الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (286)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}: لا يكلفها من العمل إلا ما أطاقت. {لها ما كسبت} من الخير وما عملت أو تظلمت به. {وعليها ما اكتسبت} من الإثم.

ثم علم جبريلُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يقول: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}: إن جهلنا عن شيء أو أخطأنا، فتركنا أمرك، قال الله عز وجل: ذلك لك.

{ربنا ولا تحمل علينا إصرا}: عهدا، {كما حملته على الذين من قبلنا} ما كان حرم عليهم من لحوم الإبل، وشحوم الغنم، ولحوم كل ذي ظفر، يقول: لا تفعل ذلك بأمتي بذنوبها كما فعلته ببني إسرائيل، فجعلتهم قردة وخنازير، قال الله تعالى: ذلك لك...

{ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا}: واعف عنا من ذلك. {واغفر لنا}: وتجاوز عنا، عن ذنوبنا من ذلك كله واغفر.

{وارحمنا أنت مولانا}: أنت ولينا. {فانصرنا على القوم الكافرين}: كفار مكة وغيرها إلى يوم القيامة. قال الله تعالى: ذلك لك، فاستجاب الله عز وجل له، ذلك فيما سأل وشفعه في أمته، وتجاوز لها عن الخطايا والنسيان وما استكرهوا عليه، فلما نزلت قرأهن النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، وأعطاه الله عز وجل هذه الخصال كلها في الآخرة، ولم يعطها أحدا من الأمم الخالية...

تفسير الإمام مالك 179 هـ :

{ولا تحمل علينا إصرا} [البقرة: 286]. 203- ابن جرير: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألته، -يعني مالكا- عن قوله: {ولا تحمل علينا إصرا}، قال: الإصر: الأمر الغليظ. {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286]. 204- ابن رشد: سئل مالك عن الرجل يتوضأ ثم يطأ الموضع القذر الجاف قال: لا بأس بذلك، إن الله وسع على هذه الأمة، ثم تلا: {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286]...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

{لا يُكَلّفُ اللّهُ نَفْسا إلاّ وُسْعَها}: فيتعبدها إلا بما يسعها، فلا يضيق عليها، ولا يجهدها. وقد بينا فيما مضى قبل أن الوسع اسم من قول القائل: وسعني هذا الأمر...عن ابن عباس قوله: {لا يُكَلّفُ اللّهُ نَفْسا إلاّ وُسْعَها} قال: هم المؤمنون، وسع الله عليهم أمر دينهم، فقال الله جل ثناؤه: {وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ} وقال: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ} وَقالَ: {اتّقُوا اللّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ}.

القول في تأويل قوله تعالى: {لَهَا ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ}: للنفس التي أخبر أنه لا يكلفها إلا وسعها، يقول: لكل نفس ما اجترحت وعملت من خير¹، "وعليها": وعلى كل نفس "ما اكتسبت": ما عملت من شرّ. فتأويل الآية إذا: لا يكلف الله نفسا إلا ما يسعها، فلا يجهدها، ولا يضيق عليها في أمر دينها، فيؤاخذها بهمة إن همت، ولا بوسوسة إن عرضت لها، ولا بخطرة إن خطرت بقلبها.

{رَبّنَا لاَ تُؤَاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطأْنا}: وهذا تعليم من الله عزّ وجلّ عباده المؤمنين دعاءه كيف يدعونه، وما يقولون في دعائهم إياه. ومعناه: قولوا: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا شيئا فرضت علينا عمله فلم نعمله، أو أخطأنا في فعل شيء نهيتنا عن فعله ففعلناه، على غير قصد منا إلى معصيتك، ولكن على جهالة منا به وخطأ.

إن قال لنا قائل: وهل يجوز أن يؤاخذ الله عزّ وجلّ عباده بما نسوا أو أخطئوا فيسألوه أن لا يؤاخذهم بذلك؟ قيل: إن النسيان على وجهين: أحدهما: على وجه التضييع من العبد والتفريط¹، والاَخر: على وجه عجز الناسي عن حفظ ما استحفظ، ووكل به وضعف عقله عن احتماله، فأما الذي يكون من العبد على وجه التضييع منه والتفريط، فهو ترك منا لما أمر بفعله، فذلك الذي يرغب العبد إلى الله عزّ وجلّ في تركه مؤاخذته به، وهو النسيان الذي عاقب الله عزّ وجل به آدم صلوات الله عليه، فأخرجه من الجنة، فقال في ذلك: {وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْما} وهو النسيان الذي قال جلّ ثناؤه: {فالْيَوْمُ نَنْسَاهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} فرغبة العبد إلى الله عزّ وجلّ بقوله: {رَبّنا لا تُؤَاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا} فيما كان من نسيان منه لما أمر بفعله على هذا الوجه الذي وصفنا ما لم يكن تركه ما ترك من ذلك تفريطا منه فيه وتضييعا، كفرا بالله عزّ وجلّ، فإن ذلك إذا كان كفرا بالله فإن الرغبة إلى الله في تركه المؤاخذة به غير جائزة، لأن الله عزّ وجلّ قد أخبر عباده أنه لا يغفر لهم الشرك به، فمسألته فعل ما قد أعلمهم أنه لا يفعله خطأ، وإنما يكون مسألته المغفرة فيما كان من مثل نسيانه القرآن بعد حفظه بتشاغله عنه، وعن قراءته، ومثل نسيانه صلاة أو صياما، باشتغاله عنهما بغيرهما حتى ضيعهما. وأما الذي العبد به غير مؤاخذ لعجز بنيته عن حفظه، وقلة احتمال عقله ما وكل بمراعاته، فإن ذلك من العبد غير معصية، وهو به غير آثم، فذلك الذي لا وجه لمسألة العبد ربه أن يغفره له، لأنه مسألة منه له أن يغفر له ما ليس له بذنب، وذلك مثل الأمر يغلب عليه، وهو حريص على تذكره وحفظه، كالرجل يحرص على حفظ القرآن بجدّ منه، فيقرأه، ثم ينساه بغير تشاغل منه بغيره عنه، ولكن بعجز بنيته عن حفظه وقلة احتمال عقله، ذكر ما أودع قلبه منه، وما أشبه ذلك من النسيان، فإن ذلك مما لا يجوز مسألة الربّ مغفرته، لأنه لا ذنب للعبد فيه، فيغفر له باكتسابه. وكذلك للخطأ وجهان: أحدهما: من وجه ما نهي عنه العبد فيأتيه بقصد منه وإرادة، فذلك خطأ منه، وهو به مأخوذ، يقال منه: خطئ فلان وأخطأ فيما أتى من الفعل، وأثم إذا أتى ما يتأثم فيه وركبه، وهذا الوجه الذي يرغب العبد إلى ربه في صفح ما كان منه من إثم عنه، إلا ما كان من ذلك كفرا. والاَخر منهما: ما كان عنه على وجه الجهل به والظنّ منه، بأن له فعله، كالذي يأكل في شهر رمضان ليلاً، وهو يحسب أن الفجر لم يطلع، أو يؤخر صلاة في يوم غيم وهو ينتظر بتأخيره إياها دخول وقتها فيخرج وقتها وهو يرى أن وقتها لم يدخل، فإن ذلك من الخطأ الموضوع عن العبد الذي وضع الله عزّ وجلّ عن عباده الإثم فيه، فلا وجه لمسألة العبد ربه أن يؤاخذه به، وقد زعم قوم أن مسألة العبد ربه أن لا يؤاخذه بما نسي أو أخطأ، إنما هو فعل منه لما أمره به ربه تبارك وتعالى، أو لما ندبه إليه من التذلل له والخضوع بالمسألة، فأما على وجه مسألته الصفح، فما لا وجه له عندهم.

{رَبّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِنا}: قولوا: ربنا لا تحمل علينا إصرا: يعني بالإصر: العهد، كما قال جل ثناؤه: {قال أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكُمْ إصْرِي}. وإنما عنى بقوله: {وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرا}: ولا تحمل علينا عهدا، فنعجز عن القيام به ولا نستطيعه. {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلى الّذِينَ مِنْ قَبْلِنا}: على اليهود والنصارى الذين كلفوا أعمالاً وأخذت عهودهم ومواثيقهم على القيام بها، فلم يقوموا بها، فعوجلوا بالعقوبة. فعلم الله عزّ وجلّ أمة محمد صلى الله عليه وسلم الرغبة إليه بمسألته أن لا يحملهم من عهوده ومواثيقه على أعمال إن ضيعوها أو أخطأوا فيها أو نسوها مثل الذي حمل من قبلهم، فيحلّ بهم بخطئهم فيه وتضييعهم إياه مثل الذي أحلّ بمن قبلهم.

وقال آخرون: معنى ذلك: ولا تحمل علينا ذنوبا وإثما كما حملت ذلك على من قبلنا من الأمم، فتمسخنا قردة وخنازير كما مسختهم... لا تحمل علينا ذنبا ليس فيه توبة ولا كفارة.

وقال آخرون: معنى الإصر بكسر الألف: الثقل... الإصر: الأمر الغليظ.

{رَبّنَا وَلاَ تُحَمّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ}: وقولوا أيضا: ربنا لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق القيام به لثقل حمله علينا... تشديد يشدّد به كما شدّد على من كان قبلكم.

وإنما قلنا: إن تأويل ذلك: ولا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق القيام به على نحو الذي قلنا في ذلك، لأنه عقيب مسألة المؤمنين ربهم أن لا يؤاخذهم إن نسوا أو أخْطَأُوا، وأن لا يحمل عليهم إصرا كما حمله على الذين من قبلهم، فكان إلحاق ذلك بمعنى ما قبله من مسألتهم في الدين أولى مما خالف ذلك المعنى.

{وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنا}: وفي هذا أيضا من قول الله عزّ وجلّ خبرا عن المؤمنين من مسألتهم إياه ذلك الدلالة الواضحة أنهم سألوه تيسير فرائضه عليهم بقوله: {وَلا تُحَمّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ} لأنهم عقبوا ذلك بقولهم: {وَاعْفُ عَنّا} مسألة منهم ربهم أن يعفو لهم عن تقصير إن كان منهم في بعض ما أمرهم به من فرائضه، فيصفح لهم عنه، ولا يعاقبهم عليه، وإن خفّ ما كلفهم من فرائضه على أبدانهم...

واستر علينا زلة إن أتيناها فيما بيننا وبينك، فلا تكشفها ولا تفضحنا بإظهارها.

{وَارْحَمْنَا}: تغمدنا منك برحمة تنجينا بها من عقابك، فإنه ليس بناج من عقابك أحد إلا برحمتك إياه دون عمله، وليست أعمالنا منجيتنا إن أنت لم ترحمنا، فوفقنا لما يرضيك عنا.

{أنْتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا على القَوْمِ الكافِرِينَ}:أنت ولينا بنصرك دون من عاداك وكفر بك، لأنا مؤمنون بك ومطيعوك فيما أمرتنا ونهيتنا، فأنت وليّ من أطاعك، وعدوّ من كفر بك فعصاك، فانصرنا لأنا حزبك، على القوم الكافرين الذي جحدوا وحدانيتك، وعبدوا الاَلهة والأنداد دونك، وأطاعوا في معصيتك الشيطان.

وقد ذكر أن الله عزّ وجلّ لما أنزل هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، استجاب الله له في ذلك كله.

عن سعيد بن جبير: {لا يُكَلّفُ اللّهُ نَفْسا إلاّ وُسْعَها لَهَا ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبّنا لاَ تُؤَاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا} قال: ويقول قد فعلت، {رَبّنا وَلا تَحْمِل عَلَيْنا إصْرا كَما حَمَلْتَهُ على الّذِينَ مِنْ قَبْلِنا} قال: ويقول قد فعلت. فأعطيت هذه الأمة خواتيم سورة البقرة، ولم تعطها الأمم قبلها...

حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق: أن معاذا كان إذا فرغ من هذه السورة: {وَانْصُرْنا على القَوْمِ الكافِرِينَ} قال: آمين.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

قوله تعالى: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} فيه دلالة أن الله تعالى إنما يأمر عبيده، وينهي لمنافع لهم ولضرر يلحقهم، لا لمنافع تكون له في الأمر، أو لضرر يلحقه، فينهى عن ذلك، فيكون في الأمر جار منفعة، وفي النهي دافع مضرة كما يكون في الشاهد أن من أمر آخر بشيء إنما يأمر لمنفعة يأمر فيه، وينهي عن شيء لدفع ضرر يخافه. وتعالى الله عن ذلك.

وقوله تعالى: {ربنا لا يؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قيل فيه بوجهين: قيل: {إن نسينا} يعني تركنا كقوله تعالى: {نسوا الله فنسيهم} [التوبة: 67] وكقوله:

{ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي} [طه: 115] أي ترك...

وقوله تعالى: {أخطأنا} يعني ارتكبنا ما انتهينا، وقيل: إنه على حقيقة النسيان والخطأ، كأنه على الإضمار أن قوله: {ربنا لا تؤاخذنا} الآية...

وأما الأصل عندنا في هذا [فإنه في وجوه؛

أحدها: أنه جائز في الحكمة أن يعاقب على النسيان والخطأ ليجتهدوا في حفظ حقوقه وحدوده وحرماته لئلا ينسوا. ألا ترى أن الله أوجب على قاتل الخطأ الكفارة، ثم قال: {توبة من الله} [النساء: 92]. فلو [كان لا يجوز أن يعاقب على النسيان والخطأ] لم يكن لوجوب الكفارة عليه والتوبة معنى. دل أنه جائز في الحكمة المؤاخذة به.

