الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (25)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

أما قوله تعالى:"وَبَشّرْ" فإنه يعني: أخبرهم. والبشارة أصلها: الخبر بما يسر المخبر به، إذا كان سابقا به كل مخبر سواه. وهذا أمر من الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بإبلاغ بشارته خلقه الذين آمنوا به وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبماء جاء به من عند ربه، وصدقوا إيمانهم ذلك وإقرارهم بأعمالهم الصالحة، فقال له: يا محمد بَشّرْ من صدقك أنك رسولي وأن ما جئت به من الهدى والنور فمن عندي، وحقق تصديقه ذلك قولاً بأداء الصالح من الأعمال التي افترضتها عليه وأوجبتها في كتابي على لسانك عليه، أن له جنات تجري من تحتها الأنهار خاصة، دون من كذّب بك وأنكر ما جئت به من الهدى من عندي وعاندك، ودون من أظهر تصديقك وأقرّ بأن ما جئته به فمن عندي قولاً، وجحده اعتقادا ولم يحققه عملاً. فإن لأولئك النار التي وقودها الناس والحجارة معدة عندي.

والجنات جمع جنة، والجنة: البستان. وإنما عنى جل ذكر بذكر الجنة ما في الجنة من أشجارها وثمارها وغروسها دون أرضها، فلذلك قال عزّ ذكره: "تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ "لأنه معلوم أنه إنما أرَادَ جل ثناؤه الخبر عن ماء أنهارها أنه جار تحت أشجارها وغروسها وثمارها، لا أنه جار تحت أرضها لأن الماء إذا كان جاريا تحت الأرض، فلا حظّ فيها لعيون من فوقها إلا بكشف الساتر بينها وبينه...

على أن الذي توصف به أنهار الجنة أنها جارية في غير أخاديد... عن مسروق، قال: نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال القِلال، كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وماؤها يجري في غير أخدود...

فإذا كان الأمر كذلك في أن أنهارها جارية في غير أخاديد، فلا شك أن الذي أريد بالجنات أشجار الجنات وغروسها وثمارها دون أرضها، إذ كانت أنهارها تجري فوق أرضها وتحت غروسها وأشجارها، على ما ذكره مسروق. وذلك أولى بصفة الجنة من أن تكون أنهارها جارية تحت أرضها. وإنما رغب الله جل ثناؤه بهذه الآية عباده في الإيمان وحضهم على عبادته، بما أخبرهم أنه أعدّه لأهل طاعته والإيمان به عنده، كما حذرهم في الآية التي قبلها بما أخبر من إعداده ما أعدّ لأهل الكفر به الجاعلين معه الاَلهة والأنداد من عقابه عن إشراك غيره معه، والتعرّض لعقوبته بركوب معصيته وترك طاعته...

"كُلمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقا قالُوا هَذَا الّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وأتُوا بِهِ مُتَشَابِها ": كُلّما رُزِقُوا مِنْهَا من الجنات، والهاء راجعة على «الجنات»، وإنما المعنيّ أشجارها، فكأنه قال: كلما رزقوا من أشجار البساتين التي أعدّها الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات في جناته من ثمرة من ثمارها رزقا قالوا: هذا الذي رُزِقْنا من قبل...

ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: "هَذَا الّذِي رزِقْنا مِنْ قَبْلُ"

فقال بعضهم: تأويل ذلك: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا.

وقال آخرون: بل تأويل ذلك: هذا الذي رزقنا من ثمار الجنة من قبل هذا، لشدة مشابهة بعض ذلك في اللون والطعم بعضا. ومن علة قائلي هذا القول أن ثمار الجنة كلما نزع منها شيء عاد مكانه آخر مثله. قالوا: فإنما اشتبهت عند أهل الجنة، لأن التي عادت نظيرة التي نزعت فأكلت في كل معانيها. قالوا: ولذلك قال الله جل ثناؤه: وأتُوا بِهِ مُتَشابِها لاشتباه جميعه في كل معانيه

وقال بعضهم: بل قالوا: هَذَا الّذِي رزِقْنا مِنْ قَبْلُ لمشابهته الذي قبله في اللون وإن خالفه في الطعم.

والذي يدل على صحته ظاهر الآية ويحقق صحته، قول القائلين إن معنى ذلك: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا. وذلك أن الله جل ثناؤه قال: "كُلّما رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقا" فأخبر جل ثناؤه أن من قيل أهل الجنة كلما رزقوا من ثمر الجنة رزقا أن يقولوا: "هذا الذي رُزقنا من قبل". ولم يخصص بأن ذلك من قيلهم في بعض ذلك دون بعض. فإذْ كان قد أخبر جل ذكره عنهم أن ذلك من قيلهم في كل ما رزقوا من ثمرها، فلا شك أن ذلك من قيلهم في أول رزق رزقوه من ثمارها أتوا به بعد دخولهم الجنة واستقرارهم فيها، الذي لم يتقدمه عندهم من ثمارها ثمرة. فإذْ كان لا شك أن ذلك من قيلهم في أوله، كما هو من قيلهم في وسطه وما يتلوه، فمعلوم أنه محال أن يكون من قيلهم لأوّل رزق رزقوه من ثمار الجنة: هَذَا الّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ هذا من ثمار الجنة. وكيف يجوز أن يقولوا لأوّل رزق رزقوه من ثمارها ولما يتقدمه عندهم غيره...

"وأتُوا بِهِ مُتَشابِها": والهاء في قوله: "وأتُوا بِهِ مُتَشابِها" عائدة على الرزق، فتأويله: وأُتوا بالذي رزقوا من ثمارها متشابها.

وقد اختلف أهل التأويل في تأويل المتشابه في ذلك:

فقال بعضهم: تشابهه أن كله خيار لا رذل فيه.

