تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{يتجرعه} تجرعا، {ولا يكاد يسيغه} البتة... {ويأتيه الموت} في النار، {من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه}... {عذاب غليظ}، يعني شديد لا يفتر عنهم...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
قوله:"يتجرَّعه": يتحسَّاه، "ولا يكاد يسيغه"، يقول: ولا يكاد يزدرده من شدة كراهته، وهو مُسيغه من شدّة العطش. والعرب تجعل "لا يكاد "فيما قد فُعِل وفيما لم يُفْعَل؛ فأما ما قد فعل، فمنه هذا، لأن الله جل ثناؤه جعل لهم ذلك شرابًا. وأمَّا ما لم يفعل وقد دخلت فيه "كاد "فقوله: "إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا" [سورة النور: 40]، فهو لا يراها...
وقوله: "ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت"، فإنه يقول: ويأتيه الموت من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وشماله، ومن كل موضع من أعضاء جسده، "وما هو بميت"، لأنه لا تخرج نفسه فيموت فيستريح، ولا يحيا لتعلُّق نفسه بالحناجر، فلا ترجع إلى مكانها...
وقوله: "ومن وَرائه عَذَابٌ غليظ"، يقول: ومن وراء ما هو فيه من العذاب، يعني أمامه وقدامه "عذاب غليظ".
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{يتجرعه} قال أبو عَوسَجة: التجرع ما يشربه المرء مكرها عليه.
{ولا يكاد يسيغه} يقال: أسغته، أي أدخلته في الحلق، يقال أسغته، فساغ في حلقه إذا دخل سهلا، لا يؤذيه.
وقوله تعالى: {ويأتيه الموت من كل مكان} قال قائلون: يأتيهم الغم والهم من كل مكان. وكذلك المتعارف في الخَلق إذا اشتد بهم الغم والهم، والشدة يقال: كأنك ميت، أو تموت غما. وقال بعضهم: {ويأتيه الموت من كل مكان} أي أسباب الموت ما لو كان من قضائه الموت فيها لماتوا لشدة ما يحل بهم، ولكن قضاءه ألا يموتوا فيها {وما هو بميت} موت حقيقة، يستريح من العذاب...
{ومن ورائه} أي من وراء ذلك العذاب {عذاب غليظ} لا ينقطع، ولا يفتر. وصفه بالغلظ والشدة لدوامه والإياس عن انقطاعه. والله أعلم...
الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :
{يَتَجَرَّعُهُ} يتحساه ويشربه ويجرع لا بمرة واحدة لمرارته وحرارته...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
قوله:"يتجرعه" معناه يشرب ذلك الصديد جرعة جرعة... والتجرع تناول المشروب جرعة جرعة على الاستمرار.
وقوله: "ولا يكاد يسيغه "أي لا يقاربه، وإنما يضطر إليه... والإساغة: إجراء الشراب في الحلق على تقبل النفس، وهذا يضطر إليه، فلذلك قال "ولا يكاد يسيغه" والمعنى: فلا يقارب أن يشربه تكرها، وهو يشربه...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 16]
يريد الكافر يأتيه العذاب فيما بين يديه من الزمان، وعلى ما خَلْفَه؛ أي لأجل ما سلف من الماضي من قبيح أفعاله، ويُسْقَى من النار ما يشربه جرعة بعد جرعة، فلصعوبته ومرارته لا يشربه مرةً واحدةً. قوله جلّ ذكره: {وَيَأْتِيِهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ}. يرى العذابَ- من شدته -في كل عضو، وفي كل وقت، وفي كل مكان وليس ذلك الموت؛ لأنَّ أهلَ النار لا يموتون، ولكنه في الشدة كالموت. ثم {وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ}: وهو الخلود في النار، وهذا جزاء مَنْ اغترَّ بأيامٍ قلائل ساعدته المشيئةُ فيها، وانخدع فلم يشرع بما يليها...
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي 468 هـ :
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{يَتَجَرَّعُهُ} يتكلف جرعه {وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} دخل كاد للمبالغة. يعني: ولا يقارب أن يسيغه، فكيف تكون الإساغة...
{وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ} كأنّ أسباب الموت وأصنافه كلها قد تألبت عليه وأحاطت به من جميع الجهات، تفظيعاً لما يصيبه من الآلام...