والثاني: قوله جل وعلا: {وما أنسانيه إلا الشيطان} [الكهف: 63]، وفعل الشيطان مما يتقى، ويحذر. لذلك كان ما ذكر، والله أعلم؛ لأنه لو اجتهد عن فعل السهو والنسيان؛ سلم منه. فجائز أن يسأل منهما؛ إذ بالجهد يسلم منه...

والثالث: ما ذكرنا أن النسيان، هو الترك، والخطأ، هو ارتكاب المنهي، والتارك لأمر الله والمرتكب لنهيه، يستوجب العقاب عليه، والله أعلم. فيصبح الدعاء على ذلك لئلا يلحقهم العذاب بترك ذلك الأمر وارتكابه المنهي...

وأما الأمر بالاستغفار فهو يخرج على وجهين:

أحدهما: ما روي: (المؤذن يغفر له بمد صوته) [أحمد 2/132] فهو على استحباب أولئك المغفرة به. فعلى ذلك استغفاره ليغفر به لبعض أمته.

والثاني: أن المغفرة في اللغة هي التغطية والستر، وكأنه يسأل الستر عليه بعد التجاوز عنه...

وقوله تعالى: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} يحتمل وجهين:

يحتمل أن {و لا تحملنا ما لا طاقة لنا به} من القتل والهلاك؛ إذ في ذلك إفناؤهم، وفي الفناء ذهاب طاقتهم. قال الشيخ، رحمه الله تعالى: أي ما نشتغل عما أمرتنا، فيكون كالدعاء بالعصمة، والله أعلم.

ويحتمل أن يراد به طاقة الفعل، وهي لا تتقدم عندنا الفعل، والله أعلم.

وقوله تعالى: {واعف عنا}؛ قيل: اتركنا على ما نحن عليه، ولا تعذبنا، وقوله تعالى: {واغفر لنا} أي استر لنا، والغفر [هو] الستر، ولذلك تسمى المغفرة مغفرة لأنه يستر، وستر الذنب هو أعظم النعم.

وقوله تعالى: {وارحمنا} أي تغمدنا برحمتك، لأنه ينجو أحد إلا برحمتك.

وقوله تعالى: {أنت مولانا}؛ قيل: أنت أولى بنا، وقيل: أنت حافظنا، وقيل: أنت ولينا وناصرنا...

وقوله تعالى: {فانصرنا على القوم الكافرين} يحتمل المعروفين، ويحتمل الشياطين، أي انصرنا عليهم...

آراء ابن حزم الظاهري في التفسير 456 هـ :

وفيها مسألتان:

المسألة الأولى: كل فرض كلفه الله تعالى الإنسان فإن قدر عليه لزمه، وإن عجز عن جميعه سقط عنه، وإن قوي على بعضه وعجز عن بعضه سقط عنه ما عجز عنه ولزمه ما قدر عليه منه سواء أقله أو أكثره. برهان ذلك: قول الله عز وجل {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". وبالله تعالى التوفيق.

المسألة الثانية : كل ما كلفنا الله تعالى فهو يسر وتخفيف بالإضافة إلى ما هو أشد مما حمله من كان قبلنا كما قال تعالى أمرا لنا أن ندعوه فنقول {ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به}...

ونص تعالى أنه قد حمل من كان قبلنا الإصر وهو الثقل لا يطاق، وأمرنا أن ندعوه بألا يحمل ذلك علينا...

وكما نص تعالى أنه وضع بنبيه صلى الله علينا وسلم الإصر الذي كان عليهم، والأغلال التي كانوا يطوقونها، إذ يقول تعالى {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم}. فهذا هو عين اليسر وعين التخفيف وإسقاط الحرج، وأن يقع ما كلفناه نحن مما كلفه بعض قوم موسى، من قتل أنفسهم بأيديهم، فكل شيء كلفناه يهون عند هذا، وكذلك ما في شرائع اليهود من أنه خطر على ميت تنجس يوما إلى الليل، وسائر الثقائل التي كلفوا، وحرم عليهم، وخفف عنا ذلك كله. ولله الحمد والمنة...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

{لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}: لكمال رحمته بهم وقفهم على حد وسعهم ودون ذلك بكثير، كل ذلك رِفق منه وفضل.

{رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ}؛ كان إذا وقعت حاجة كلَّموه بلسان الواسطة. قالوا: {يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} [الأعراف: 134] وهذه الأمة قال لهم: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]. وكانت الأمم السالفة إذا أذنبوا احتاجوا إلى مضي مدة لقبول التوبة، وفي هذه الأمة قال صلى الله عليه وسلم:"الندم توبة". وكانت الأمم السالفة منهم من قال اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، وهذه الأمة اختصت بإشراق أنوار توحيدهم، وخصائصُهم أكثر من أن يأتي عليه الشرح.

{وَاعْفُ عَنَّا}: في الحال. {وَاغْفِرْ لَنَا}: في المآل. {وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ}: في جميع الأحوال إذ ليس لنا أحد سواك، فأنت مولانا فاجعل النصرة لنا على ما يشغلنا عنك.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

الوسع: ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه، أي لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ويتيسر عليه دون مدى الطاقة والمجهود. وهذا إخبار عن عدله ورحمته كقوله تعالى: { يريد الله بكم اليسر} الكهف: 185 لأنه كان في إمكان الإنسان وطاقته أن يصلي أكثر من الخمس، ويصوم أكثر من الشهر، ويحج أكثر من حجة.

{ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} ينفعها ما كسبت من خير، ويضرها ما اكتسبت من شر، لا يؤاخذ بذنبها غيرها،ولا يثاب غيرها بطاعتها...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{لا يكلف الله نفساً إلا وسعها}: خبر جزم نص على أنه لا يكلف العباد من وقت نزوله الآية عبادة من أعمال القلوب والجوارح إلا وهي في وسع المكلف، وفي مقتضى إدراكه وبنيته، وبهذا انكشفت الكربة عن المسلمين في تأولهم أمر الخواطر... وهذا المعنى الذي ذكرناه في هذه الآية يجري مع معنى قوله تعالى {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] وقوله تعالى: {ما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] وقوله: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16]...

{لها ما كسبت} يريد من الحسنات، {وعليها ما اكتسبت} يريد من السيئات... وجاءت العبارة في الحسنات ب {لها} من حيث هي مما يفرح الإنسان بكسبه ويسر بها فتضاف إلى ملكه، وجاءت في السيئات ب {عليها}، من حيث هي أوزار وأثقال ومتحملات صعبة...

وكرر فعل الكسب فخالف بين التصريف حسناً لنمط الكلام. كما قال {فمهل الكافرين أمهلهم رويداً} [الطلاق: 17] هذا وجه، والذي يظهر لي في هذا أن الحسنات هي مما يكسب دون تكلف، إذ كاسبها على جادة أمر الله ورسم شرعه، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى ويتخطاه إليها، فيحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازاً لهذا المعنى.

واختلف الناس في معنى قوله {نسينا أو أخطأنا}... [ف] ذهب كثير من العلماء إلى أن الدعاء في هذه الآية إنما هو في النسيان الغالب والخطأ غير المقصود، وهذا هو الصحيح عندي. قال قتادة في تفسير الآية بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تجاوز لأمتي عن نسيانها وخطأها...

«والإصر»: الثقل وما لا يطاق على أتم أنواعه...

وما لا طاقة للمرء به هو عندهم على تجوز، كما تقول لا طاقة لي على خصومة فلان، ولغير ذلك من الأمر تستصعبه وإن كنت في الحقيقة تطيقه أو يكون ذلك {ما لا طاقة لنا به} من حيث هو مهلك لنا كعذاب جهنم وغيره.

وأما لفظة «أخطأ» فقد تجيء في القصد ومع الاجتهاد...

ولا خلاف أن الذين من قبلنا يراد به اليهود. قال الضحاك: والنصارى، وأما عبارات المفسرين في قوله: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به}...

قال سلام بن سابور: الذي لا طاقة لنا به الغُلْمة، وحكاه النقاش عن مجاهد وعطاء وعن مكحول، وروي أن أبا الدرداء كان يقول في دعائه: وأعوذ بك في غلمة ليس لها عدة...

ثم قال تعالى فيما أمر المؤمنين بقوله: {واعف عنا} أي فيما واقعناه وانكشف {واغفر لنا} أي استر علينا ما علمت منا {وارحمنا} أي تفضل مبتدئاً برحمة منك لنا. قال القاضي أبو محمد: فهي مناح للدعاء متباينة وإن كان الغرض المراد بكل واحد منها واحداً وهو دخول الجنة و {أنت مولانا} مدح في ضمنه تقرب إليه وشكر على نعمه، ومولى هو من ولي فهو مفعل أي موضع الولاية، ثم ختمت الدعوة بطلب النصر على الكافرين الذي هو ملاك قيام الشرع وعلو الكلمة ووجود السبيل إلى أنواع الطاعات...

روى أبو مسعود عقبة بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه،» يعني من قيام الليل، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما أظن أحداً عقل وأدرك الإسلام ينام حتى يقرأهما...

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلُ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْله تَعَالَى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا}. هَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي الدِّينِ، وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ شَرِيعَةِ الْمُسْلِمِينَ شَرَّفَنَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى الْأُمَمِ بِهَا، فَلَمْ يُحَمِّلْنَا إصْرًا وَلَا كَلَّفَنَا فِي مَشَقَّةٍ أَمْرًا، وَقَدْ كَانَ مَنْ سَلَفَ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ إذَا أَصَابَ الْبَوْلُ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ بِالْمِقْرَاضِ، فَخَفَّفَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ إلَى وَظَائِفِ عَلَى الْأُمَمِ حَمَلُوهَا، وَرَفَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ»

...

...

...

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْله تَعَالَى: {لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}... وَالْآيَةُ إنَّمَا جَاءَتْ لِرَفْعِ الْإِثْمِ الثَّابِتِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} فَأَمَّا أَحْكَامُ الْعِبَادِ وَحُقُوقُ النَّاسِ فَثَابِتَةٌ حَسَبَ مَا يُبَيَّنُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أن في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قوله {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} يحتمل أن يكون ابتداء خبر من الله ويحتمل أن يكون حكاية عن الرسول والمؤمنين على نسق الكلام في قوله {وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} [البقرة: 285] وقالوا {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} ويؤيد ذلك ما أردفه من قوله {ربنا لا تؤاخذنا} فكأنه تعالى حكى عنهم طريقتهم في التمسك بالإيمان والعمل الصالح وحكى عنهم في جملة ذلك أنهم وصفوا ربهم بأنه لا يكلف نفسا إلا وسعها...

المسألة الثانية: في كيفية النظم: إن قلنا إن هذا من كلام المؤمنين فوجه النظم أنهم لما قالوا {سمعنا وأطعنا} فكأنهم قالوا: كيف لا نسمع ولا نطيع، وأنه تعالى لا يكلفنا إلا ما في وسعنا وطاقتنا...

المسألة الثالثة: يقال: كلفته الشيء فتكلف، والكلف اسم منه، والوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه، قال الفراء: هو اسم كالوجد والجهد، وقال بعضهم: الوسع دون المجهود في المشقة، وهو ما يتسع له قدرة الإنسان...

التفسير القيم لابن القيم 751 هـ :

ختم السورة بهذه الخاتمة العظيمة، التي هي من كنز تحت عرشه. والشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه. وفيها من العلوم والمعارف وقواعد الإسلام وأصول الإيمان، ومقامات الإحسان ما يستدعي بيانه كتابا مفردا...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما مُنّوا بالإيمان في سؤال الغفران عللوا السؤال بقولهم: {لا يكلف الله} أي الملك الأعظم الرحيم الأكرم الذي له جميع صفات الكمال {نفساً إلا وسعها} أي ما تسعه وتطيقه ولا تعجز عنه، وذلك هو الممكن لذاته الذي يتعلق اختيار العبد بفعله، ولم يخبر الله تعالى بأنه لا يقع لا المحال لذاته ولا الممكن لذاته سواء [أكان] مما لا مدخل للإنسان في اختياره كالنوم [أم] كان له مدخل فيه وقد تعلق العلم الأزلي بعدم وقوعه وأخبر سبحانه وتعالى بعدم وقوعه معيناً لصاحبه، فهذا لا يقع التكليف به ويجوز التكليف به؛ وهذا الكلام من جملة دعائهم على وجه الثناء طلباً للوفاء بما أخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم عنه سبحانه وتعالى خوفاً من أن يكلفوا بما لله سبحانه وتعالى كما دلت عليه الآية وقول المؤمنين عند نزولها وجواب النبي صلى الله عليه وسلم لهم أن يكلف به من المؤاخذة بالوساوس التي لا يقع العزم عليها لأنه مما تخفيه النفوس ولا طاقة على دفعه.

ولما كان الإنسان قد يتعمد الذنب لشهوة تدعوه إليه وغرض يحمله عليه أتبعوا ذلك دعاء عاماً فقالوا: {واعف عنا} أي ارفع عنا عقاب الذنوب كلها {واغفر لنا} أي ولا تذكرها لنا أصلاً، فالأول العفو عن عقاب الجسم، والثاني العفو عن عذاب الروح.