وقال بعضهم: تشابهه في اللون وهو مختلف في الطعم. وقال بعضهم: تشابه في اللون والطعم وقال بعضهم: تشابهه تشابه ثمر الجنة وثمر الدنيا في اللون وإن اختلف طعومهما... يشبه ثمر الدنيا غير أن ثمر الجنة أطيب... وقال بعضهم: لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا الأسماء.

وأولى هذه التأويلات بتأويل الآية، تأويل من قال: وأُوتُوا بِهِ مُتَشابِها في اللون والمنظر، والطعمُ مختلفٌ. يعني بذلك اشتباه ثمر الجنة وثمر الدنيا في المنظر واللون، مختلفا في الطعم والذوق لما قدمنا من العلة في تأويل قوله: "كُلما رُزِقُوا مِنْعها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقا قالُوا هَذَا الّذِي رِزِقنا مِنْ قَبْلُ" وأن معناه: كلما رزقوا من الجنان من ثمرة من ثمارها رزقا قالُوا: هَذَا الّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْل هذا في الدنيا. فأخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوا ذلك من أجل أنهم أُتوا بما أتوا به من ذلك في الجنة متشابها، يعني بذلك تشابه ما أتوا به في الجنة منه والذي كانوا رزقوه في الدنيا في اللون والمرأى والمنظر وإن اختلفا في الطعم والذوق فتباينا، فلم يكن لشيء مما في الجنة من ذلك نظير في الدنيا...

"وَلَهُمْ فِيهَا أزْواجٌ مُطَهّرَةٌ": والهاء والميم اللتان في «لهم» عائدتان على الذين آمنوا وعملوا الصالحات، والهاء والألف اللتان في «فيها» عائدتان على الجنات. وتأويل ذلك: وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات فيها أزواج مطهرة. والأزواج جمع زوج، وهي امرأة الرجل، يقال: فلانة زوج فلان وزوجته.

وأما قوله: "مُطَهّرَةٌ" فإن تأويله أنهن طهرن من كل أذى وقَذًى وريبة، مما يكون في نساء أهل الدنيا من الحيض والنفاس والغائط والبول والمخاط والبصاق والمنيّ، وما أشبه ذلك من الأذى والأدناس والريب والمكاره...

عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أما أزْوَاجٌ مُطَهّرَةٌ فإنهن لا يحضن ولا يحدثن ولا يتنخمن...

[و] عن ابن عباس قوله: "أزْوَاجٌ مُطَهّرَةٌ" يقول: مطهرة من القذر والأذى...

"وَهُمْ فيها خالدُونَ": والذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنات خالدون، فالهاء والميم من قوله وَهُمْ عائدة على الذين آمنوا وعملوا الصالحات، والهاء والألف في «فيها» على الجنات، وخلودهم فيها: دوام بقائهم فيها على ما أعطاهم الله فيها من الحَبْرَة والنعيم المقيم...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

من عادته عز وجل في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب، ويشفع البشارة بالإنذار إرادة التنشيط، لاكتساب ما يزلف، والتثبيط عن اقتراف ما يتلف. فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب، قفاه ببشارة عباده الذين جمعوا بين التصديق والأعمال الصالحة من فعل الطاعات وترك المعاصي، وحموها من الإحباط بالكفر والكبائر بالثواب...

فإن قلت: من المأمور بقوله تعالى: {وَبَشِّرِ}؟ قلت: يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون كل أحد. كما قال عليه الصلاة والسلام:"بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة" لم يأمر بذلك واحداً بعينه. وإنما كل أحد مأمور به، وهذا الوجه أحسن وأجزل؛ لأنه يؤذن بأن الأمر لعظمه وفخامة شأنه محقوق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به.

والبشارة: الإخبار مما يظهر سرور المخبر به. ومن ثم قال العلماء: إذا قال لعبيده: أيكم بشرني بقدوم فلان فهو حرّ، فبشروه فرادى، عتق أوّلهم، لأنه هو الذي أظهر سروره بخبره دون الباقين. ولو قال مكان «بشرني» أخبرني «عتقوا جميعاً، لأنهم جميعاً أخبروه. ومنه: البشرة لظاهر الجلد. وتباشير الصبح: ما ظهر من أوائل ضوئه. وأما {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21] فمن العكس في الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد في غيظ المستهزَأ به وتألمه واغتمامه.

فإن قلت: ما معنى جمع الجنة وتنكيرها؟ قلت: الجنة اسم لدار الثواب كلها، وهي مشتملة على جنان كثيرة مرتبة مراتب على حسب استحقاقات العاملين، لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنان.

فإن قلت: كيف صورة جري الأنهار من تحتها؟ قلت: كما ترى الأشجار النابتة على شواطئ الأنهار الجارية. وعن مسروق: أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود. وأنزه البساتين وأكرمها منظراً ما كانت أشجاره مظللة، والأنهار في خلالها مطردة. ولولا أن الماء الجاري من النعمة العظمى واللذة الكبرى، وأن الجنان والرياض وإن كانت آنق شيء وأحسنه لا تروق النواظر ولا تبهج الأنفس ولا تجلب الأريحية والنشاط حتى يجري فيها الماء، وإلا كان الأنس الأعظم فائتاً، والسرور الأوفر مفقوداً، وكانت كتماثيل لا أرواح فيها، وصور لا حياة لها، لما جاء الله تعالى بذكر الجنات مشفوعاً بذكر الأنهار الجارية من تحتها مسوقين على قرن واحد كالشيئين لا بد لأحدهما من صاحبه، ولما قدّمه على سائر نعوتها. والنهر: المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر. يقال لبردى: نهر دمشق، وللنيل: نهر مصر. واللغة العالية «النهَر» بفتح الهاء.

