدثه إلا صادراً عما توجبه حكمته ويأمرنا به ويأذن لنا فيه.

وقيل: معنى {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} وما كان تاركاً لك، كقوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى} [الضحى: 3] أي: ما كان امتناع النزول إلا لامتناع الأمر به. وأما احتباس الوحي فلم يكن عن ترك الله لك وتوديعه إياك، ولكن لتوقفه على المصلحة، وقيل: هي حكاية قول المتقين حين يدخلون الجنة، أي: وما ننزل الجنة إلا بأن مَنَّ الله علينا بثواب أعمالنا وأمرنا بدخولها، وهو المالك لرقاب الأمور كلها السالفة. والمترقبة والحاضرة، اللاطف في أعمال الخير والموفق لها والمجازي عليها، ثم قال الله تعالى -تقريراً لقولهم -: وما كان ربك نسياً لأعمال العاملين غافلاً عما يجب أن يثابوا به، وكيف يجوز النسيان والغفلة على ذي ملكوت السماء والأرض وما بينهما؟

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أن في الآية إشكالا وهو قوله: {تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا} كلام الله وقوله: {وما نتنزل إلا بأمر ربك} كلام غير الله فكيف جاز عطف هذا على ما قبله من غير فصل؟ والجواب أنه إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح كما أن قوله سبحانه: {إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} هو كلام الله وقوله: {وإن الله ربي وربكم} كلام غير الله وأحدهما معطوف على الآخر.

واعلم أن ظاهر قوله تعالى: {وما نتنزل إلا بأمر ربك} خطاب جماعة لواحد وذلك لا يليق إلا بالملائكة الذين ينزلون على الرسول ويحتمل في سببه ما روي أن قريشا بعثت خمسة رهط إلى يهود المدينة يسألونهم عن صفة محمد صلى الله عليه وسلم وهل يجدونه في كتابهم فسألوا النصارى فزعموا أنهم لا يعرفونه وقالت اليهود: نجده في كتابنا وهذا زمانه وقد سألنا رحمن اليمامة عن خصال ثلاث فلم يعرف فاسألوه عنهن، فإن أخبركم بخصلتين منهما فاتبعوه، فاسألوه عن فتية أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح قال فجاءوا فسألوه عن ذلك فلم يدر كيف يجيب فوعدهم أن يجيبهم بعد ذلك، ولم يقل إن شاء الله فاحتبس الوحي عنه أربعين يوما وقيل خمسة عشر يوما فشق عليه ذلك مشقة شديدة وقال المشركون ودعه ربه وقلاه، فنزل جبريل عليه السلام فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أبطأت عني حتى ساء ظني واشتقت إليك قال إني كنت أشوق، ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتبست، فأنزل الله تعالى هذه الآية وأنزل قوله: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشاء الله} وسورة الضحى ثم أكدوا ذلك بقولهم: {له ما بين أيدينا وما خلفنا} أي هو المدبر لنا في كل الأوقات الماضي والمستقبل وما بينهما أو الدنيا والآخرة وما بينهما فإنه يعلم إصلاح التدبير مستقبلا وماضيا وما بينهما والغرض أن أمرنا موكول إلى الله تعالى يتصرف فينا بحسب مشيئته وإرادته وحكمته لا اعتراض لأحد عليه فيه...

جهود القرافي في التفسير 684 هـ :

استثناء من الأسباب تقديره:"ما نتنزل بسبب من الأسباب إلا بأمر ربك" أي: هو السبب الذي يوجب نزولنا. (الاستغناء: 512)...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