{وَمِن وَرَآئِهِ} ومن بين يديه {عَذَابٌ غَلِيظٌ} أي في كل وقت يستقبله يتلقى عذاباً أشدّ مما قبله وأغلظ...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
{يتجرعه} أي: يتغصصه ويتكرهه، أي: يشربه قهرا وقسرا،...
{وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ} أي: يزدرده لسوء لونه وطعمه وريحه، وحرارته أو برده الذي لا يستطاع.
{وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} أي: يألم له جميع بدنه وجوارحه وأعضائه...
{وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} أي: وله من بعد هذا الحال عذاب آخر غليظ، أي: مؤلم صعب شديد أغلظ من الذي قبله وأدهى وأمر...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{يتجرعه} أي يتكلف بلعه شيئاً فشيئاً لمرارته وحرارته، فيغص به ويلقى منه من الشدة ما لا يعلم قدره إلا الله. {ولا يكاد يسيغه} ولا يقرب من إساغته، فإن الإساغة جر الشيء في الحلق على تقبل النفس...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
...إنه مشهد عجيب، يرسم الجبار الخائب المهزوم ووراءه مصيره يخايل له على هذا النحو المروع الفظيع. وتشترك كلمة (غليظ) في تفظيع المشهد، تنسيقا له مع القوة الغاشمة التي كانوا يهددون بها دعاة الحق والخير والصلاح واليقين...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
التجرع: تكلف الجَرْع، والجرع؛ بلع الماء.
ومعنى {يُسيغه} يفعل سوغه في حلقه. والسوغ؛ انحدار الشراب في الحلق بدون غصة، وذلك إذا كان الشراب غير كريه الطعم ولا الريح، يقال ساغ الشراب، وشراب سائغ.
ومعنى {لا يكاد يسيغه} لا يقارب أن يسيغه فضلاً عن أن يسيغه بالفعل، كما تقدم في قوله تعالى: {وما كادوا يفعلون} في سورة البقرة (71).
وإتيان الموت: حلوله، أي حلول آلامه وسكراته... بقرينة قوله: وما هو بميت}، أي فيستريح.
والكلام على قوله: {ومن وراءه عذاب غليظ} مثل الكلام في قوله: {من ورائه جهنم}، أي ينتظره عذاب آخر بعد العذاب الذي هو فيه.
والغليظ: حقيقته الخشن الجسم، وهو مستعمل هنا في القوة والشدة بجامع الوفرة في كل، أي عذاب ليس بأخف مما هو فيه. وتقدم عند قوله: {ونجيناهم من عذاب غليظ} في سورة هود (58).
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
... وبهذا الترتيب فإنّ كلّ ما يخطر في ذهن الإنسان وما لا يخطر من شدّة العقاب هو في انتظار هؤلاء الظالمين والجبّارين والمذنبين، أسوأها الشراب المتعفّن الكريه، والعقوبات المختلفة من كلّ طرف، وفي نفس الوقت عدم الموت، بل الاستمرار في الحياة وإدامة العذاب. ولكن لا يتصوّر أنّ هذا العقاب غير عادل، لأنّه وكما قلنا مراراً النتيجة الطبيعيّة لعمل الإنسان، بل تجسيم أفعالهم في الآخرة، فكلّ عمل يجسّم بشكل مناسب، وإذا ما شاهدنا جنايات بعض المجرمين في عصرنا أو في التاريخ القديم لقلنا: حتّى هذه العقوبات قليلة...