قال الحرالي: ولما كان قد يلحق من يعفى عنه ويغفر له قصور في الرتبة عن منال الحظ من الرحمة ألحق تعالى المعفو عنه المغفور له بالمرحوم ابتداء بقوله: {وارحمنا} أي حتى يستوي المذنب التائب والذي لم يذنب قط في منال الرحمة...

وقد بان بذكر المنزل والإيمان به والنصرة على الكفار بعد تفصيل أمر النفقة والمال الذي ينفق منه رد مقطعها على مطلعها وآخرها على أولها.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ثم هي العقيدة التي تعترف بالإنسان إنسانا، لا حيوانا ولا حجرا، ولا ملكا ولا شيطانا. تعترف به كما هو، بما فيه من ضعف وما فيه من قوة، وتأخذه وحدة شاملة مؤلفة من جسد ذي نوازع، وعقل ذي تقدير، وروح ذي أشواق.. وتفرض عليه من التكاليف ما يطيق؛ وتراعي التنسيق بين التكليف والطاقة بلا مشقة ولا إعنات؛ وتلبي كل حاجات الجسد والعقل والروح في تناسق يمثل الفطرة.. ثم تحمل الإنسان -بعد ذلك- تبعة اختياره للطريق الذي يختار: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}. وهكذا يتصور المسلم رحمة ربه وعدله في التكاليف التي يفرضها الله عليه في خلافته للأرض؛ وفي ابتلائه في أثناء الخلافة؛ وفي جزائه على عمله في نهاية المطاف. ويطمئن إلى رحمة الله وعدله في هذا كله؛ فلا يتبرم بتكاليفه، ولا يضيق بها صدرا، ولا يستثقلها كذلك، وهو يؤمن أن الله الذي فرضها عليه أعلم بحقيقة طاقته، ولو لم تكن في طاقته ما فرضها عليه. ومن شأن هذا التصور -فضلا عما يسكبه في القلب من راحة وطمأنينة وأنس- أن يستجيش عزيمة المؤمن للنهوض بتكاليفه، وهو يحس أنها داخلة في طوقه؛ ولو لم تكن داخلة في طوقه ما كتبها الله عليه؛ فإذا ضعف مرة أو تعب مرة أو ثقل العبء عليه، أدرك أنه الضعف لا فداحة العبء! واستجاش عزيمته ونفض الضعف عن نفسه وهم همة جديدة للوفاء، ما دام داخلا في مقدروه! وهو إيحاء كريم لاستنهاض الهمة كلما ضعفت على طول الطريق! فهي التربية كذلك لروح المؤمن وهمته وإرادته؛ فوق تزويد تصوره بحقيقة إرادة الله به في كل ما يكلفه. ثم الشطر الثاني من هذا التصور: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}. فردية التبعة، فلا تنال نفس إلا ما كسبت؛ ولا تحمل نفس إلا ما اكتسبت.. فردية التبعة، ورجعة كل إنسان إلى ربه بصحيفته الخاصة، وما قيد فيها له أو عليه. فلا يحيل على أحد، ولا ينتظر عون أحد.. ورجعة الناس إلى ربهم فرادى من شأنها -حين يستيقنها القلب- أن تجعل كل فرد وحدة إيجابية لا تنزل عن حق الله فيها لأحد من عباده إلا بالحق. وتقف كل إنسان مدافعا عن حق الله فيه تجاه كل إغراء، وكل طغيان، وكل إضلال، وكل إفساد. فهو مسؤول عن نفسه هذه وعن حق الله فيها -وحق الله فيها هو طاعته في كل ما أمر به وفي كل ما نهى عنه، وعبوديتها له وحده شعورا وسلوكا- فإذا فرط في هذا الحق لأحد من العبيد تحت الإغراء والإضلال، أو تحت القهر والطغيان -إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان- فما أحد من تلك العبيد بدافع عنه يوم القيامة ولا شافع له؛ وما أحد من تلك العبيد بحامل عنه شيئا من وزره ولا ناصر له من الله واليوم الآخر.. ومن ثم يستأسد كل إنسان في الدفع عن نفسه والدفاع عن حق الله فيها، ما دام هو الذي سيلقى جزاءه مفردا وحيدا! ولا خوف من هذه الفردية -في هذا المقام- فمن مقتضيات الإيمان أن ينهض كل فرد في الجماعة بحق الجماعة عليه، بوصفه طرفا من حق الله في نفسه. فهو مأمور أن يتكافل مع الجماعة في ماله وكسبه، وفي جهده ونصحه، وفي إحقاق الحق في المجتمع وإزهاق الباطل، وفي تثبيت الخير والبر وإزاحة الشر والنكر.. وكل أولئك يحسب له أو عليه في صحيفته يوم يلقى الله فردا فيتلقى هنالك جزاءه!... وكأنما سمع المؤمنون هذه الحقيقة وأدركوها.. فها هو ذا ينطلق من قلوبهم دعاء خافق واجف، يذكره النص القرآني بطريقة القرآن التصويرية؛ فكأنما نحن أمام مشهد الدعاء، وصفوف المؤمنين قائمة تردده في خشوع؛ عقب إعلان حقيقة التكاليف وحقيقة الجزاء: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا. ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به. واعف عنا، واغفر لنا، وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين}.. وهو دعاء يصور حال المؤمنين مع ربهم؛ وإدراكهم لضعفهم وعجزهم، وحاجتهم إلى رحمته وعفوه، وإلى مدده وعونه؛ وإلصاق ظهورهم إلى ركنه، والتجائهم إلى كنفه، وانتسابهم إليه وتجردهم من كل من عداه؛ واستعدادهم للجهاد في سبيله واستمدادهم النصر منه.. كل أولئك في نغمة وادعة واجفة تصور بإيقاعاتها وجيب القلب ورفرفة الروح.. {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}. فدائرة الخطأ والنسيان هي التي تحكم تصرف المسلم حين ينتابه الضعف البشري الذي لا حيلة له فيه. وفي مجالها يتوجه إلى ربه يطلب العفو والسماح. وليس هو التبجح إذن بالخطيئة أو الإعراض ابتداء عن الأمر، أو التعالي عن الطاعة والتسليم؛ أو الزيغ عن عمد وقصد...

. ليس في شيء من هذا يكون حال المؤمن مع ربه؛ وليس في شيء من هذا يطمع في عفوه أو سماحته.. إلا أن يتوب ويرجع إلى الله وينيب.. وقد استجاب الله لدعاء عباده المؤمنين في هذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا}.. وهو دعاء ينبعث من وراثة الأمة المسلمة لتراث الرسالة كله، ومعرفتهم -كما علمهم ربهم في هذا القرآن- بما كان من سلوك الأمم التي جاءتها الرسالات قبلهم؛ وما حملهم الله من الآصار والأثقال عقوبة لهم على بعض ما كان منهم... {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به}.. وهو دعاء يشي بحقيقة الاستسلام. فالمؤمنون لا ينوون نكولا عن تكليف الله أيا كان. ولكنهم فقط يتوجهون إليه راجين متطلعين أن يرحم ضعفهم فلا يكلفهم ما لا يطيقون. كي لا يعجزوا عنه ويقصروا فيه.. وإلا فهي الطاعة المطلقة والتسليم.. إنه طمع الصغير في رحمة الكبير. ورجاء العبد الضعيف في سماحة المالك المتصرف. وطلب ما هو من شأن الله في معاملته لعباده من كرم وبر وود وتيسير. ثم الاعتراف بالضعف بعد ذلك والتوجس من التقصير، الذي لا يمحو آثاره إلا فضل الله العفو الغفور: {واعف عنا، واغفر لنا وارحمنا}. فهذا هو الضمان الحقيقي لاجتياز الامتحان، ونيل الرضوان. فالعبد مقصر مهما يحاول من الوفاء. ومن رحمة الله به أن يعامله بالعفو والمرحمة والغفران.. عن عائشة رضي الله عنها، قال رسول الله [ص]: "لا يدخل أحدكم الجنة بعمله".. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا. إلا أن يتغمدني الله برحمته". وهذا هو قوام الأمر في حس المؤمن: عمل بكل ما في الوسع. وشعور مع ذلك بالتقصير والعجز.. ورجاء -بعد ذلك- في الله لا ينقطع. وتطلع إلى العفو والمغفرة والسماح. وأخيرا يلصق المؤمنون ظهورهم إلى ركن الله، وهم يهمون بالجهاد في سبيله، لإحقاق الحق الذي أراده، وتمكين دينه في الأرض ومنهجه، {حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله}. يلصق المؤمنون ظهورهم إلى ركن الله الركين؛ ويرفعون رايته على رؤوسهم فينتسبون إليه وحده. إذا انتسبت الجاهلية إلى شتى الشعارات والعنوانات؛ ويطلبون نصره لأوليائه بما أنه هو مولاهم الوحيد؛ وهم باسمه يقاتلون الكفار الخارجين...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والمراد البيانُ والتخصيص، لأنّ الذي تطمئنّ له النفس: أنّ هذه الآيات متتابعة النظم، ومع ذلك يجوز أن تكون نزلت منجّمة، فحدَث بين فترة نزولها ما ظنّه بعض المسلمين حرجاً. والوسع في القراءة بضم الواو، في كلام العرب مثلّث الواو وهو الطاقة والاستطاعة، والمراد به هنا ما يطاق ويستطاع، فهو من إطلاق المصدر وإرادة المفعول. والمستطاع هو ما اعتادَ الناسُ قدرتَهم على أن يفعلوه إن توجّهت إرادتهم لفعله مع السلامة وانتفاء الموانع. وهذا دليل على عدم وقوع التكليف بما فوق الطاقة في أديان الله تعالى لعموم (نفساً) في سياق النفي، لأنّ الله تعالى ما شرع التكليف إلاّ للعمل واستقامة أحوال الخلق، فلا يكلّفهم ما لا يطيقون فعله، وما ورد من ذلك فهو في سياق العقوبات، هذا حكم عام في الشرائع كلّها.

وامتازت شريعة الإسلام باليسر والرفق، بشهادة قوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] وقوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}، ولذلك كان من قواعد الفقه العامة « المشقّةُ تجلب التيسير». وكانت المشقة مظنّة الرخصة...

{لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} حال من « نَفَسا» لبيان كيفية الوسع الذي كلفت به النفس: وهو أنّه إن جاءت بخير كان نفعه لها وإن جاءت بشرّ كان ضُرّه عليها. وهذا التقسيم حاصل من التعليق بواسطة « اللاّم» مرة وبواسطة (علَى) أخرى. وأما كسبت واكتسبت فبمعنى واحد في كلام العرب؛ لأنّ المطاوعة في اكتسب ليست على بابها، وإنّما عبّر هنا مرة ب"كَسَبت" وأخرى ب"اكتسبت" تفنّناً وكراهيةَ إعادة الكلمة بعينها... وحاصل معنى الكسب، وما دعا إلى إثباته: هو أنّه لما تقرر أنّ الله قادر على جميع الكائنات الخارجة عن اختيار العبد، وجب أن يقرّر عموم قدرته على كلّ شيء لئلاّ تكون قدرة الله غير متسلّطة على بعض الكائنات، إعمالاً للأدلة الدالة على أنّ الله على كلّ شيء قدير، وأنّه خالق كلّ شيء، وليس لعموم هذه الأدلة دليل يخصّصه، فوجب إعمال هذا العموم...

{واعف عنا واغفر لنا} لم يؤت مع هذه الدعوات بقوله ربّنا، إمّا لأنّه تكرّر ثلاث مرات، والعرب تكره تكرير اللفظ أكثر من ثلاث مرات إلاّ في مقام التهويل، وإمّا لأنّ تلك الدعوات المقترنة بقوله: {ربنا} فروع لهذه الدعوات الثلاث، فإذا استجيب تلك حصلت إجابة هذه بالأوْلى؛ فإنّ العفو أصل لعدم المؤاخذة، والمغفرةَ أصل لرفع المشقة والرحمة أصل لعدم العقوبة الدنيوية والأخروية، فلمّا كان تعميماً بعد تخصيص، كان كأنّه دعاء واحد.

{أنت مولانا} فصله لأنّه كالعلّة للدعوات الماضية: أي دعوناك ورجونا منك ذلك لأنّك مولانا، ومن شأن المولى الرفقُ بالمملوك، وليكون هذا أيضاً كالمقدمة للدعوة الآتية.

{فانصرنا على القوم الكافرين} جيء فيه بالفاء للتفريع عن كونه مولى، لأنّ شأن المولى أن ينصر مولاه...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

"لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت" هذه الجملة السامية تبين أن كل تكليف قد اقترن بجزائه، وأن كل امرئ سيجزى على الخير خيرا، وعلى الشر شرا. وما تضمنه ذلك النص الكريم هو نتيجة لما تضمنه النص السابق؛ لأن النص السابق أفاد أن ثمة تكليفا، ولا ينتج التكليف نتائجه إلا إذا كان ثمة جزاء، والنص السابق أيضا أفاد أن الله لا يكلف إلا بما يكون في القدرة من غير إرهاق، بل بإرادة حرة ويسر لا عسر فيه. وذلك أساس للقيام بالتكليف بإرادة حرة، ومقدرة غير مرهقة، وذلك يوجب الجزاء العادل...

{ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} الطاقة: قال فيها الراغب الأصفهاني ما نصه: "الطاقة اسم لمقدار ما يمكن الإنسان أن يفعله بمشقة، وذلك تشبيه بالطوق المحيط بالشيء، فقوله تعالى: {لا تحملنا ما لا طاقة لنا به} أي ما يصعب علينا مزاولته، وليس معناه لا تحملنا ما لا قدرة لنا به" فالطاقة على هذا تكون فيما يمكن فعله بأقصى القدرة.

وهذا هو الدعاء الثالث وقد كررت فيه كلمة "ربنا" لكمال الضراعة ولبيان أن حالهم دائما يتجدد فيها الشعور بالربوبية وحق الخالق المنعم عليهم. وهذا هو الدعاء هو تدرج مترتب على الدعاء السابق. لقد ضرعوا إلى الله ألا يختبرهم ذلك الاختبار الشديد الذي ألقي على عاتق من سبقوهم أو يخشون ألا يقوموا بحقه كما قام من قبلهم، ثم يضرعون الآن ألا يكلفوا إلا ما يطيقون، أي أنهم على أتم استعداد لأن يبذلوا أقصى قدرتهم وغاية قوتهم فإن الطاقة أقصى القدرة كما بينا ونقلنا. فمعنى الجملة السامية: لا تحملنا ما فوق الطاقة ونحن على استعداد بعونكم لما هو كل الطاقة. وهذه حال من الإيمان سامية.

وعبر هنا بالفعل المضعف "تحملنا" وفي الأول من غير تضعيف؛ لأن الإصر نفسه والتعبير بعلى فيهما بيان شدة الاختبار، فلا حاجة إلى مبالغة في صيغة الحمل؛ أما هنا فالاختبار بما هو في الطاقة وإن كانت المشقة شديدة، فكان ثمة متسع في المبالغة في الصيغة...

{واعف عنا واغفر لنا وارحمنا} هذه هي الأدعية الثلاثة الأخيرة وكلها في باب واحد، وهو باب الإحساس بالمصير في القيام بالواجب، فهي مرتبة من الإيمان سامية؛ لأن المؤمن يفرض التقصير في نفسه ليسعى إلى الكمال، وليرجو رحمة الكبير المتعال، لا يفرض في نفسه الكمال حتى لا يدلى بغرور، ويكون ممن زين له سوء عمله فرآه حسنا. وحال الرسول مع المتقين حال الشاعرين بالتقصير مهما يكن مقدار ما قاموا به؛ وإذا ضرعوا بهذا الدعاء؛ طالبوا بالعفو بألا يحاسبهم على ما عساه يكون منهم من هفوات، أو ما تتحدث به نفوسهم من إصرار على شر ولا نية له، وما يكون موضع الحساب يضرعون إلى ربهم أن يكون موضع غفرانه، فيستر ذنوبهم ولا يفضحهم، ثم يضرعون إلى الله بعد ذلك أن يمن عليهم برحمته في الدنيا والآخرة، وإنهم لفرط إحساسهم بالتقصير لا يعتبرون الثواب جزاء، بل يعتبرونه رحمة ومنة وفضلا من رب العالمين.

{أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} هذه هي الوثيقة الربانية، يستمسكون بها، وهي إحساسهم بأن الله مولاهم، أي معينهم وكالئهم وناصرهم وممدهم بفضله، وقد طلبوا منه النصرة الدائمة على القوم الكافرين. وإن هذا الدعاء الأخير يقوي المعنى الذي قررناه في تفسير قوله تعالى: {ولا تحمل علينا إصرا}. وإنا نضرع إلى المولى جلت قدرته أن يعفو عنا، ويغفر لنا، ويرحمنا، إنه الغفور الرحيم، والعفو القدير...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

مغزى تزكية الله للرسول وهناك نقاطٌ لا بد من التوقف عندها للتوضيح:

لماذا هذا الإعلان عن إيمان الرسول بما أنزل إليه من ربّه، بعد أن كانت هذه حقيقة واضحة، من موقع المعنى الذي تفرضه رساليته أو رسوليته. ونجيب على ذلك، بأن من الممكن أن يكون الأساس في ذلك هو الإيحاء بانطلاق الرسالة من قاعدة الإيمان العميق بها من قبل داعية الرسالة، الأمر الذي يعني تحرّك الرسول من خلال وضوح الرؤية لكل ما يدعو إليه من أفكار وما يبشر به من مفاهيم للحياة، ما يجعل للقضية بعداً روحياً ينطلق من فكره وشعوره، بالإضافة إلى مسؤوليته الملقاة عليه من الله، فإن ذلك يعطي للدعوة حرارةً في الكلمة والأسلوب والفكرة، ويبعث في الموقف والحركة روحاً جديدة وحيوية نابضة بالإخلاص، وبذلك يختلف الوضع عما إذا كانت الدعوة منطلقة من التكليف والمسؤولية بعيداً عن الجانب الذاتي، كما يحدث في بعض الدعاة الذين ينطلقون في الدعوة من قاعدة المهنة والوظيفة من دون إيمان أو إحساس ذاتي بالحقيقة التي تفرض نفسها على الفكر والشعور، أو الذين يثيرون الناس بالأفكار والشعارات التي لا يؤمنون بها من ناحية فكرية، فهم يتحركون في الحالة الأولى من دون روح، تماماً كأيّة عملية جامدة، لأن المسؤولية تقضي بذلك، فلا يستطيعون في غالب الحالات التأثير الروحي على الآخرين، لأنهم يفقدون الشعلة المقدّسة التي تشرق من خلالهم في قلوب الآخرين. أما الحالة الثانية، فتتمثل بالجوانب الاستغلالية أو التجارية التي تدفع الإنسان إلى البحث عن عناصر الإثارة التي لا يقتنع بها من أجل إثارة الناس بعيداً عن جانب المصلحة الحقيقية في أمورهم العامة. إن الله سبحانه يريد أن يوحي بأنّ الرسول كان أوّل مؤمن برسالته، ليقول لنا، إنّ على الداعية أن يعمّق الإيمان في نفسه قبل أن ينطلق في رسالته، لتكون بداية خط الإيمان منطلقة من نقطة الإيمان في روحه وفكره وحياته، لأن ذلك هو سبيل الصدق الذي ينبغي للإنسان أن يعيشه في القول والعمل، وقد جاء في بعض الآيات الكريمة التأكيد على هذا الجانب في الرسول، وذلك قوله تعالى: {وَالَّذِي جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [الزمر: 33]، وقد درج القرآن الكريم في أسلوبه التربوي على أن يقدّم للمؤمنين شخصية الرسول في صفاته وخطواته العملية كنموذج حي في التأكيد على عظمة بعض الأشياء وخطورتها، فكان يخاطب الأمة من خلال خطاب النبي (ص).

المؤاخذة على النسيان:

لقد تحدث الله عن دعاء المؤمنين بأن لا يؤاخذهم بما أخطأوا أو عصوا فيه عن نسيان، ما يعني أن النسيان قد يقتضي المؤاخذة، مع أن الناسي غافل لا يمكن توجه التكليف إليه، فكيف يمكن أن يعاقب على ذلك؟! ويُجاب عن ذلك، أن النسيان قد يصدر من حالة غير طبيعية أو اختيارية، فتلك لا يؤاخذ عليها الإنسان، بل يؤاخذ على اللامبالاة في تكاليفه الشرعية الذي أدى إليها ترك التحفظ عن النسيان، ففي مثل ذلك، قد يكون الترك اختيارياً باختيارية مقدماته، وذلك إذا أوجب الله عليه التحفظ عن النسيان بالتحفظ عما يوجبه، فيكون رفع المؤاخذة عنه برفع وجوب التحفظ عليه... وقد تحدّث الأصوليون عن هذا الموضوع تفصيلياً في مناقشتهم لحديث الرفع المشهور.

كيف يطلب المؤمنون من الله أن لا يحمّلهم لا ما لا طاقة لهم به... وأجيب عنه، بأن من الممكن أن يكون المراد به ما لا يطاق بحسب العادة لا بحسب الحقيقة، وهو الذي يقترب من مفهوم الحرج الشديد، ويمكن أن يكون إشارةً إلى العذاب الذي لا يطاق، لا إلى التكليف؛ والله العالم.

إن الله قد قرّر في هذه الآية بأسلوب الجملة الاعتراضية الحقيقة الإلهية المستمدة من عدل الله تعالى، وهي أن الله لا يكلف الإنسان إلا بمقدار طاقته ووسعه... وفي هذا النطاق الذي تتحرك من خلاله القدرة، يواجه الإنسان المسؤولية، فله الثواب من الله بما كسبه من طاعة وخير، وعليه العقاب مما اكتسبه من معصية وشر. وفي ضوء ذلك، كان الدعاء يتحرك في أجواء الحالات التي يشعر فيها الإنسان بالحاجة إلى المغفرة، أو التي يشعر فيها بالحاجة إلى أن يبقى التكليف في نطاق القدرة.

ربما نستوحي من هذه الآية أنها تمثل التلخيص للأجواء العقيدية والعملية والروحية التي أثارتها سورة البقرة في آياتها العقيدية والقصصية والتشريعية والإيمانية، في هدفها الكبير من صنع الشخصية المسلمة المؤمنة على أساس هذه الصورة، وبذلك يلتقي آخر السورة بأوّلها في الحديث عن المؤمنين في صفاتهم وتطلعاتهم وأعمالهم، وفي الإيحاء بأن الحديث عن الإيمان والمؤمنين ليس مجرّد حديث يعيش في الخيال الروحي والفكري، بل هو حديث عن حقيقة حيّة تحركت مفاهيمها في الواقع، فاستطاعت أن تجسد الصورة في الفرد وفي المجتمع، في النموذج الأمثل الأعلى المتمثل بالرسول محمد (ص) وفي النماذج المتنوعة الجيّدة المتجسدة في شخصيات المؤمنين الذين رافقوا الرسول (ص) أو الذين جاؤوا من بعده. وربما كان في الحديث عن الموضوع، واقعا حيا متحركا، إيحاءٌ للعاملين بالتحرّك في دعوتهم إلى الله على الأساس الواقعي الذي يحوّل المفاهيم إلى مواقف ونماذج وأوضاع حيّة، ولا يتركها مجرد مفاهيم تتحرك فيها الكلمات وتلتهب من خلالها المشاعر، فإن قيمة الدعوة تتمثل بمقدار ما تتجسد في الحياة عقيدة وشعوراً وخططاً عملية لهذه الحياة...

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (286)

ولما مُنّوا بالإيمان في سؤال الغفران عللوا السؤال بقولهم : { لا يكلف الله{[14107]} } أي الملك الأعظم الرحيم الأكرم الذي له جميع صفات الكمال { نفساً إلا وسعها } أي ما تسعه وتطيقه ولا تعجز عنه ، وذلك هو الممكن لذاته الذي {[14108]}يتعلق اختيار العبد بفعله{[14109]} ، ولم يخبر الله تعالى بأنه لا يقع لا المحال لذاته ولا الممكن لذاته سواء كان مما لا مدخل للإنسان في اختياره كالنوم أو كان له مدخل فيه وقد تعلق{[14110]} العلم الأزلي بعدم وقوعه وأخبر سبحانه وتعالى بعدم وقوعه معيناً لصاحبه ، فهذا لا يقع التكليف{[14111]} به ويجوز{[14112]} التكليف به{[14113]} ؛ وهذا{[14114]} الكلام من جملة دعائهم {[14115]}على وجه الثناء طلباً{[14116]} للوفاء بما أخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم عنه سبحانه وتعالى{[14117]} خوفاً من أن يكلفوا بما لله سبحانه وتعالى كما دلت عليه الآية وقول المؤمنين عند نزولها وجواب النبي صلى الله عليه وسلم لهم أن يكلف به من المؤاخذة بالوساوس{[14118]} التي لا يقع العزم عليها لأنه مما تخفيه النفوس ولا طاقة على دفعه فهو من باب :

إذا أثنى عليك المرء يوماً *** كفاه من تعرضه الثناء

ولعل العدول عن{[14119]} الخطاب إلى الغيبة بذكر الاسم الأعظم من باب التملق بأن له من صفات العظمة ما يقتضي العفو عن ضعفهم ومن صفات الحلم والرحمة والرأفة ما يرفه عنهم ويحتمل أن يكون ذلك من قول الله سبحانه وتعالى{[14120]} جزاء لهم على قولهم { سمعنا وأطعنا } - الآية ، فأفادهم بذلك أنه لا يحاسبهم بحديث النفس الذي لا عزم فيه ؛ فانتفى ما شق عليهم من قوله { وإن تبدوا ما في أنفسكم{[14121]} } - الآية ، بخلاف ما أفاد{[14122]} بني إسرائيل قولهم { سمعنا وعصينا }[ البقرة : 93 ] من الآصار في الدنيا والآخرة ، فيكون حينئذ استئنافاً جواباً{[14123]} لمن كأنه قال : هل أجاب دعاءهم ؟ ويكون شرح قوله أول السورة :{ أولئك على هدى من ربهم }[ البقرة : 5 ] ويؤيد هذا الاحتمال اتباعه لحكم ما في الوسع على طريق الاستئناف {[14124]}أو الاستفتاح{[14125]} بقوله : { لها } أي خاصاً بها { ما كسبت } وذكر الفعل مجرداً في الخير إيماء إلى أنه يكفي في الاعتداد به مجرد وقوعه ولو مع الكسل بل ومجرد نيته . قال الحرالي : وصيغة فعل مجردة تعرب{[14126]} عن أدنى الكسب فلذلك من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة{[14127]} - انتهى . { وعليها } أي بخصوصها { ما اكتسبت } فشرط في الشر صيغة الافتعال الدالة على الاعتمال إشارة إلى أن من{[14128]} طبع النفس الميل إلى الهوى بكليتها وإلى أن الإثم لا يكتب إلاّ مع التصميم والعزم القوي{[14129]} الذي إن كان عنه عمل ظاهر كان {[14130]}بجد ونشاط{[14131]} ورغبة وانبساط ، فلذلك من همّ بسيئة{[14132]} فلم يعملها لم تكتب{[14133]} عليه ، وربما جاءت العبارة بخلاف ذلك لمعنى{[14134]} في ذلك السياق اقتضاه المقام .