أي: فإذا تأخر نزولنا عن الوقت المعتاد، فلا يحزنك ذلك ولا يهمك، واعلم أن الله هو الذي أراد ذلك، لما له من الحكمة فيه.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ويختم هذا الدرس بإعلان الربوبية المطلقة لله، والتوجيه إلى عبادته والصبر على تكاليفها. ونفي الشبيه والنظير: (وما نتنزل إلا بأمر ربك) فهو الذي يملك كل شيء من أمرنا: له من بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وهو لا ينسى شيئا، إنما ينزل الوحي عندما تقتضي حكمته أن ينزل (وما كان ربك نسيا) فناسب بعد ذلك أن يذكر الاصطبار على عبادة الله مع إعلان الربوبية له دون سواه:...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والمعنى: أن الله أمر جبريل عليه السلام أن يقول هذا الكلام جواباً عنه، فالنظم نظم القرآن بتقدير: وقل ما نتنزل إلاّ بأمر ربّك، أي قل يا جبريل، فكان هذا خطاباً لجبريل ليبلغه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قرآناً. فالواو عاطفة فعل القول المحذوف على الكلام الذي قبله عطف قصة على قصة مع اختلاف المخاطب، وأمرَ الله رسوله أن يقرأها هنا، ولأنّها نزلت لتكون من القرآن. ولا شك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك لجبريل عليه السلام عند انتهاء قصص الأنبياء في هذه السورة فأثبتت الآية في الموضع الذي بلغ إليه نزول القرآن. والضمير لجبريل والملائكة، أعلم الله نبيئه على لسان جبريل أن نزول الملائكة لا يقع إلاّ عن أمر الله تعالى وليس لهم اختيار في النزول ولقاء الرّسل، قال تعالى: {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} [الأنبياء: 27]. والمراد ب {مَا بَينَ أيْدِينَا} ما هو أمامنا، وب {وَمَا خَلْفَنا:} ما هو وراءنا، وب {ومَا بَينَ ذَلِكَ:} ما كان عن أيمانهم وعن شمائلهم، لأن ما كان عن اليمين وعن الشمال هو بين الأمام والخلف. والمقصود استيعاب الجهات. ولمّا كان ذلك مخبراً عنه بأنه ملك لله تعين أن يراد به الكائنات التي في تلك الجهات، فالكلام مجاز مرسل بعلاقة الحلول، مثل {واسأل القرية} [يوسف: 82]، فيعمّ جميع الكائنات، ويستتبع عمومَ أحوالها وتصرفاتها مثل التنزل بالوحي. ويستتبع عموم الأزمان المستقبل والماضي والحال، وقد فسر بها قوله {ما بين أيدينا وما خَلْفنا وما بينَ ذلِكَ}. و {نسِيّاً}: صيغة مبالغة من نَسيَ، أي كثيرَ النسيان أو شديده. والنسيان: الغفلة عن توقيت الأشياء بأوقاتها، وقد فسروه هنا بتارك، أي ما كان ربّك تاركك وعليه فالمبالغة منصرفة إلى طول مدّة النسيان. وفسر بمعنى شديد النسيان، فيتعين صرف المبالغة إلى جانب نسبة نفي النسيان عن الله، أي تحقيق نفي النسيان مثل المبالغة في قوله: {وما ربّك بظلام للعبيد} [فصّلت: 46] فهو هنا كناية عن إحاطة علم الله، أي إن تنزلنا بأمر الله لما هو على وفق علمه وحكمته في ذلك، فنحن لا نتنزل إلاّ بأمره. وهو لا يأمرنا بالتنزل إلاّ عند اقتضاء علمه وحكمته أن يأمرنا به. وجوز أبو مسلم وصاحب « الكشاف»: أنّ هذه الآية من تمام حكاية كلام أهل الجنة بتقدير فعل يقولون حالاً من قوله {من كان تقياً} [مريم: 63]، أي وما نتنزل في هذه الجنة إلاّ بأمر ربّك الخ، وهو تأويل حسن. وعليه فكاف الخطاب في قوله {بأمر ربك} خطاب كلّ قائل لمخاطبه...

وعليه فجملة {ومَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} من قول الله تعالى لرسوله تذييلاً لما قبله، أو هي من كلام أهل الجنّة، أي وما كان ربّنا غافلاً عن إعطاء ما وعدنا به...