قوله تعالى : " يتجرعه " أي يتحساه جرعا لا مرة واحدة لمرارته وحرارته . " ولا يكاد يسيغه " أي يبتلعه ، يقال : جرع الماء واجترعه وتجرعه بمعنى . وساغ الشراب في الحلق يسوغ سوغا إذا كان سلسا سهلا ، وأساغه الله إساغة . و " يكاد " صلة ، أي يسيغه بعد إبطاء ، قال الله تعالى : " وما كادوا يفعلون{[9477]} " [ البقرة : 71 ] أي فعلوا بعد إبطاء ، ولهذا قال : " يصهر به ما في بطونهم والجلود{[9478]} " [ الحج : 20 ] فهذا يدل على الإساغة . وقال ابن عباس : يجيزه ولا يمر به{[9479]} . " ويأتيه الموت من كل مكان " قال ابن عباس : أي يأتيه أسباب الموت من كل جهة عن يمينه وشماله ، ومن فوقه وتحته ومن قدامه وخلفه ، كقول : " لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل{[9480]} " [ الزمر : 16 ] . وقال إبراهيم التيمي : يأتيه من كل مكان من جسده حتى من أطراف شعره ؛ للآلام التي في كل مكان من جسد . وقال الضحاك : إنه ليأتيه الموت من كل ناحية ومكان حتى من إبهام رجليه . وقال الأخفش : يعني البلايا التي تصيب الكافر في النار سماها موتا ، وهي من أعظم الموت . وقيل : إنه لا يبقى عضو من أعضائه إلا وكل به نوع من العذاب ، لو مات سبعين مرة لكان أهون عليه من نوع منها في فرد لحظة ، إما حية تنهشه ، أو عقرب تلسعه{[9481]} ، أو نار تسفعه ، أو قيد برجليه ، أو غل في عنقه ، أو سلسلة يقرن بها ، أو تابوت يكون فيه ، أو زقوم أو حميم ، أو غير ذلك من العذاب ، وقال محمد بن كعب : إذا دعا الكافر في جهنم بالشراب فرآه مات موتات ، فإذا دنا منه مات موتات ، فإذا شرب منه مات موتات ، فذلك قوله : " ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت " . قال الضحاك : لا يموت فيستريح . وقال ابن جريج : تعلق روحه في حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت ، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فتنفعه الحياة ، ونظيره قوله : " لا يموت فيها ولا يحيا{[9482]} " [ طه : 74 ] . وقيل : يخلق الله في جسده آلا ما كل واحد منها كألم الموت . وقيل :
قوله تعالى : " وما هو بميت " لتطاول شدائد الموت به ، وامتداد سكراته عليه ؛ ليكون ذلك زيادة في عذابه .
قلت : ويظهر من هذا أنه يموت ، وليس كذلك ؛ لقوله تعالى : " لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها{[9483]} " [ فاطر : 36 ] وبذلك وردت السنة ؛ فأحوال الكفار أحوال من استولى عليه سكرات الموت دائما ، والله أعلم . " ومن ورائه " أي من أمامه . " عذاب غليظ " أي شديد متواصل الآلام غير فتور ، ومنه قوله : " وليجدوا فيكم غلظة{[9484]} " [ التوبة : 123 ] أي شدة وقوة . وقال فضيل بن عياض في قول الله تعالى : " ومن ورائه عذاب غليظ " قال : حبس الأنفاس .
قوله : ( يتجرعه ولا يكاد يسيغه ) ( يتجرعه ) ، يعني يتحسَّاه تغصصا أو يشربه قهرا وقسرا جرعة جرعة وليس مرة واحدة وذلك لشدة حرارته ومرارته ( ولا يكاد يسيغه ) ولا يكاد يزدرده من شدة كراهته . وهو يسيغه بعد إبطاء وذلك من شدة العطش . والعرب تقول : ما كدت أقوم ؛ أي قمت بعد إبطاء .
قوله : ( ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ) يعني تأتيه أسباب الموت من كل مكان أو جهة ؛ إذ تأتيه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن كل موضع في جسده وهو ليس بميت ؛ لأنه لا تزهق نفسه فيستريح ، ولا هو بحي ؛ لأن نفسه تتحشرج وتضطرب في الحناجر فلا ترجع إلى مكانها . وذلك تفظيع لما يصيبه من الآلام الشديدة التي يكفي الواحد منها لإزهاق نفسه .
قوله : ( ومن ورائه عذاب غليظ ) الضمير في ( ورائه ) يحتمل عودة وجهين . أحدهما : أنه عائد على الكافر . ثانيهما : أنه عائد على العذاب ؛ فيكون المعنى : إن رواء هذا العذاب عذاب غليظ{[2383]} ، وذلك تفظيع لحال الأشقياء المعذبين في جهنم ؛ فإن العذاب الشديد يحيط بهم من أمامهم ومن خلفهم ليذوقوا الهوان البالغ والإيلام الفظيع{[2384]} .