ولما بشرهم بذلك عرفهم مواقع نعمه في دعاء رتبه على الأخف فالأخف على سبيل التعلي إعلاماً بأنه لم يؤاخذهم بما اجترحوه نسياناً ولا بما قارفوه{[14135]} خطأ ولا حمل عليهم ثقلاً بل جعل شريعتهم حنيفية سمحاً ولا حملهم فوق طاقتهم مع أن له جميع ذلك ، وأنه عفا عن عقابهم ثم سترهم فلم{[14136]} يخجلهم بذكر سيئاتهم ، ثم رحمهم{[14137]} بأن أحلهم محل القرب فجعلهم أهلاً للخلافة ؛ فلاح بذلك أنه يعلي أمرهم على كل أمر ويظهر دينهم على كل دين ، إذ{[14138]} كان سبحانه وتعالى هو الداعي عنهم ، وليكون الدعاء كله محمولاً{[14139]} على الإصابة ومشمولاً{[14140]} بالإجابة فقال{[14141]} سبحانه وتعالى : { ربنا{[14142]} لا تؤاخذنا } أي لا تفعل معنا فعل من يناظر خصماً فهو يناقشه على كل صغير وكبير { إن نسينآ } أي{[14143]} ففعلنا ما نهيتنا عنه { أو أخطأنا } أي فعلناه ذاكرين له لكنا لم نتعمد سوءاً . قال الحرالي : والخطأ هو الزلل عن الحد عن غير تعمد بل مع عزم الإصابة أو ودّ أن لا يخطىء ، وفي إجرائه من كلام الله سبحانه وتعالى على لسان عباده قبوله{[14144]} - انتهى{[14145]} . وإعادة ربنا في صدر كل جملة من هذا الطراز{[14146]} كما{[14147]} تقدمت الإشارة إليه في التذكير بعظم المقام في حسن التربية ولطف{[14148]} الإحسان والرأفة .

ولما كان ذلك قد يكون فإن له أن يكلف بما يشاء مع تحميل ما تعظم{[14149]} مشقته من{[14150]} التكاليف فإنه{[14151]} لا يسأل عما يفعل قال : { ربنا ولا تحمل علينا إصراً } أي ثقلاً{[14152]} .

قال الحرالي : هو العهد الثقيل أي{[14153]} الذي في تحمله أشد المشقة - انتهى . ثم عظم المنة بقوله : { كما حملته على الذين من قبلنا } إشارة إلى أنه كان حمل على من سبق من الأحكام ما يهدّ الأركان تأكيداً لما يحمل على الشكر على تخفيف ذلك عنا ، وأصل{[14154]} الإصر العاطف ، أصره الشيء يأصره : عطفه ، ويلزمه الثقل {[14155]}لأن الغصن إذا ثقل مال وانعطف{[14156]} وهو المقصود هنا ؛ وتلك الآصار المشار إليها كثيرة{[14157]} جداً ، منها ما في السفر الثاني من التوراة في القربان أنه ينضح{[14158]} من دم الذبيحة{[14159]} على زوايا المذبح{[14160]} ، ثم قال : ومن تقرب بذبح ثور أو غيره في مكان غير باب{[14161]} قبة الزمان بيت الرب يعاقب ذلك الرجل عقوبة من قتل قتيلاً لأنه سفك دماً ويهلك ذلك الرجل من شعبه ، ومن أكل دماً نزل به الغضب وهلك لأن أنفس البهائم هي الدم{[14162]} ، وإنما أمروا أن يقربوه على المذبح لغفران خطاياهم وتطهير أنفسهم لأنه إنما يغفر للنفس بالدم ، ومن قرب قرباناً أكل منه يوم ذبحه وثانيه{[14163]} ، وما بقي في الثالث أحرق بالنار ، ومن أكل منه هلك من شعبه ؛ ومن ذلك في{[14164]} ذوي العاهات أن من برص من الآدميين{[14165]} يجلس وحده و{[14166]}لا يختلط مع الناس ويكون سكنه خارجاً من محلة بني إسرائيل - حتى ذكر البرص في الثياب{[14167]} والبيوت{[14168]} وغيرها ، فما{[14169]} برص {[14170]}من الجلود والثياب{[14171]} يقطع موضع البرص منه ، فإن ظهر فيه بعد القطع أحرق كله{[14172]} بالنار ، وإن ظهر في بيت برص يهدم وتجمع حجارته وخشبه وترابه خارجاً من القرية ويحرق بالنار ؛ وكذا مرض السلس فيه تشديدات{[14173]} كثيرة ، منها أن من جلس على ثوب{[14174]} عليه مسلوس يغسل ثيابه{[14175]} ويستحم بالماء ويكون نجساً إلى الليل - ونحو هذا ؛ ثم قال : وكلم الرب موسى وقال له{[14176]} : هذه سنة الأبرص{[14177]} الذي يتطهر : يقدم{[14178]} إلى الكاهن ويخرجه{[14179]} خارجاً من العسكر وينظر الحبر{[14180]} إن كانت{[14181]} ضربة البرص قد برأت وتطهر منها{[14182]} يأمر الحبر فيقدم{[14183]} ، ويؤتى بعصفورين حيين زكيين ، وعود من خشب الأرز{[14184]} ، وعهنة{[14185]} حمراء - وعد أشياء أخرى ؛ وقرباناً على كيفية مخصوصة صعبة{[14186]} على عين{[14187]} ماء ، ويغسل ثيابه وبدنه ، ويحلق شعر {[14188]}رأسه ولحيته{[14189]} وحاجبيه{[14190]} وكل شعر جسده ، وأنه يمكث خارجاً من بيته سبعة أيام ، وفي اليوم الثامن يأتي بقربان آخر فيقرب{[14191]} على كيفية مخصوصة ، وينضح الكاهن من دمه على {[14192]}ثياب و{[14193]}بدن هذا الذي تطهر{[14194]} من البرص ، وكذا من زيت{[14195]} قربانه ، ويصب بقيته على رأسه . وكذا في مرض السلس إذا برأ المسلوس يمكث{[14196]} سبعة أيام ، ثم{[14197]} يتطهر ويغسل ثيابه ، ويقرب قرباناً في باب قبة الزمان . وقال : وأي{[14198]} رجل أمذى{[14199]} أو خرج منه منيه{[14200]} يغسل جسده كله بالماء ، ويكون نجساً إلى الليل ؛ ومن دنا{[14201]} من الحائض يكون نجساً إلى الليل{[14202]} وأي ثوب أو فراش وقعت عليه جنابة يغسل بالماء ويكون نجساً إلى الليل{[14203]} وأي ثوب رقدت عليه وهي حائض كان نجساً ، ومن دنا من فراشها يغسل ثيابه ويستحم بالماء ويكون نجساً إلى الليل ، وكذا المستحاضة .

وفيه أيضاً : وكلم الرب موسى وقال له : كلم بني إسرائيل وقل لهم : المرأة إذا حبلت وولدت ذكراً تكون نجسة سبعة{[14204]} أيام كما تكون في أيام حيضها ، وفي اليوم الثامن يختن{[14205]} الصبي ، وتكون نجسة وتجلس مكانها ثلاثة{[14206]} وثلاثين يوماً ، لا تدنو من شيء مقدس ، ولا تدخل بيت الله سبحانه وتعالى لأن الصلاة محرمة عليها حتى تتم أيام تطهيرها{[14207]} ؛ فإن ولدت جارية تكون مثل{[14208]} نجاستها في أيام حيضها أربعة عشر{[14209]} يوماً وتجلس مكانها على الدم الزكي{[14210]} ستة وستين يوماً ، فإذا كملت أيام تطهيرها{[14211]} {[14212]}ابناً ولدت{[14213]} أو بنتاً تجيء بحمل حول{[14214]} - فذكر قرباناً في قبة الزمان على يد الكاهن لتطهر{[14215]} مما كان يجري منها من الدم{[14216]} . ومن الآصار ما في السفر الثاني أيضاً من أنهم إذا حصدوا أرضاً أو قطفوا كرماً حرم عليهم الاستقصاء وأمروا أن يتركوا للمساكين ، ثم قال : ولا تلتقطوا ما ينتثر{[14217]} من زيتونكم{[14218]} بل دعوه للمساكين والذين يقبلون إليّ لأني أنا الله ربكم ، ثم قال : فإذا دخلتم الأرض وغرستم فيها كل شجر يثمر{[14219]} ثماراً تؤكل فدعوها {[14220]}ثلاث سنين{[14221]} ولا تأكلوا من ثمارها ، فإذا كان في السنة الرابعة صيروا جميع ثمار شجركم حرمة{[14222]} للرب ومجداً لإكرامه ، وفي السنة الخامسة كلوا ثمارها فإنها تنمو و{[14223]}تزداد لكم{[14224]} غلاتها ، أنا الله ربكم ! وقال في أواخر السفر الخامس وهو آخر أسفارها : لا تحيفوا على المسكين واليتيم والساكن{[14225]} بينكم في القضاء ، ولا تأخذوا ثوب الأرملة رهناً ، واذكروا أنكم كنتم عبيداً بأرض مصر وأنقذكم الرب {[14226]}من هناك ، لذلك آمركم{[14227]} وأقول لكم إنه{[14228]} واجب عليكم أن تفعلوا مثل هذا الفعل ، وإذا حصدتم حقل أرضكم ونسيتم حزمة لا ترجعوا في طلب أخذها بل تكون للساكن ولليتيم والأرملة ، ليبارك الله ربكم في جميع أعمال أيديكم ؛ وإذا نثرتم زيتونكم فلا تطلبوا ما نسيتم في حقلكم بل يكون لليتيم{[14229]} والساكن والأرملة ؛ وإذا قطعتم كرومكم لا تستقصوا ما فيها بل دعوها ما يعيش به الساكن واليتيم والأرملة ؛ واذكروا أنكم كنتم عبيداً بأرض مصر ، لذلك آمركم أن تفعلوا هذا الفعل - وأما ما على النصارى من ذلك فسيأتي كثير منه إن شاء الله تعالى في المائدة عند قوله تعالى{ وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه{[14230]} }[ المائدة : 47 ] .

ولما دعوا بما تضمن الإيمان بما نزل إليهم مما حمل من كان{[14231]} قبلهم من الثقل أتبعوه ما يدل على اعتقادهم أن ذلك عدل منه{[14232]} في القضاء ، وأنه له أن يفعل فوق ذلك فيكلف بما ليس في الوسع ، لأنه المالك التام المِلك والمَلِك المنفرد بالمُلك ، وسألوا التخفيف برفع ذلك فقالوا : { ربنا ولا } وعبر بالتفعيل {[14233]}لما فيه{[14234]} بما يفهم من العلاج من مناسبة التكليف بما لا يطاق فقال : { تحملنا ما لا طاقة } أي قدرة { لنا به }

ولما كان الإنسان قد يتعمد الذنب لشهوة تدعوه إليه وغرض يحمله عليه أتبعوا ذلك دعاء عاماً فقالوا : { واعف عنا } أي ارفع عنا عقاب الذنوب كلها { واغفر لنا } أي ولا تذكرها لنا أصلاً ، فالأول العفو{[14235]} عن عقاب الجسم ، والثاني العفو عن عذاب الروح . وقال الحرالي : ولما كان قد يلحق من يعفى عنه ويغفر له قصور في الرتبة عن منال الحظ من الرحمة ألحق تعالى المعفو عنه المغفور له بالمرحوم ابتداء بقوله : { وارحمنا } أي حتى يستوي المذنب التائب والذي لم يذنب قط في منال الرحمة .