فإن قلت: لأي غرض يتشابه ثمر الدنيا وثمر الجنة، وما بال ثمر الجنة لم يكن أجناساً أخر؟ قلت: لأنّ الإنسان بالمألوف آنس، وإلى المعهود أميل، وإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه وعافته نفسه، ولأنه إذا ظفر بشيء من جنس ما سلف له به عهد وتقدّم معه ألف، ورأى فيه مزية ظاهرة، وفضيلة بينة، وتفاوتاً بينه وبين ما عهد بليغاً، أفرط ابتهاجه واغتباطه، وطال استعجابه واستغرابه، وتبين كنه النعمة فيه، وتحقق مقدار الغبطة به. ولو كان جنساً لم يعهده وإن كان فائقاً، حسب أنّ ذلك الجنس لا يكون إلا كذلك، فلا يتبين موقع النعمة حق التبين. فحين أبصروا الرمانة من رمان الدنيا ومبلغها في الحجم، وأن الكبرى لا تفضل عن حدّ البطيخة الصغيرة، ثم يبصرون رمّانة الجنة تشبع السكن. والنبقة من نبق الدنيا في حجم الفلكة، ثم يرون نبق الجنة كقلال هجر، كما رأوا ظل الشجرة من شجر الدنيا وقدر امتداده، ثم يرون الشجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعه، كان ذلك أبين للفضل، وأظهر للمزية، وأجلب للسرور، وأزيد في التعجب من أن يفاجئوا ذلك الرمان وذلك النبق من غير عهد سابق بجنسهما. وترديدهم هذا القول ونطقهم به عند كل ثمرة يرزقونها، دليل على تناهي الأمر وتمادي الحال في ظهور المزية وتمام الفضيلة، وعلى أنّ ذلك التفاوت العظيم هو الذي يستملي تعجبهم، ويستدعي تبجحهم في كل أوان...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{جنات} جمع جنة، وهي بستان الشجر والنخيل... وسميت جنة لأنها تجن من دخلها أي تستره، ومنه المجن والجنن، وجن الليل.

"وأتُوا بِهِ مُتَشابِها": قال ابن عباس: «ليس في الجنة شيء مما في الدنيا سوى الأسماء، وأما الذوات فمتباينة»...

وقال بعض المفسرين: «المعنى هذا الذي وعدنا به في الدنيا فكأنهم قد رزقوه في الدنيا إذ وعد الله منتجز».

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

أما قوله {ولهم فيها أزواج مطهرة} فالمراد طهارة أبدانهن من الحيض والاستحاضة وجميع الأقذار وطهارة أزواجهن من جميع الخصال الذميمة، ولاسيما ما يختص بالنساء، وإنما حملنا اللفظ على الكل لاشتراك القسمين في قدر مشترك.

قال أهل الإشارة. وهذا يدل على أنه لابد من التنبه لمسائل.

أحدها: أن المرأة إذا حاضت فالله تعالى منعك عن مباشرتها قال الله تعالى {قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} فإذا منعك عن مقاربتها لما عليها من النجاسة التي هي معذورة فيها، فإذا كانت الأزواج اللواتي في الجنة مطهرات فلأن يمنعك عنهن حال كونك ملوثا بنجاسات المعاصي مع أنك غير معذور فيها كان أولى.

وثانيها: أن من قضى شهوته من الحلال فإنه يمنع الدخول في المسجد الذي يدخل فيه كل بر وفاجر، فمن قضى شهوته من الحرام كيف يمكن من دخول الجنة التي لا يسكنها إلا المطهرون ولذلك فإن آدم لما أتى بالزلة أخرج منها.

وثالثها: من كان على ثوبه ذرة من النجاسة لا تصح صلاته عند الشافعي رضي الله عنه، فمن كان على قلبه من نجاسات المعاصي أعظم من الدنيا كيف تقبل صلاته...

التفسير القيم لابن القيم 751 هـ :

فتأمل جلالة المبشر ومنزلته وصدقه، وعظمته وعظمة من أرسله إليك بهذه البشارة، وقدر ما بشرك به، وضمنه لك، على أسهل شيء عليك وأيسره، وجمع سبحانه في هذه البشارة بين نعيم البدن بالجنات، وما فيها من الأنهار والثمار، ونعيم النفس بالأزواج المطهرة، ونعيم القلب وقرة العين بمعرفة دوام هذا العيش أبد الآباد، وعدم انقطاعه...

والأزواج: جمع «زوج». والمرأة زوج للرجل، وهو زوجها هذا هو الأفصح وهو لغة قريش. وبها نزل القرآن كقوله: {اسكن أنت وزوجك الجنة} [البقرة: 35] ومن العرب من يقول: زوجة، وهو نادر، لا يكادون يقولونه.

وأما «المطهرة»: فإن جرت صفة على الواحد، فيجرى صفة على جمع التكثير إجراء له مجرى جماعة، كقوله تعالى: {مساكن طيبة} [الصف: 12] وقولهم: وقوًى ظاهرة، ونظائره. و«المطهرة»: من طهرت من الحيض والبول والنفاس والغائط والمخاط والبصاق وكل قذر، وكل أذى يكون من نساء الدنيا، فظهر مع ذلك باطنها من الأخلاق السيئة، والصفات المذمومة، وطهر لسانها من الفحش والبذاء، وطهر طرفها من أن تطمح به إلى غير زوجها، وطهرت أثوابها من أن يعرض لها دنس أو وسخ.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

لما ذكر تعالى ما أعده لأعدائه من الأشقياء الكافرين به وبرسله من العذاب والنكال، عَطف بذكر حال أوليائه من السعداء المؤمنين به وبرسله، الذين صَدَّقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة، وهذا معنى تسمية القرآن "مثاني "على أصح أقوال العلماء... وحاصله ذكر الشيء ومقابله. وأما ذكر الشيء ونظيره فذاك التشابه... فلهذا قال تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ} فوصفها بأنها تجري من تحتها الأنهار، كما وصف النار بأن وقودها الناس والحجارة، ومعنى {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ} أي: من تحت أشجارها وغرفها، وقد جاء في الحديث: أن أنهارها تجري من غير أخدود، وجاء في الكوثر أن حافتيه قباب اللؤلؤ المجوف، ولا منافاة بينهما، وطينها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والجوهر، نسأل الله من فضله [وكرمه] إنه هو البر الرحيم...