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَۖ لَهُۥ مَا بَيۡنَ أَيۡدِينَا وَمَا خَلۡفَنَا وَمَا بَيۡنَ ذَٰلِكَۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا} (64)

ولما كرر سبحانه الوصف بالتقى في هذه السورة ثلاث مرات ، وختمه بأنه سبب للمقصود بالذات ، وهو الراحة الدائمة بالوراثة لدار الخلد على وجه الإقامة المستمرة ، وصفة الملك الذي لا كدر فيه بوجه ولا تخلف{[48508]} عن مراد ، أتبعه ما بعده إشارة إلى{[48509]} ما تنال به التقوى ، وهو الوقوف مع الأمر مراقبة للأمرعطفا على{ وبالحق أنزلناه }[ الإسراء : 105 ] لأنه لما كان العلم واقعاً بأن جميع سورة الكهف شارحة لمسألتين من مسائل قريش ، وبعض سورة سبحان شارح للثالثة ، ولطول الفصل صدرت قصة ذي القرنين بقوله { ويسألونك } إعلاماً بعطفها على مسألة الروح المصدرة بمثل ذلك ، وجاءت سورة مريم كاشفة - تبكيتاً لأهل الكتاب الكاتمين للحق - عن أغرب من تلك القصص وأقدم زماناً{[48510]} وأعظم شأناً من أخبار{[48511]} الأنبياء المذكورين ومن أسرع التبديل بعدهم بإضاعة الصلاة واتباع الشهوات ، فثبت بذلك أن هذا كله مرتب لإجابة سؤالهم وأنه كلام الله قطعاً ، إذ لو كان من عند النبي صلى الله عليه وسلم ما وعدهم الإجابة في الغد إلا وهو قادر عليها ، لما هو معلوم قطعاً من رزانة عقله ، وغزارة فطنته ، ومتانة رأيه ، ولو قدر على ذلك ما تركهم يتكلمون في عرضه بما الموت أسهل منه ، لما علم منه{[48512]} من الشهامة والأنفة والبعد عما يقارب الشين ، وبان بذلك أن الله سبحانه وعز شأنه ما أجمل أمر{[48513]} الروح ولا أخر الإجابة خمس عشرة ليلة أو أقل أو أكثر من عجز ولا جهل ، وثبت بذلك كله وبما بين من صنعه لأهل الكهف ولذي القرنين وفي ولادة يحيى وعيسى وإسحاق عليهم الصلاة والسلام{[48514]} تمام قدرته المستلزم لكمال علمه ، وكان الإخبار عن ذلك مطابقاً للواقع الذي ثبت بعضه بالنقل الصحيح وبعضه بأدلة العقل القاطعة ، ثبت مضمون قوله تعالى { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } وأن هذا الكتاب قيم لا عوج فيه ، فعطف عليه الجواب عن قول النبي صلى الله عليه وسلم لجبرئيل عليه الصلاة والسلام " لقد أبطات عليّ يا جبرئيل حتى سؤت ظناً " ونحوه مما ذكر في أسباب النزول ، فقال على لسان جبرئيل عليه الصلاة والسلام : { وما نتنزل } أي أنا ولا أحد من الملائكة بإنزال الكتاب ولا غيره { إلا بأمر ربك } المحسن إليك {[48515]}في جميع الأمر في التقديم والتأخير{[48516]} لئلا يقع في بعض الأوهام أنه حق في نفسه ، ولكنه نزل بغير أمره سبحانه ، ووقع الخطاب مقترناً بالوصف المفهم لمزيد الإكرام تطييباً لقلبه صلى الله عليه وسلم وإشارة إلى أنه محسن إليه ، ولفظ التنزل مشير إلى الإكرام ، وهو التردد مرة بعد مرة {[48517]}ووقتاً غب وقت{[48518]} ، ولا يكون إلا لذلك لأن النزول للعذاب يقتضي به الأمر في مثل لمح البصر ، وكان هذا عقب ذكر القيامة بذكر الجنة كما كان المعطوف عليه عقب

( فإذا جاء وعد الآخرة }[ الإسراء : 7 ] وكما{[48519]} كان ختام مسائلهم بذكر الآخرة في قوله

{ فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء }[ الكهف : 98 ] - إلى آخر السورة ليكون ذلك أشد تثبيتاً للبعث وأعظم تأكيداً ، وإن استطلت هذا العطف مع بعد ما بين المعطوف والمعطوف عليه واستعظمته واستنكرته لذلك واستبعدته فقل : لما كشفت هذه السورة عن هذه القصص الغريبة ، وكان المتعنتون ربما قالوا : نريد أن يخبرنا هذا الذي ينزل عليك بجميع أنباء الأقدمين وأخبار الماضين ، قال جواباً عن ذلك أن قيل : ما أنزلنا{[48520]} عليك بأخبار هؤلاء إلا بأمر ربك ، وما نتنزل فيما يأتي أيضاً إلا بأمر ربك ؛ ثم علل ذلك بقوله : { له ما بين أيدينا } أي من المكان والزمان وما فيهما { وما خلفنا } من ذلك { وما بين ذلك } وهو نحن والمكان والزمان اللذان{[48521]} نحن بهما وما فوقه وتحته ، ونحن نعلم ذلك ونعمل على حسب ما نعلم ، فلا نتصرف في ملكه إلا بأمره { وما كان } {[48522]}على تقدير من التقادير{[48523]} { ربك نسياً * } أي ذا نسيان لشيء من الأشياء فيترك تفصيل أمر الروح ، ويؤخر الجواب عن الوقت الذي وعدتهم فيه لخفاء شيء من ذلك عليه ، ولا ينسى ما يصلحك فيحتاج إلى مذكر به ، ولا ينسى أحداً منا فينزل في وقت نسيانه له بل هو دائم الاطلاع على حركتنا وسكناتنا ، فنحن له في غاية المراقبة ، وهو سبحانه يصرفنا بحسب الحكمة في كل وقت تقتضيه حكمته ، لا يكون شيء من ذلك إلا في الوقت الذي حده له وأراده فيه ، ولا يخرج شيء من الأشياء وإن دق عن مراده . ويجوز أن يقال في التعبير بصيغة فعيل أنه لا يتمكن العبد من الغيبة عن السيد بغير إذنه إلا أن كان بحيث يمكن أن يغفل وأن تطول غفلته وتعظم لكونه مجبولاً عليها ، أو أنه{[48524]} لما استلبث الوحي في أمر الأسئلة التي سألوا عنها من الروح وما معها خمس عشرة ليلة أو أكثر أو أقل - على اختلاف الروايات ، فكان ذلك موهماً للأغبياء{[48525]} أنه نسيان ، وكان مثل ذلك لا يفعله إلا كثير النسيان ، نفى هذا الوهم بما اقتضاه من الصيغة ونفى قليل ذلك وكثيرة في السورة التي بعدها ضماً لدليل النقل إلى دليل العقل بقوله ( لا يضل ربي ولا ينسى{[48526]} }[ طه : 52 ] لما اقتضاه السياق ، فأتى في كل أسلوب بما يناسبه مع الوفاء بما يجب من حق الاعتقاد ، وهذه الآية مع { وبالحق أنزلناه } و{ قل لئن اجتمعت الإنس والجن{[48527]} }[ الإسراء : 88 ] مثل{ قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات }[ هود : 3 ] - الآيتين{[48528]} في سورة هود عليه السلام ، على ما قدمت في بيانه غير أن ما جمع هناك فصل هنا في أول الجواب عن أسئلتهم بآية { قل لئن اجتمعت } وأثنائه{[48529]} بآية { وبالحق أنزلناه } وآخره بهذه الآية ، لتكون الآيات رابطة على هذه الأجوبة وتوابعها وضابطة لها كالشهب والحرس الشديد بالنسبة إلى السماء ، فلا يبغيها متعنت من جهة من جهاتها كيداً إلا رد خاسئاً ، ولا يرميها بقادح إلا كان رميه خاطئاً .


[48508]:من ظ ومد وفي الأصل: يخلف.
[48509]:زيد في الأصل: أن ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[48510]:زيد من ظ ومد.
[48511]:بهامش ظ: "من أخبار" بيان لا غرب
[48512]:من ظ ومد، وفي الأصل: من.
[48513]:بهامش ظ: "من أخبار" بيان لا غرب.
[48514]:زيدت الواو في الأصل ولم تكن في ظ ومد فحذفناها.
[48515]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[48516]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[48517]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[48518]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[48519]:زيد من ظ ومد.
[48520]:من ظ ومد وفي الأصل: نزل.
[48521]:من مد، وفي الأصل وظ: الذين.
[48522]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[48523]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[48524]:زيد ما بين الحاجزين من مد.
[48525]:من ظ ومد وفي الأصل: للأنبياء.
[48526]:سورة 20 آية 52.
[48527]:سورة 17 آية 88.
[48528]:13 و 14.
[48529]:من مد، وفي الأصل وظ: إتيانه.