ولما ضاعف لهم تعالى عفوه ومغفرته ورحمته أنهاهم بذلك إلى محل الخلافة العاصمة { لا عاصم اليوم من أمر الله إلاّ من رحم{[14236]} }[ هود : 43 ] فلما صاروا خلفاء تحقق منهم الجهاد لأعداء الله والقيام بأمر الله ومنابذة من تولى غير الله ، فتحقق أنه لا بد أن يشاققهم أعداء وينابذوهم ، فعلمهم الذي رحمهم سبحانه إسناد أمرهم بالولاية إليه قائلاً عنهم : { أنت مولانا } والمولى هو الولي اللازم الولاية القائم بها الدائم عليها لمن تولاه بإسناد أمره إليه فيما ليس هو بمستطيع له - انتهى بالمعنى . وكان حقيقته الفاعل لثمرة الولاية وهي القرب والإقبال ، وذلك أنهم لما سألوا العفو عن عذاب الجسم والروح سألوا ثوابهما ، فثواب الجسم الجنة وثواب الروح لذة الشهود وذلك ثمرة الولاية وهي الإقبال على الولي بالكلية ، ثم جعل ختام توجه المؤمنين إلى ربهم الدعاء بثمرة الولاية فقال{[14237]} : { فانصرنا } باللسان والسنان ، وأشار إلى قوة المخالفين حثاً على تصحيح الالتجاء والصدق في الرغبة بقوله : { على القوم } وأشار إلى أن الأدلة عليه سبحانه في غاية الظهور لكل عاقل بقوله : { الكافرين } أي الساترين للأدلة الدالة لهم على ربهم المذكورين أول السورة ، فتضمن ذلك وجوب قتالهم وأنهم أعدى الأعداء ، وأن قوله تعالى{ لا إكراه في الدّين }[ البقرة : 256 ] ليس ناهياً عن ذلك وإنما هو إشارة إلى أن الدّين صار في الوضوح إلى حد لا يتصور فيه إكراه بل ينبغي لكل عاقل أن يدخل فيه بغاية الرغبة فضلاً عن الإحواج{[14238]} إلى إرهاب ، فمن نصح نفسه دخل فيه بما دله عليه عقله ، ومن أبى أدخل فيه قهراً بنصيحة الله التي هي الضرب بالحسام ونافذ السهام . ولما كان الختم بذلك مشيراً إلى أنه تعالى لما ضاعف لهم عفوه{[14239]} عن الذنب فلا يعاقب عليه ومغفرته له بحيث يجعله كأن لم يكن فلا يذكره أصلاً ولا يعاقب عليه ورحمته في إيصال المذنب المعفو عنه المغفور له إلى المنازل العالية أنهاهم إلى رتبة الخلافة في القيام بأمره والجهاد لأعدائه وإن جل أمرهم وأعنى حصرهم كان منبهاً على أن بداية هذه السورة هداية وخاتمتها خلافة ، فاستوفت تبيين أمر النبوة إلى حد ظهور{[14240]} الخلافة فكانت سناماً للقرآن ، وكان جماع ما في القرآن منضماً إلى معانيها إما لما صرحت{[14241]} به أو لما ألاحته وأفهمه{[14242]} إفصاح من إفصاحها كما تنضم هي مع سائر القرآن إلى{[14243]} سورة الفاتحة فتكون{[14244]} أماً للجميع - أفاد{[14245]} ذلك الأستاذ أبو الحسن الحرالي .

وقد بان بذكر المنزل{[14246]} والإيمان به والنصرة{[14247]} على الكفار بعد تفصيل أمر النفقة والمال الذي ينفق منه رد مقطعها على مطلعها وآخرها على أولها ، ومن الجوامع العظيمة في أمرها وشمول معناها المبين لعلو قدرها ما قال الحرالي إنه لما كان منزل هذا القرآن المختص بخاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين{[14248]} منزلاً حروفاً محيطة المعاني مخاطباً بها{[14249]} النبي والأئمة وتفصيل آيات{[14250]} مخاطباً به عامة الأمة انتظمت هذه السورة صنفي الخطابين{[14251]} فافتتحت بالم حروفاً منبئة{[14252]} عن إحاطة بما تضمنته معانيها من إحاطة القائم من معنى الألف وإحاطة المقام من معنى الميم وإحاطة الوصلة من معنى اللام ؛ ولما كانت الإحاطة في ثلاث رتب إحاطة إلهية قيومية وإحاطة كتابية وإحاطة تفصيلية كانت الإحاطة الخاصة بهذه الأحرف التي{[14253]} افتتحت{[14254]} بها هذه السورة إحاطة كتابية متوسطة ، فوقع الافتتاح فيما وقع عليه أمر{[14255]} القرآن في تلاوته في الأرض بالرتبة المتوسطة من حيث هي أقرب للطرفين وأيسر للاطلاع على الأعلى والقيام بالأدنى ، فكان ما كان في القرآن من{ الم تلك آيات الكتاب الحكيم{[14256]} }[ لقمان : 26 ] ونحوه تفصيل إحاطة من إحاطة الكتاب{[14257]} التي أنزلت فيها سورة البقرة ، فكانت مشتملة على إحاطات{[14258]} الكتب الأربعة : كتاب التقدير الذي كتبه الله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق الخلائق بما شاء الله من أمد و{[14259]}عدد ، ورد " أن الله كتب الكتاب وقضى القضية وعرشه على الماء " ، و " أن الله سبحانه وتعالى قدر مقادير الخلائق{[14260]} قبل أن يخلقهم بخمسين ألف عام " وأنه قدر الأرزاق قبل أن يخلق الصور بألفي عام - وكثير من ذلك مما ورد في الأخبار ؛ وفي مقابلة هذا الكتاب السابق{[14261]} بالتقدير الكتاب اللاحق بالجزاء الذي كتبه الله سبحانه وتعالى ويكتبه{[14262]} أثر تمام الإبداء{[14263]} باستبقاء{[14264]} الأعمال البادية على أيدي الخلق الذين{[14265]} ينالهم النعيم والجحيم والأمن{[14266]} والروع والكشف والحجاب ؛ وهذا الكتاب الآخر مطابق للكيان{[14267]} الأول ، ويبين{[14268]} بتطرقهما{[14269]} كتاب الأحكام المتضمن لأمر الدين والدعوة الذي وقعت فيه الهداية والفتنة ، ثم كتاب الأعمال الذي كتبه الله سبحانه وتعالى في ذوات المكلفين من أفعالهم وأحوال أنفسهم وما كتب في قلوبهم من إيمان أو طبع عليها أو ختم{[14270]} عليها بفجور أو طغيان ؛ فتطابقت الأوائل والأواخر واختلف كتاب الأحكام وكتاب الأعمال بما أبداه الله سبحانه وتعالى من وراء حجاب من معنى الهدى والفتنة والإقدام والإحجام ، فتضمنت سورة البقرة إحاطات{[14271]} جميع هذه الكتب واستوفت{[14272]} كتاب الأقدار بما في صدرها من تبيين أمر المؤمنين والكافرين والمنافقين ، وكتاب الأفعال كما ذكر{[14273]} سبحانه وتعالى أمر الختم على الكافرين والمرض في قلوب المنافقين ، وما يفصل{[14274]} في جميع السورة من أحكام الدين وما يذكر معها مما{[14275]} يناسبها من الجزاء من ابتداء الإيمان إلى غاية الإيقان الذي انتهى إليه معنى{[14276]} السورة فيما بين الحق والخلق من أمر الدين ، وفيما بين الخلق والخلق من المعاملات والمقاومات{[14277]} ، وفيما بين المرء ونفسه من الأيمان والعهود ، إلى حد ختمها بما يكون من الحق للخلق في استخلاف الخلفاء الذين{[14278]} ختم بذكرهم هذه السورة الذين قالوا : { غفرانك{[14279]} ربنا } إلى انتهائها ؛ ولما كان مقصود هذه السورة الإحاطة الكتابية كان ذلك إفصاحها ومعظم آياتها وكانت الإحاطة الإلهية{[14280]} القيومية إلاحتها ونور آياتها{[14281]} ، فكان ذلك في آية الكرسي تصريحاً وفي سائر آيها الإحة بحسب قرب الإحاطة الكتابية من الإحاطة الإلهية ، وفي بدء سابق أو ختم لاحق أو حكمة جامعة ، فلذلك{[14282]} انتظم بالسورة التي ذكرت فيها البقرة السورة التي يذكر فيها آل عمران ، لما نزل{[14283]} في سورة آل عمران{[14284]} من الإحاطة الإلهية حتى كان في مفتتحها اسم الله الأعظم ، فكان ما في البقرة إفصاحاً في سورة آل عمران إلاحة ، وكان ما في البقرة إلاحة في سورة آل عمران{[14285]} إفصاحاً ، إلا ما اطلع في كل واحدة منهما من تصريح الأخرى ؛ فلذلك{[14286]} هما سورتان مرتبطتان وغيايتان{[14287]} وغمامتان تظلان{[14288]} صاحبهما{[14289]} يوم القيامة ، و{[14290]}بما هما{[14291]} من الذكر الأول وبينهما من ظاهر التفاوت ما بين الإحاطة الكتابية وبين الإحاطة الإلهية فلذلك كانت سورة البقرة سناماً{[14292]} له{[14293]} والسنام أعلى ما في{[14294]} الحيوان المنكب وأجمله جملة وهو البعير ، وكانت سورة آل عمران تاج القرآن والتاج هو أعلى ما في المخلوقات{[14295]} من الخلق القائم المستخلف في الأرض ظاهره{[14296]} وفي جميع المكون إحاطته ؛ فوقع انتظام هاتين السورتين على نحو من انتظام الآي يتصل الإفصاح في الآية {[14297]}بإلاحة سابقتها{[14298]} كما تقدم التنبيه عليه في مواضع - انتهى .

وسر {[14299]}ترتيب سورة السنام على هذا النظام أنه لما افتتحها سبحانه وتعالى بتصنيف الناس الذين هم للدين كالقوائم الحاملة لذي السنام{[14300]} فاستوى وقام ابتداء المقصود بذكر أقرب السنام إلى أفهام أهل القيام فقال مخاطباً لجميع الأصناف التي قدمها{ يا أيها الناس اعبدوا ربكم }[ البقرة : 21 ] واستمر إلى أن بان الأمر غاية البيان فأخذ يذكر مننه سبحانه{[14301]} على الناس المأمورين{[14302]} بالعبادة بما أنعم عليهم من {[14303]}خلق جميع ما في الوجود لهم بما أكرم به أباهم آدم عليه الصلاة والسلام ، ثم خص العرب ومن تبعهم{[14304]} ببيان المنة عليهم في مجادلة بني إسرائيل وتبكيتهم ، وهو سبحانه وتعالى يؤكد كل قليل أمر الربوبية والتوحيد{[14305]} بالعبادة{[14306]} من غير ذكر شيء من الأحكام إلا ما انسلخ منه بنو إسرائيل ، فذكره على وجه الامتنان به على العرب وتبكيت بني إسرائيل بتركه{[14307]} لا على أنه مقصود بالذات ، فلما تزكوا{[14308]} فترقوا{[14309]} فتأهلوا لأنواع المعارف قال معلياً{[14310]} لهم من مصاعد الربوبية إلى معارج الإلهيةوإلهكم إله واحد لا إله إلا هو }[ البقرة : 163 ] فلما تسنموا{[14311]} هذا الشرف لقنهم{[14312]} العبادات المزكية ونقاهم أرواحها المصفية فذكر أمهات الأعمال أصولاً وفروعاً الدعائم الخمس والحظيرة وما تبع ذلك من الحدود{[14313]} في المآكل والمشارب والمناكح وغير ذلك من المصالح {[14314]}فتهيؤوا بها{[14315]} وأنها المواردات الغر{[14316]} من ذي الجلال فقال مرقياً{[14317]} لهم إلى غيب حضرته الشماء ذاكراً{[14318]} مسمى جميع الأسماء{ الله لا إله إلا هو الحي القيوم }[ البقرة : 255 ] ولما كان الواصل إلى أعلى مقام الحرية لا بد{[14319]} عند القوم من رجوعه إلى ربقة{[14320]} العبودية ذكر لهم بعض الأعمال اللائقة بهم ، فحث على أشياء أكثرها من وادي الإحسان الذي هو مقام أولي العرفان ، فذكر مثل النفقة التي هي أحد مباني السورة عقب ما ذكر مقام الطمأنينة إيذاناً بأن ذلك شأن المطمئن ، ورغب فيها إشارة إلى أنه لا مطمع في الوصول إلا بالانسلاخ من الدنيا كلها ، وأكثر من الحث على طيب المطعم الذي لا بقاء{[14321]} بحال من الأحوال بدونه ، ونهى عن الربا أشد نهي إشارة إلى التقنع بأقل الكفاف ونهياً عن مطلق{[14322]} الزيادة للخواص وعن كل حرام للعوام ، وأرشد إلى آداب الدين الموجب{[14323]} للثقة بما عند الله المقتضي بصدق التوكل المثمر للعون من الله سبحانه وتعالى والإرشاد{[14324]} إلى ذلك{[14325]} ، توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو متلبس به ؛ وبنى سبحانه وتعالى كل ثلث{[14326]} من هذه الأثلاث على مقدمة في تثبيت أمره وتوجه بخاتمة في التحذير من التهاون به ، وزاد الثالث لكونه الختام وبه بركة التمام أن أكد عليهم بعد خاتمته في الإيمان بجميع{[14327]} ما في السورة ، وختم بالإشارة إلى أن عمدة ذلك الجهاد الذي لذوي الغي والعناد ، والاعتماد فيه على مالك الملك وملك العباد ، وذلك هو طريق أهل الرشاد{[14328]} ، والهداية والسداد{[14329]} {[14330]}والله سبحانه وتعالى هو الموفق للصواب{[14331]} .

ختام السورة:

بداية هذه السورة هداية وخاتمتها خلافة ، فاستوفت تبيين أمر النبوة إلى حد ظهور الخلافة فكانت سناماً للقرآن ، وكان جماع ما في القرآن منضماً إلى معانيها إما لما صرحت به أو لما ألاحته وأفهمه إفصاح من إفصاحها كما تنضم هي مع سائر القرآن إلى سورة الفاتحة فتكون أماً للجميع - أفاد ذلك الأستاذ أبو الحسن الحرالي .