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

واعلم أن معظمَ اللذاتِ الحسية لما كان مقصوراً على المساكن والمطاعم والمناكِح حسبما يقضي به الاستقراءُ، وكان ملاك جميع ذلك الدوامَ والثباتَ، إذ كلُّ نعمة وإن جلت حيث كانت في شرف الزوال ومعرِضِ الاضمحلال فإنها منغِّصةٌ غيرُ صافيةٍ من شوائب الألم، بَشَّر المؤمنين بها وبدوامها تكميلاً للبهجة والسرور، اللهم وفقنا لمراضيك، وثبتنا على ما يؤدي إليها من العقْد والعمل...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

{الَّذِينَ آمَنُوا} بقلوبهم {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} بجوارحهم، فصدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة.

ووصفت أعمال الخير بالصالحات، لأن بها تصلح أحوال العبد، وأمور دينه ودنياه، وحياته الدنيوية والأخروية، ويزول بها عنه فساد الأحوال، فيكون بذلك من الصالحين، الذين يصلحون لمجاورة الرحمن في جنته.

فبشرهم {أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ} أي: بساتين جامعة من الأشجار العجيبة، والثمار الأنيقة، والظل المديد، [والأغصان والأفنان وبذلك] صارت جنة يجتن بها داخلها، وينعم فيها ساكنها.

{تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} أي: أنهار الماء، واللبن، والعسل، والخمر، يفجرونها كيف شاءوا، ويصرفونها أين أرادوا، وتشرب منها تلك الأشجار فتنبت أصناف الثمار.

{كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} أي: هذا من جنسه، وعلى وصفه، كلها متشابهة في الحسن واللذة، ليس فيها ثمرة خاصة، وليس لهم وقت خال من اللذة، فهم دائما متلذذون بأكلها...

ثم لما ذكر مسكنهم، وأقواتهم من الطعام والشراب وفواكههم، ذكر أزواجهم، فوصفهن بأكمل وصف وأوجزه، وأوضحه فقال: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} فلم يقل "مطهرة من العيب الفلاني "ليشمل جميع أنواع التطهير، فهن مطهرات الأخلاق، مطهرات الخلق، مطهرات اللسان، مطهرات الأبصار، فأخلاقهن، أنهن عرب متحببات إلى أزواجهن بالخلق الحسن، وحسن التبعل، والأدب القولي والفعلي، ومطهر خلقهن من الحيض والنفاس والمني، والبول والغائط، والمخاط والبصاق، والرائحة الكريهة، ومطهرات الخلق أيضا، بكمال الجمال، فليس فيهن عيب، ولا دمامة خلق، بل هن خيرات حسان، مطهرات اللسان والطرف، قاصرات طرفهن على أزواجهن، وقاصرات ألسنتهن عن كل كلام قبيح.

ففي هذه الآية الكريمة، ذكر المبشِّر والمبشَّر، والمبشَّرُ به، والسبب الموصل لهذه البشارة، فالمبشِّر: هو الرسول صلى الله عليه وسلم ومن قام مقامه من أمته، والمبشَّر: هم المؤمنون العاملون الصالحات، والمبشَّر به: هي الجنات الموصوفات بتلك الصفات، والسبب الموصل لذلك، هو الإيمان والعمل الصالح، فلا سبيل إلى الوصول إلى هذه البشارة، إلا بهما، وهذا أعظم بشارة حاصلة، على يد أفضل الخلق، بأفضل الأسباب.

وفيه استحباب بشارة المؤمنين، وتنشيطهم على الأعمال بذكر جزائها [وثمراتها]، فإنها بذلك تخف وتسهل، وأعظم بشرى حاصلة للإنسان، توفيقه للإيمان والعمل الصالح، فذلك أول البشارة وأصلها، ومن بعده البشرى عند الموت، ومن بعده الوصول إلى هذا النعيم المقيم، نسأل الله أن يجعلنا منهم.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وهي ألوان من النعيم يستوقف النظر منها -إلى جانب الأزواج المطهرة- تلك الثمار المتشابهة، التي يخيل إليهم أنهم رزقوها من قبل -أما ثمار الدنيا التي تشبهها بالاسم أو الشكل، وأما ثمار الجنة التي رزقوها من قبل- فربما كان في هذا التشابه الظاهري والتنوع الداخلي مزية المفاجأة في كل مرة.. وهي ترسم جوا من الدعابة الحلوة، والرضى السابغ، والتفكه الجميل، بتقديم المفاجأة بعد المفاجأة، وفي كل مرة ينكشف التشابه الظاهري عن شيء جديد!

وهذا التشابه في الشكل، والتنوع في المزية، سمة واضحة في صنعة البارئ تعالى، تجعل الوجود أكبر في حقيقته من مظهره. ولنأخذ الإنسان وحده نموذجا كاشفا لهذه الحقيقة الكبيرة.. الناس كلهم ناس، من ناحية قاعدة التكوين: رأس وجسم وأطراف. لحم ودم وعظام وأعصاب. عينان وأذنان وفم ولسان. خلايا حية من نوع الخلايا الحية. تركيب متشابه في الشكل والمادة.. ولكن أين غاية المدى في السمات والشيات؟ ثم أين غاية المدى في الطباع والاستعدادات؟ إن فارق ما بين إنسان وإنسان -على هذا التشابه- ليبلغ أحيانا أبعد مما بين الأرض والسماء!

وهكذا يبدو التنوع في صنعة البارئ هائلا يدير الرؤوس: التنوع في الأنواع والأجناس، والتنوع في الأشكال والسمات، والتنوع في المزايا والصفات.. وكله.. كله مرده إلى الخلية الواحدة المتشابهة التكوين والتركيب.

فمن ذا الذي لا يعبد الله وحده، وهذه آثار صنعته، وآيات قدرته؟ ومن ذا الذي يجعل لله اندادا، ويد الإعجاز واضحة الآثار، فيما تراه الأبصار، وفيما لا تدركه الأبصار؟

جواهر التفسير للخليلي 2001 هـ :

والظاهر أن المراد بالأزواج هنا ما يعم النوعين لكمال أنس المؤمنين بهما معا، ولتبرئة الله سبحانه الصالحات من نساء الدنيا في الجنة من كل العيوب الجسدية والنفسية، وذلك تطهير لهن مما كن متلوثات به في الدنيا.

وأما اللاتي ينشأن هناك فتنشئتهن من أول الأمر مطبوعة طبع السلامة من هذه العيوب، وجاءت أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان أحوال نساء الجنة منها الصحيح ومنها الحسن، ومنها دون ذلك، وهي صريحة في أن الاتصال بين الزوجين يتم يوم القيامة على نحو ما يكون في الدنيا، وإن كان أكمل في اللذة وأبعد من الأذى... والحق أن الحكمة في ذلك معروفة، وهي لذة الاتصال بين الجنسين كما صرحت به الأحاديث النبوية، وأومت إليه الآيات القرآنية،

والإِنسان يوم القيامة لا يتحول عن إنسانيته، وقد وفر الله لعباده المؤمنين في دار كرامته جميع ما تتوق إليه أنفسهم في الدنيا من متع الحياة ونعيمها، فما يؤتونه في الدنيا إنما هو بقدر هذه الحياة المحدودة، وبقدر طبيعتها المقيدة التي تختلف تمام الاختلاف عن طبيعة الحياة الأخروية المطلقة، فالفارق بين لذات الدارين كالفارق بين البقاء فيهما...

وبما أن النعمة وإن كملت، واللذة وإن تناهت -إن لم يأمن صاحبهما زوالهما كان ذلك من أشد المنغصات عليه- جيء هنا بما يستأصل هذا الخوف وهو إثبات خلودهم في الجنة ونعيمها، فالحياة الأخروية لا انقطاع لها، ولا يكدر أمنها خوف، ولا يهدد شبابها هرم، ولا صحتها سقم، ولا غناها فقر، ولا نعيمها بؤس، والخلد يطلق على المكث الدائم الذي لا ينقطع...

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (25)

{ وبشر } يحتمل أن تكون خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم ، أو خطابا لكل أحد ورجح الزمخشري هذا لأنه أفخم .

{ الذين آمنوا وعملوا الصالحات } دليل على أن الإيمان خلاف العمل لعطفه عليه خلافا لمن قال : الإيمان اعتقاد ، وقول ، وعمل ، وفيه دليل على أن السعادة بالإيمان مع الأعمال خلافا للمرجئة .

{ تجري من تحتها الأنهار } أي : تحت أشجارها وتحت مبانيها ، وهي أنهار الماء واللبن والخمر والعسل وهكذا تفسيره وقع ، وروي أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود .

{ منها من ثمرة رزقا } من الأولى للغاية أو للتبعيض أو لبيان الجنس ومن الثانية لبيان الجنس .

{ من قبل } أي : في الدنيا بدليل قولهم :{ إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين }[ الطور : 26 ] في الدنيا فإن ثمر الجنة أجناس ثمر الدنيا وإن كانت خيرا منها في المطعم والمنظر .

{ وأتوا به متشابها } أي : يشبه ثمر الدنيا في جنسه ، وقيل : يشبه بعضه بعضا في المنظر ويختلف في المطعم ، والضمير المجرور يعود على المرزوق الذي يدل عليه المعنى :

{ مطهرة } من الحيض وأقذار النساء وسائر الأقذار التي تختص بالنساء كالبول وغيره ، ويحتمل أن يريد طهارة الطيب وطيب الأخلاق .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (25)

ولما ذكر ما{[1277]} لهم ترهيباً اتبعه ما للمؤمنين ترغيباً فقال صارفاً وجه الخطاب بالرحمة إلى نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم عاطفاً على ما تقديره : فأنذرهم بذلك ، ولكنه طواه لأن السياق للاستعطاف{[1278]} { وبشر } والبشرى قال الحرالي إظهار غيب{[1279]} المسرة بالقول : { الذين آمنوا } أي صدقوا الرسل { وعملوا } قال الحرالي : من العمل وهو فعل بُني على علم{[1280]} أو زعمه { الصالحات } من الأقوال والأفعال ، قال الحرالي : جمع صالحة ، وهو العمل المتحفظ به من مداخل الخلل فيه ، وإذا كانت البشرى لهؤلاء{[1281]} فالمؤمنون أحق بما فوق البشرى ، وإنما يبشر من يكون على خطر ، والمؤمن مطمئن فكيف بما فوق ذلك من رتبة الإحسان إلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، وما لا يناله{[1282]} علم نفس ولا خطر على قلب بشر .