وقد بان بذكر المنزل والإيمان به والنصرة على الكفار بعد تفصيل أمر النفقة والمال الذي ينفق منه رد مقطعها على مطلعها وآخرها على أولها ، ومن الجوامع العظيمة في أمرها وشمول معناها المبين لعلو قدرها ما قال الحرالي إنه لما كان منزل هذا القرآن المختص بخاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين منزلاً حروفاً محيطة المعاني مخاطباً بها النبي والأئمة وتفصيل آيات مخاطباً به عامة الأمة انتظمت هذه السورة صنفي الخطابين فافتتحت بالم حروفاً منبئة عن إحاطة بما تضمنته معانيها من إحاطة القائم من معنى الألف وإحاطة المقام من معنى الميم وإحاطة الوصلة من معنى اللام ؛ ولما كانت الإحاطة في ثلاث رتب إحاطة إلهية قيومية وإحاطة كتابية وإحاطة تفصيلية كانت الإحاطة الخاصة بهذه الأحرف التي افتتحت بها هذه السورة إحاطة كتابية متوسطة ، فوقع الافتتاح فيما وقع عليه أمر القرآن في تلاوته في الأرض بالرتبة المتوسطة من حيث هي أقرب للطرفين وأيسر للاطلاع على الأعلى والقيام بالأدنى ، فكان ما كان في القرآن من{ الم تلك آيات الكتاب الحكيم }[ لقمان : 26 ] ونحوه تفصيل إحاطة من إحاطة الكتاب التي أنزلت فيها سورة البقرة ، فكانت مشتملة على إحاطات الكتب الأربعة : كتاب التقدير الذي كتبه الله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق الخلائق بما شاء الله من أمد وعدد ، ورد " أن الله كتب الكتاب وقضى القضية وعرشه على الماء " ، و " أن الله سبحانه وتعالى قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم بخمسين ألف عام " وأنه قدر الأرزاق قبل أن يخلق الصور بألفي عام - وكثير من ذلك مما ورد في الأخبار ؛ وفي مقابلة هذا الكتاب السابق بالتقدير الكتاب اللاحق بالجزاء الذي كتبه الله سبحانه وتعالى ويكتبه أثر تمام الإبداء باستبقاء الأعمال البادية على أيدي الخلق الذين ينالهم النعيم والجحيم والأمن والروع والكشف والحجاب ؛ وهذا الكتاب الآخر مطابق للكيان الأول ، ويبين بتطرقهما كتاب الأحكام المتضمن لأمر الدين والدعوة الذي وقعت فيه الهداية والفتنة ، ثم كتاب الأعمال الذي كتبه الله سبحانه وتعالى في ذوات المكلفين من أفعالهم وأحوال أنفسهم وما كتب في قلوبهم من إيمان أو طبع عليها أو ختم عليها بفجور أو طغيان ؛ فتطابقت الأوائل والأواخر واختلف كتاب الأحكام وكتاب الأعمال بما أبداه الله سبحانه وتعالى من وراء حجاب من معنى الهدى والفتنة والإقدام والإحجام ، فتضمنت سورة البقرة إحاطات جميع هذه الكتب واستوفت كتاب الأقدار بما في صدرها من تبيين أمر المؤمنين والكافرين والمنافقين ، وكتاب الأفعال كما ذكر سبحانه وتعالى أمر الختم على الكافرين والمرض في قلوب المنافقين ، وما يفصل في جميع السورة من أحكام الدين وما يذكر معها مما يناسبها من الجزاء من ابتداء الإيمان إلى غاية الإيقان الذي انتهى إليه معنى السورة فيما بين الحق والخلق من أمر الدين ، وفيما بين الخلق والخلق من المعاملات والمقاومات ، وفيما بين المرء ونفسه من الأيمان والعهود ، إلى حد ختمها بما يكون من الحق للخلق في استخلاف الخلفاء الذين ختم بذكرهم هذه السورة الذين قالوا : { غفرانك ربنا } إلى انتهائها ؛ ولما كان مقصود هذه السورة الإحاطة الكتابية كان ذلك إفصاحها ومعظم آياتها وكانت الإحاطة الإلهية القيومية إلاحتها ونور آياتها ، فكان ذلك في آية الكرسي تصريحاً وفي سائر آيها الإحة بحسب قرب الإحاطة الكتابية من الإحاطة الإلهية ، وفي بدء سابق أو ختم لاحق أو حكمة جامعة ، فلذلك انتظم بالسورة التي ذكرت فيها البقرة السورة التي يذكر فيها آل عمران ، لما نزل في سورة آل عمران من الإحاطة الإلهية حتى كان في مفتتحها اسم الله الأعظم ، فكان ما في البقرة إفصاحاً في سورة آل عمران إلاحة ، وكان ما في البقرة إلاحة في سورة آل عمران إفصاحاً ، إلا ما اطلع في كل واحدة منهما من تصريح الأخرى ؛ فلذلك هما سورتان مرتبطتان وغيايتان وغمامتان تظلان صاحبهما يوم القيامة ، وبما هما من الذكر الأول وبينهما من ظاهر التفاوت ما بين الإحاطة الكتابية وبين الإحاطة الإلهية فلذلك كانت سورة البقرة سناماً له والسنام أعلى ما في الحيوان المنكب وأجمله جملة وهو البعير ، وكانت سورة آل عمران تاج القرآن والتاج هو أعلى ما في المخلوقات من الخلق القائم المستخلف في الأرض ظاهره وفي جميع المكون إحاطته ؛ فوقع انتظام هاتين السورتين على نحو من انتظام الآي يتصل الإفصاح في الآية بإلاحة سابقتها كما تقدم التنبيه عليه في مواضع - انتهى .

وسر ترتيب سورة السنام على هذا النظام أنه لما افتتحها سبحانه وتعالى بتصنيف الناس الذين هم للدين كالقوائم الحاملة لذي السنام فاستوى وقام ابتداء المقصود بذكر أقرب السنام إلى أفهام أهل القيام فقال مخاطباً لجميع الأصناف التي قدمها{ يا أيها الناس اعبدوا ربكم }[ البقرة : 21 ] واستمر إلى أن بان الأمر غاية البيان فأخذ يذكر مننه سبحانه على الناس المأمورين بالعبادة بما أنعم عليهم من خلق جميع ما في الوجود لهم بما أكرم به أباهم آدم عليه الصلاة والسلام ، ثم خص العرب ومن تبعهم ببيان المنة عليهم في مجادلة بني إسرائيل وتبكيتهم ، وهو سبحانه وتعالى يؤكد كل قليل أمر الربوبية والتوحيد بالعبادة من غير ذكر شيء من الأحكام إلا ما انسلخ منه بنو إسرائيل ، فذكره على وجه الامتنان به على العرب وتبكيت بني إسرائيل بتركه لا على أنه مقصود بالذات ، فلما تزكوا فترقوا فتأهلوا لأنواع المعارف قال معلياً لهم من مصاعد الربوبية إلى معارج الإلهية وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو }[ البقرة : 163 ] فلما تسنموا هذا الشرف لقنهم العبادات المزكية ونقاهم أرواحها المصفية فذكر أمهات الأعمال أصولاً وفروعاً الدعائم الخمس والحظيرة وما تبع ذلك من الحدود في المآكل والمشارب والمناكح وغير ذلك من المصالح فتهيؤوا بها وأنها المواردات الغر من ذي الجلال فقال مرقياً لهم إلى غيب حضرته الشماء ذاكراً مسمى جميع الأسماء{ الله لا إله إلا هو الحي القيوم }[ البقرة : 255 ] ولما كان الواصل إلى أعلى مقام الحرية لا بد عند القوم من رجوعه إلى ربقة العبودية ذكر لهم بعض الأعمال اللائقة بهم ، فحث على أشياء أكثرها من وادي الإحسان الذي هو مقام أولي العرفان ، فذكر مثل النفقة التي هي أحد مباني السورة عقب ما ذكر مقام الطمأنينة إيذاناً بأن ذلك شأن المطمئن ، ورغب فيها إشارة إلى أنه لا مطمع في الوصول إلا بالانسلاخ من الدنيا كلها ، وأكثر من الحث على طيب المطعم الذي لا بقاء بحال من الأحوال بدونه ، ونهى عن الربا أشد نهي إشارة إلى التقنع بأقل الكفاف ونهياً عن مطلق الزيادة للخواص وعن كل حرام للعوام ، وأرشد إلى آداب الدين الموجب للثقة بما عند الله المقتضي بصدق التوكل المثمر للعون من الله سبحانه وتعالى والإرشاد إلى ذلك ، توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو متلبس به ؛ وبنى سبحانه وتعالى كل ثلث من هذه الأثلاث على مقدمة في تثبيت أمره وتوجه بخاتمة في التحذير من التهاون به ، وزاد الثالث لكونه الختام وبه بركة التمام أن أكد عليهم بعد خاتمته في الإيمان بجميع ما في السورة ، وختم بالإشارة إلى أن عمدة ذلك الجهاد الذي لذوي الغي والعناد ، والاعتماد فيه على مالك الملك وملك العباد ، وذلك هو طريق أهل الرشاد ، والهداية والسداد والله سبحانه وتعالى هو الموفق للصواب .