ولما ذكر المبشر اتبعه المبشر{[1283]} به فقال{[1284]} : { أن لهم جنّات } أي متعددة ، قال الحرالي : لتعدد رتب أفعالهم التي يطابق الجزاء ترتبها وتعددها [ كما-{[1285]} ] قال عليه الصلاة والسلام للتي{[1286]} سألت عن ابنها : " إنها جنان وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى " وفي التعبير بلهم إشعار بأن{[1287]} ذلك الذي لهم ينبغي لحاقه{[1288]} بذواتهم ليحصل به من كمال أمرهم وصلاح حالهم نحو مما يحصل بكمال خلقهم وتسويتهم . والجنات{[1289]} مبتهجات للنفوس تجمع ملاذ جميع حواسها ، تُجن المتصرف فيها أي تخفيه{[1290]} وتجن وراء نعيمها مزيداً دائماً - انتهى .

ثم وصفها بأنها { تجري } {[1291]}قال الحرالي : من الجري وهو إسراع حركة الشيء ودوامها ، { من تحتها } أي من تحت غرفها ، والتحت ما دون المستوى ، { الأنهار } جمع نهر ، وهو المجرى الواسع للماء - انتهى . {[1292]}فإسناد الجري إليها مجاز ، والتعريف لما عهده السامع من الجنس{[1293]} ويحتمل أن يكون المعنى أن أرضها منبع الأنهار ، فَتَحتَ كل شجرة وغرفة منبع نهر ، فهي لا تزال غضّة يانعة متصلة الزهر والثمر لا كما يجلب إليه الماء وربما انقطع في وقت فاختلّ بعض أمره .

قال الحرالي : وإذا تعرف حال العامل من وصف جزائه علم أن أعمالهم كانت مبنية على الإخلاص الذي هو حظ العاملين من التوليد الذي الماء آيته - انتهى .

فلما كانت الجنان معروفة بالثمار ساق وصفها بذلك مساق ما لا شك{[1294]} فيه بخلاف جري الأنهار فقال : { كلما } وهي كلمة تفهم تكرر الأمر في عموم الأوقات { رزقوا منها من ثمرة } أيّ ثمرة كانت رزقاً { قالوا } لكونه على صورة ما في الدنيا { هذا } {[1295]}أي الجنس لاستحكام الشبه { الذي رزقنا من قبل } أي في الدنيا ، {[1296]}ولما كان الرزق{[1297]} معلوماً ولم يتعلق غرض{[1298]} بمعرفة{[1299]} الآتي بالرزق بُنيا للمجهول فقال تعالى عاطفاً على ما تقديره لأنا خلقناه على شكل ما كان ليكونوا به أغبط ولمزيته أعرف وله أقبل وإليه أميل موحداً للضمير إشارة إلى أنه لاستحكام الشبه كأنه واحد { وأتوا به } {[1300]}أي جيء لهم {[1301]}بهذا الجنس المرزوق لهم في الدارين في الجنة{[1302]} من غير تطلب وتشوق { متشابهاً } في مطلق اللون والجنس ليظن أنه متشابه في الطعم ، فيصير فضله في ذلك بالذوق نعمة أخرى{[1303]} والتشابه المراد هنا اشتراك في ظاهر الصورة ، {[1304]} والإتيان بأداة التكرار يدل على أن الشبه يزداد عظمة{[1305]} في كل مرة فيزداد العجب وجعل الحرالي{[1306]} هذا خاصاً بثمار الجنة فقال : من قبل إعلام بأن أشخاص ثمر الجنة وآحادها لا تتمايز{[1307]} لأنها على أعلى صورتها لا تتفاوت بأعلى وأدنى ولا يتراخى زمان عودها ، فهي تتخلف لآنِ قطفها ولا تتمايز{[1308]} صور المقطوف من الخالف حتى يظن القاطف أن المتخلف عين الأول ؛ فحال ثمر الجنة كحال الماء الذي هو أصله ، وبسرعة الخلف من ثمر الجنة وأنه متصل جرية{[1309]} الوجود قال عليه السلام في عنقود من ثمرها : " لو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا " ويشعر ذلك عند اعتبار العمل به بأن نياتهم في الأعمال صالحة ثابتة مرابطة حتى جرُّوا{[1310]} بها هذا الاتصال وكمال الصورة في الرزق{[1311]} ومنه{[1312]} حديث مرفوع أخرجه الطبراني عن سهل بن سعد{[1313]} : " نية المؤمن خير من عمله " { وأتوا به متشابهاً{[1314]} } أظهر عذرهم في توهم اتحاد الثمر وعرف بأمنتهم من العنا ، لأنه لو تفاوت تبعه الكراهة للأدنى وتكلف {[1315]}للانتقاء للأعلى{[1316]} وذلك إنما هو لائق بكيد الدنيا لا بنعيم الجنة ، وقد ذكر بعض العلماء{[1317]} اطراد هذا التشابه في ثمر الجنة وإن اختلفت أصنافه{[1318]} ، ويضعفه ما يلزم منه كمال الدلالة في المعنى والصورة في نحو قوله تعالى :

{ فيهما فاكهة ونخل ورمان{[1319]} }[ الرحمن : 68 ] وما يجري مجراه - انتهى .

ولما{[1320]} ذكر المسكن الذي هو محل اللذة وأتبعه المطعم المقصود بالذات و{[1321]}كانت لذة الدار لا تكمل إلا بأنس الجار {[1322]}لا سيما المستمتع به{[1323]} قال : { ولهم فيها } أي مع ذلك { أزواج } {[1324]}ولما كن على خلق واحد لا نقص فيه أشار إليه بتوحيد الصفة ، وأكد ذلك بالتعبير بالتفعيل إلماماً بأنه عمل فيه عمل ما يبالغ فيه بحيث لا مطمع في الزيادة فقال : { مطهرة } .

قال الحرالي : والزوج ما لا يكمل المقصود من الشيء إلا معه على نحو من الاشتراك والتعاون{[1325]} ، والتطهير{[1326]} تكرار إذهاب مجتنب بعد مجتنب عن الشيء ؛ ولما ذكر تعالى الرزق المستثمر من أعمال الذين آمنوا وصل به ذكر الأزواج المستثمرة{[1327]} من حال نفوسهم من حسن أخلاقها وجمال صورتها الباطنة في الدنيا ، وكانت المرأة زوج الرجل لما كان لا يستقل أمره في النسل والسكن إلا بها - انتهى .

ولما كان {[1328]} خوف الزوال أو الانتقال إلى أدنى منغصاً فلا {[1329]} تروق {[1330]} اللذة {[1331]} إلا مع الاستقرار {[1332]} وكان هذا الوصف عاماً في جميع الجنان العلى وغيرها قال مقدماً للجار إشارة إلى أنهم لا يكونون في جنة إلا وهذه صفتها وأن نعيمهم لا آخر له{[1333]} { وهم فيها }{[1334]} ولما أفاد تقديم الظرف تخصيص الكون بها وعدم الكون في غيرها وكان ذلك معنى الخلود وكان قد يطلق على الإقامة بلا نهاية على طول الإقامة وإن كان له آخر صرح به بياناً بأن المراد ما لا آخر له وإلا لم يفد شيئاً جديداً فقال : { خالدون }{[1335]} والخلود{[1336]} طول الإقامة بالقرار ، وسياق الامتنان أغنى{[1337]} عن تقييده بالتأبيد والدوام .