[14107]:ظاهره أنه استئناف خبر من الله تعالى أخبر به أنه لا يكلف العباد من أفعال القلوب والجوارح إلا ما هو في وسع المكلف ومقتضى إدراكه وبنيته، واتجلى بهذا أمر الخواطر الذي تأوله المسلمون في قوله "أن تبدوا" الآية، وظهر تأويل من يقول إنه لا يصح تكليف ما لا يطاق؛ وهذه الآية نظير "يريد بكم اليسر ولا يريدكم بكم العسر" "وما جعل عليكم في الدين من حرج" "فاتقوا الله ما استطعتم" ـ البحر المحيط 2/ 366.
[14108]:ليست في م.
[14109]:ليست في م.
[14110]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: يعلو ـ كذا.
[14111]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: التكلف.
[14112]:في م: تحور، وفي ظ: تحوز.
[14113]:ليس في ظ.
[14114]:في الأصل: هل، والتصحيح من م وظ.
[14115]:في ظ: ادعائهم.
[14116]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: طلب.
[14117]:زيد في الأصل: خوفا من ذلك، وفي م: من ذلك خوفا، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[14118]:في ظ: بالسواس ـ كذا.
[14119]:في ظ: من.
[14120]:وقيل: هذا من كلام الرسول والمؤمنين وأطعنا " قالوا: كيف لا نسمع ذلك ولا نطيع وهو تعالى لا يكلفنا إلا ما في وسعنا، والوسع دون المجهود في المشقة وهو ما يتسع له قدرة الإنسان ـ البحر المحيط 2/366.
[14121]:زيد في م: "أو تخفوه".
[14122]:زيد من م وظ.
[14123]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: جواب.
[14124]:ليس في م، وفي ظ "و" مكان "أو".
[14125]:ليس في م، وفي ظ "و" مكان "أو".
[14126]:من ظ، وفي الأصل: يقرب، وفي م: تقرب.
[14127]:والصحيح عند أهل اللغة أن الكسب والاكتساب واحد والقرآن ناطق بذلك، قال الله تعالى "كل نفس بما كسبت رهينة" وقال "ولا تكسب كل نفس إلا عليها" وقال "بلى من كسب سيئة وإحاطت به خطيئته" وقال "بغير ما اكتسبوا" ـ البحر المحيط 2/367.
[14128]:زيد من م وظ.
[14129]:العبارة من هنا إلى "انبساط" ليست في ظ.
[14130]:من م، وفي الأصل: الجد والنشاط.
[14131]:من م، وفي الأصل: الجد والنشاط.
[14132]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: بحسنة.
[14133]:زيد في م: له.
[14134]:من م وظ ومد ، وفي الأصل: المعنى.
[14135]:من م ، وفي الأصل: رموه، وفي ظ: فارقوه.
[14136]:من م وظ ، وفي الأصل: ولم.
[14137]:من م وظ ، وفي الأصل: رغبهم.
[14138]:من م وظ ، وفي الأصل: إذا.
[14139]:في ظ: محمول.
[14140]:في ظ: شمولا.
[14141]:من م وظ، وفي الأصل: قال.
[14142]:هذا على إضمار القول أي قولوا في دعائكم: ربنا لا تؤاخذنا، والدعاء مخ العبادة إذ الداعي يشاهد نفسه في مقام الحاجة والذلة والافتقار ويشاهد ربه بعين الاستغناء والإفضال، فلذلك ختمت هذه السورة بالدعاء والتضرع وافتتحت كل جملة منها بقولهم: ربنا، إيذانا منهم مقرون بأنهم مربوبون داخلون تحت رق العبودية والافتقار؛ ولم يأت لفظ "ربنا" في الجمل الطلبية أخيرا لأنها نتائج ما تقدم من الجمل التي دعوا فيها بربنا ـ البحر المحيط 2/367.
[14143]:ليس في ظ.
[14144]:من م وظ، وفي الأصل: فقوله.
[14145]:ليس في مز
[14146]:في الأصل: الطرف، والتصحيح من م وظ .
[14147]:من ظ، وفي الأصل وم: أن.
[14148]:في م وظ: لطيف.
[14149]:من م وظ، وفي الأصل: يعظم.
[14150]:من م وظ، وفي الأصل: في.
[14151]:في م وظ: لأنه.
[14152]:زيد في م وظ "و".
[14153]:زيد من ظ.
[14154]:قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدى وابن جريج والربيع وابن زيد: الإصر العهد والميثاق الغليظ . . . . وقال الزمخشري: العبء الذي يأصر صاحبه أي يحسبه مكانه لا يستقل به، أستعير للتكليف الشاق من نحو قتل النفس وقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب وغير ذلك ـ انتهى قال القفال: من نظر في السفر الخامس من التوراة التي بدعيها هؤلاء اليهود وقف على أخذ عليهم من غليظ العهود والمواثيق و رأي الأعاجيب الكثيرة ـ البحر المحيط 2/369..
[14155]:ليس في ظ، ولفظ "مال" سقط من م فقط.
[14156]:ليس في ظ، ولفظ "مال" سقط من م فقط.
[14157]:من م وظ، وفي الأصل: كبيرة.
[14158]:في الأصل: فصح، والتصحيح من م وظ.
[14159]:من م وظ، وفي الأصل: البهيمة.
[14160]:من م وظ، وفي الأصل: الذبح.
[14161]:زيد من م.
[14162]:العبارة المحجوزة زيدت من م وظ.
[14163]:ليس في ظ.
[14164]:ليس في م.
[14165]:من م وظ، وفي الأصل: ذوي المعاهات.
[14166]:من م وظ، وفي الأصل: النبات.
[14167]:في الأصل: النبوت ـ كذا، وليس في م وظ.
[14168]:من م وظ، وفي الأصل: مما.
[14169]:في م وظ: الثياب والجلود.
[14170]:في م وظ: الثياب والجلود.
[14171]:زيد من م وظ.
[14172]:من م وظ، وفي الأصل: لشدة بذات.
[14173]:في م: ثوبه.
[14174]:من م وظ، وفي الأصل: ثوبابه.
[14175]:ليس في م وظ.
[14176]:في م: ثوبه.
[14177]:من م وظ، وفي الأصل: لابرص.
[14178]:من م وظ، وفي الأصل: تقدم.
[14179]:من م وظ، وفي الأصل: تخرجه.
[14180]:من م وظ، وفي الأصل: الجير، وفي ظ: الخبر.
[14181]:من م وظ، وفي الأصل: كأنه.
[14182]:في الأصل: بأمر الخبريه وتقدم، والتصحيح من م وظ.
[14183]:في الأصل: بأمر الخيريه وتقدم، والتصحيح من م وظ.
[14184]:من م وظ، وفي الأصل: الارر.
[14185]:في م: عنبة.
[14186]:من م وظ، وفي الأصل: ضبعه.
[14187]:من م وظ، وفي الأصل: غير.
[14188]:في ظ: لحيته ورأسه.
[14189]:في ظ: لحيته ورأسه.
[14190]:في الأصل: خاصة، والتصحيح من م وزظ.
[14191]:زيد من م وظ.
[14192]:من م، وفي الأصل وظ: أشياء من.
[14193]:من م، وفي الأصل وظ: أشياء من.
[14194]:من م وظ، وفي الأصل: يظهر.
[14195]:من م وظ، وفي الأصل: رتب.
[14196]:زيد من م وظ، غير أن في م: يمكث ـ كذا.
[14197]:زيد من م وظ.
[14198]:من م وظ، وفي الأصل: رأي.
[14199]:من م، وفي الأصل وظ: أمدى ـ كذا.
[14200]:في الأصل: ففيه، والتصحيح من م وظ.
[14201]:زيد من ظ.
[14202]:العبارة من "ومن دنا" إلى هنا ليست في م، وأخرت في ظ عن العبارة المحجوزة التالية.
[14203]:زيد من ظ.
[14204]:زيد من م وظ.
[14205]:من م وظ، وفي الأصل: تختن.
[14206]:من ظ، وفي الأصل وم: ثلاثا.
[14207]:في ظ: تطهرها.
[14208]:زيد في م: أيام.
[14209]:زيد من م وظ.
[14210]:العبارة من "فإن ولدت" إلى هنا مكررة في ظ.
[14211]:من م وظ، وفي الأصل: الذكي.
[14212]:من ظ، وفي الأصل وم: ابنا وبنتا وولدت؛ ولفظ "وولدت" ليس في م.
[14213]:من ظ، وفي الأصل وم: ابنا وبنتا وولدت؛ ولفظ "وولدت" ليس في م.
[14214]:في ظ: حولي.
[14215]:من م وظ، وفي الأصل: ليطهر.
[14216]:زيد من م وظ.
[14217]:من م وظ، وفي الأصل: يتيسر.
[14218]:في الأصل: بيوتكم، والتصحيح من م وظ.
[14219]:من ظ، وفي الأًصل وم: تثمر.
[14220]:في الأصل: ثلاثين سنة، والتصحيح من م وظ.
[14221]:في الأصل: ثلاثين سنة، والتصحيح من م وظ.
[14222]:من م وظ، وفي الأصل: محبة.
[14223]:في ظ: تزاد ذلكم.
[14224]:في ظ: تزاد ذلكم.
[14225]:من م وظ، وفي الأصل: المساكين
[14226]:جعلنا أساس المتن نسخة ظ من هنا إلى "الخلافة فكانت سناما للقرآن" ص 187 لكون عبارة نسخة الأصل مطموسة.
[14227]:في م: أمرتكم.
[14228]:من م، وفي الأصل وظ: أي.
[14229]:في م: اليتيم.
[14230]:سورة 5 آية 47.
[14231]:ليس في م.
[14232]:زيد في م: سبحانه.
[14233]:ليس في م.
[14234]:ليس في م.
[14235]:قال الراغب: العفو إزالة الذنب بترك عقوبته، والغفران ستر الذنب وإظهار الإحسان بدله، فكـأنه جمع بين تغطية ذنبه وكشف الإحسان الذي غطى به، والرحمة إفاضة الإحسان إليه؛ فالثاني أبلغ من الأول والثالث أبلغ من الثاني؛ انتهى ـ البحر المحيط 2/370.
[14236]:سورة 11 آية 43.
[14237]:أدخل الفاء إيذانا بالسببية لأن كونه تعالى مولاهم ومالك تدبيريهم وأمرهم ينشأ عن ذلك النصرة لهم على أعدائهم، كما تقول: أنت الشجاع فقاتل، وأنت الكريم فجد علي؛ أي أظهرنا عليهم بما تحدث في قلوبنا من الجرأة والقوة وفي قلوبهم من الخور والجبن ـ البحر المحيط 2/370.
[14238]:في م: الاحوج.
[14239]:ليس في م.
[14240]:إلى هنا انتهت العبارة المطموسة من الأصل فابتدىء به تأسيسا للمتن.
[14241]:من م وظ، وفي الأصل: صرت ـ كذا.
[14242]:من م وظ، وفي الأصل: فهمه.
[14243]:من م وظ، وفي الأصل: في.
[14244]:من م وظ، وفي الأصل: فيكون.
[14245]:من م وظ، وفي الأصل: فأفاد.
[14246]:في الأصل: أو بمنزل، والتصحيح من م وظ.
[14247]:في ظ: النصر.
[14248]:ليست في م وظ.
[14249]:من ظ، وفي الأصل وم: به.
[14250]:زيد من م وظ.
[14251]:في الأصل: بخطابين، والتصحيح من م وظ.
[14252]:من م وظ، وفي الأصل: مبنية.
[14253]:زيد من م وظ.
[14254]:من م وظ، وفي الأصل: انفتحت.
[14255]:من م وظ، وفي الأصل: أمر.
[14256]:سورة 31 آية 1 و 2.
[14257]:زيد من م وظ.
[14258]:في م: إحاطة.
[14259]:زيد من م وظ.
[14260]:من م وظ، وفي الأصل: الخلق.
[14261]:زيد في الأصل "لف" ولم تكن الزيادة في م وظ فحذفناها.
[14262]:من م وظ، وفي الأصل: ركبه.
[14263]:من م وظ، وفي الأصل: الأبد.
[14264]:في م: باستيفاء.
[14265]:من م وظ، وفي الأصل: الذي.
[14266]:في الأصل: الأمر، والتصحيح من م وظ.
[14267]:من م وظ، وفي الأصل: للكتاب.
[14268]:في م وظ: بين.
[14269]:في ظ: تطرقهما، وفي م: تطرفهما.
[14270]:من م وظ، وفي الأصل: اختم.
[14271]:في م: أحاطت.
[14272]:في م وظ: فاستوفت.
[14273]:من م وظ، وفي الأصل: ذكره.
[14274]:في م وظ: تفصل.
[14275]:ليس في ظ.
[14276]:في م: أمر.
[14277]:في م وظ: المعاونات.
[14278]:من م وظ، وفي الأصل: الذي.
[14279]:زيد من م، وزيد من ظ: غفرتك.
[14280]:من م وظ، وفي الأصل: الكتابية.
[14281]:في م: آياتيها ـ كذا.
[14282]:ليس في ظ.
[14283]:في م وظ: أنزل.
[14284]:ليست في م، وفي الأصل: مفتحها ـ مكان: مفتتتحها، والتصحيح من ظ.
[14285]:ليست في م، وفي الأصل: مفتحها ـ مكان: مفتتتحها، والتصحيح من ظ.
[14286]:من ظ وفي الأصل وم: فكذلك.
[14287]:في الأصل وظ: غيايتان، وفي م: غايتان ـ كذا، راجع مسند الإمام أحمد 4/ 183.
[14288]:من م وظ، وفي الأصل: يظلان.
[14289]:من م وظ، وفي الأصل: صاحبها.
[14290]:من م وظ، وفي الأصل: سماهما.
[14291]:من م وظ، وفي الأصل: سماهما.
[14292]:من م وظ، وفي الأصل: هناما ـ كذا.
[14293]:من م وظ، وفي الأصل: لها ؛ وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل 5 / 26: البقرة سنام القرآن وذوته.
[14294]:زيد في الأصل "أعلى" ولم تكن الزيادة في م وظ فحذفناها.
[14295]:زيد في ظ: من المخلوقات.
[14296]:سقط من م.
[14297]:من م وظ، وفي الأصل: بالإحاطة ما بينهما.
[14298]:من م وظ، وفي الأصل: بالإحاطة ما بينهما.
[14299]:في م: من.
[14300]:في الأصل: الاسنام، والتصحيح من م وظ.
[14301]:زيد من م وظ.
[14302]:من ظ، وفي م: المارين، وفي الأصل: المأمور.
[14303]:العبارة من هنا إلى "المنة عليهم" ليست في م.
[14304]:من ظ ، وفي الأصل: لبيان.
[14305]:في ظ: التوحد.
[14306]:من م وظ، وفي الأصل: بالعباد.
[14307]:في م: بتركهم.
[14308]:في الأصل: نزلوا، وفي ظ: تركوا، والتصحيح من م.
[14309]:من ظ، وفي م: افترقوا، وفي الأًصل: فتفرقوا.
[14310]:من م وظ، وفي الأصل: معلما ـ كذا.
[14311]:في الأًصل: لسموا، والتصحيح من م وظ.
[14312]:من ظ، وفي الأًصل: لقسهم، وفي م: لقتهم.
[14313]:زيد في الأصل "فقال مرقيا لهم" ولم تكن الزيادة في م وظ فحذفناها من هنا وستأتي.
[14314]:من م وظ، وفي الأصل: فيها.
[14315]:من م وظ، وفي الأصل: فيها.
[14316]:من ظ، وفي م: الفر، وفي الأصل: العز.
[14317]:من ظ، وفي الأصل وم: مرهبا ـ كذا.
[14318]:زيد من م وظ.
[14319]:ليس في م.
[14320]:من ظ، وفي الأصل: رتبة، وفي م: ربعة.
[14321]:من م وظ، وفي الأصل: لا يقال.
[14322]:في م: مطلوب.
[14323]:في م: الواجب.
[14324]:في م وظ: الإشارة.
[14325]:من م وظ، وفي الأصل: الله.
[14326]:في الأصل: ثلاث، والتصحيح من م وظ.
[14327]:من ظ، وفي الأصل وم: في جميع.
[14328]:من م وظ، وفي الأصل: الإرشاد.
[14329]:زيد من م وظ.
[14330]:ليست في ظ، ولفظ "سبحانه وتعالى هو" ليس في م؛ وزيد بعدها في م: تم هذا الجزء المبارك بحمد الله وعونه وحسن توفيقه على يد كاتبه العبد الفقير إلى الله تعالى المعترف بالعجز والتقصير محمد بن حسين بن حسين الشهير بالأزهري غفر الله له ولوالديه ولمن طالع فيه أو نظر إليه من غير مطالعة ودعا له ولوالديه بالمغفرة والرحمة ولجميع المسلمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ـ آمين.
[14331]:ليست في ظ، ولفظ "سبحانه وتعالى هو" ليس في م؛ وزيد بعدها في م: تم هذا الجزء المبارك بحمد الله وعونه وحسن توفيقه على يد كاتبه العبد الفقير إلى الله تعالى المعترف بالعجز والتقصير محمد بن حسين بن حسين الشهير بالأزهري غفر الله له ولوالديه ولمن طالع فيه أو نظر إليه من غير مطالعة ودعا له ولوالديه بالمغفرة والرحمة ولجميع المسلمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ـ آمين.