[1277]:فظة "ما" زيدت من م ومد.
[1278]:يد في م ومد: على لسان نبي الرحمة.
[1279]:ي م: عيب – كذا بالعين المهملة.
[1280]:ي م: عمل.
[1281]:من م ومد وفي ظ: لهم، والأصل مطموس.
[1282]:ي م: يباله – كذا.
[1283]:يس في ظ فقط.
[1284]:قال النسفي: سنة الله في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب تنشيطا لاكتساب ما يزلف وتثبيطا عن اقتراف ما يتلف، فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب قفاه بذكر المؤمنين وأعمالهم وتبشيرهم بقوله: وبشر" الآية، والبشارة الإخبار بما يظهر سرور المخبر به، والمأمور بقوله "وبشر" الرسول عليه السلام أو كل أحد وهذا أحسن لأنه يؤذن بأن الأمر لعظمه وفخامة شأنه محقوق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة – انتهى. والصالحة نحو الحسنة في جريها مجرى الاسم، والصالحات كل ما استقام من الأعمال بدليل العقل والكتاب والسنة – تفسير النسفي ج 1 ص 27.
[1285]:يد من م ومد وليس في ظ ولا يتضح في الأصل.
[1286]:وهي أم حارثة بن سراقة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة؟ وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب – فإن كان في الجنة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء قال؛ يا أم حارثة إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى أخرجه البخاري عن أنس ابن مالك رضي الله عنه ج 1 ص 394
[1287]:في ظ: بأنه.
[1288]:في م: لحاقهم وفي ظ: لحاق.
[1289]:في تفسير النسفي: الجنة البستان من النخل والشجر المتكاثف والتركيب دائر على معنى الستر، وسميت دار الثواب كلها وهي مشتملة على جنان كثيرة مرتبة مراتب بحسب أعمال العالمين، لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنان.
[1290]:ي م: تحفيه – كذا.
[1291]:"تجري من تحتها الأنهار" المراد من تحت أشجارها كما ترى الأشجار النابتة على شواطئ الأنهار الجارية؛ وأنها الجنة تجري في غير أخدود ، وأنزه البساتين ما كانت أشجارها مظلة والأنهار في خلالها مطردة والجري الاطراد؛ والماء الجاري من النعمة العظمى واللذة الكبرى ولذا قرن الله تعالى الجنات بذكر الأنهار الجارية وقدمه على سائر نعوتها – انتهى.
[1292]:ليست في ظ.
[1293]:يست في ظ.
[1294]:ي م: وصف.
[1295]:يست في ظ.
[1296]:يست العبارة من هنا إلى "كأنه واحد" في ظ.
[1297]:ن م وفي الأصل ومد: الرازق – كذا.
[1298]:يس في مد.
[1299]:ي مد: لعرفه.
[1300]:زيد في م ومد: و.
[1301]:كذا في الأصل وم ومد ولكن ضرب عليه في م، وفي ظ: به، وزيد بعدها في م ومد: وقد روى عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره، وزيد بعدها في مد: الجنس المرزوق لهم في الدارين في الجنة.
[1302]:كذا في الأصل وم ومد ولكن ضرب عليه في م، وفي ظ: به، وزيد بعدها في م ومد: وقد روى عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره، وزيد بعدها في مد: الجنس المرزوق لهم في الدارين في الجنة.
[1303]:وفي تفسير النسفي: كلما رزقوا من الجنات أي من أي ثمرة كانت من تفاحها أو رمانها أو غير ذلك رزقا قالوا ذلك. والمعنى هذا مثل الذي رزقنا من قبل وشبهه بدليل قوله "وآتوا به متشابها" كقولك: أبو يوسف أبو حنيفة – تريد أنه لاستحكام الشبه كأن ذاته وإنما كان ثمار الجنة مثل ثمار الدنيا ولم تكن أجناسا أخر لأن الإنسان بالمألوف آنس وإلى المعهود أميل، ولأنه إذا شاهد ما سلف له به عهد ورأى فيه مزية ظاهرة وتفاوتا بينا كان استعجابه أكثروا استغرابه أوفر، والمعنى أن ما يرزقونه من ثمرات الجنة يأتيهم متجانسا في نفسه.
[1304]:يست العبارة من هنا إلى "العجب" في ظ.
[1305]:يد بعده في مد: مرة.
[1306]:يدت في م: الجنس المرزوق لهم في الدارين في الجنة أو ليس هذا موضعها.
[1307]:من مد وفي الأصل وم وظ: يتمايز.
[1308]:ن مد وفي الأصل وم وظ: يتمايز.
[1309]:ن م ومد وظ وفي الأصل: جزية.
[1310]:كذا في الأصل وفي م ومد: جزوا وفي ظ: خيروا.
[1311]:ي مد: الذوق.
[1312]:ن هامش ظ، وليست في م ومد وثبتت في الأصل بين السطرين بعد "عمله".
[1313]:ن هامش ظ، وليست في م ومد، وثبتت في الأصل بين السطرين بعد "عمله".
[1314]:وقال المهائمي في تفسيره المسمى تبصير الرحمان وتيسير المنان:"الأنهار" جمع نهر وهو المجرى الواسع مما أجروا من انهار الحكمة إلى ألسنتهم ثم إلى العالم و "كلما رزقوا منها" من تلك الجنات "من ثمرة رزقا" حقيقيا حسا أو عقليا أو خياليا "قالوا هذا" جزاء "الذي رزقنا من قبل" من المقامات والأحوال التي هي ثمرات الإيمان والأعمال "و" لما كانت لكل عمل ثمرات متشابهة يفضل بعضها بعضا "آتوا به متشابها" يشبه بعضه بعضا في الصورة مع التفاوت في اللذات – انتهى كلامه. وفي التفسير المظهري: "هذا" إشارة إلى نوع ما رزقوا المستمر بتعاقب أفراده "من قبل" أي من قبل هذا يعني في الدنيا جعلت متشابهة بثمار الدنيا كيلا يتنفر الطبع عن غير المألوف ويظهر المزية وقيل الثمار في الجنة متشابهة في اللون مختلفة في الطعم والداعي لهم على تكرار هذا القول كلما رزقوا تبجحهم بما وجدوا من التفاوت العظيم في اللذة والتشابه العظيم في الصورة "وآتوا به" بالرزق "متشابها" يعني ثمار الجنة كلها خيار لا رذالة فيها.
[1315]:في م: الانتقا لا على وفي مد: الانتفاء للأعلى – كذا.
[1316]:ي م: الانتقا لا على، وفي مد: الانتفاء للأعلى، كذا.
[1317]:وفي التفسير المظهري للقاضي محمد ثناء الله العثماني المظهري، روى البغوي بسنده عن جابر ابن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يتمخطون ولا يبزقون يلهمون الحمد والتسبيح كما يلهمون النفس طعامهم جشاء ورشحهم المسك – رواه مسلم؛ وللآية محمل آخر أن يكون المعنى هذا ثواب الذي رزقنا من قبل في الدنيا من المعارف والأعمال نظيره في الوعيد "ذوقوا ما كنتم تعلمون" روى الترمذي عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وإنها قيعان، وإن غراسها هذه – يعني التسبيح والتحميد والتكبير. قوله تعالى: "وآتوا به متشابها" أي مماثلا لمعارفهم وطاعاتهم في الشرف والمزية متفاوتا على حسب أعمالهم.
[1318]:في ظ فقط: أضافه – كذا.
[1319]:سورة 55 آية 68.
[1320]:يست في ظ.
[1321]:يست في ظ.
[1322]:يست في ظ.
[1323]:يست في ظ.
[1324]:لعبارة من هنا إلى "فقال" ليست في ظ.
[1325]:في التفسير المظهري: الزوج يقال للذكر والأنثى، وفي الأصل يقال لما له قرين من جنسه كزوج الخف.
[1326]:وفي تفسير النسفي: "مطهرة" من مساوئ الأخلاق، لا طمحات ولا مرحات، أو مما يختص بالنساء من الحيض والاستحاضة، وما لا يختص بهن من البول والغائط وسائر الأقذار والأدناس. ولم تجمع الصفة كالموصوف لأنهما لغتان فصيحتان، ولم يقل: طاهرة لأن مطهرة أبلغ، لأنها تكون للتكثير؛ وفيها إشعار بأن مطهرا طهرهن، وما ذلك إلا الله عز وجل.
[1327]:في م: المستمرة – كذا.
[1328]:في ظ: ذلك الأمر لا وفي م "جوف" مكان "خوف" و "و" مكان "أو" و "ولا" مكان "فلا".
[1329]:في ظ: ذلك الأمر لا وفي م "جوف" مكان "خوف" و "و" مكان "أو" و "ولا" مكان "فلا".
[1330]:ي م: تذوق.
[1331]:يس في ظ.
[1332]:يست في ظ.
[1333]:يست في ظ.
[1334]:لعبارة من هنا إلى "جديدا فقال " ليست في ظ وم، وقد ضرب عليها الأصل ولكن السياق يقتضيها فأثبتناها.
[1335]:قال البيضاوي: واعلم أنه لما كان معظم اللذات الحسية مقصورا على المساكن والمطاعم والمناكح على ما دل عليه الاستقراء وكان ملاك ذلك كله الثبات والدوام فإن كل نعم جليلة إذا قارنها خوف الزوال كانت منغصة غير صافية من شوائب الألم بشر المؤمنين بها ومثل ما أعد لهم في الآخرة بأبهى ما يستلذ به منها وأزال عنهم خوف الفوات بوعد الخلود ليدل على كمالهم في التنعم والسرور.
[1336]:والخلد والخلود في الأصل الثبات المديد دام أو لم يدم، ولذلك قيل للأثافي والأحجار: خوالد، لكن المراد به الدوام هاهنا عند الجمهور لما يشهد له من الآيات والسنن – انتهى. وقال علي المهائمي في تفسيره: "وهم فيها خالدون" لغلبة الروحانية على أجسامهم وبقاء هيئات الإيمان والأعمال على أرواحهم وقلوبهم – انتهى كلامه.
[1337]:في م: أعني – كذا.