اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأۡتِيهِ ٱلۡمَوۡتُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٖۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٞ} (17)

قوله : " يتَجرَّعهُ " يجوز أن تكون الجملة صفة ل " مَاءٍ " وأن تكون حالاً من الضمير في " يُسْقَى " ، وأن تكون مستأنفة ، وتجرَّع : " تَفعَّل " وفيه احتمالات :

أحدها : أنه مطاو ل " جَرَّعْته " نحو " علَّمتهُ فتعلَّمَ " .

والثاني : أنه يكون للتكلف ، نحو " تحَلَّم " ، أي : يتَكلَّف جرعهُ ، ولم يذكر الزمخشري غيره .

الثالث : أنه دالٌّ على المهلة ، نحو تفهَّمتهُ ، أي : يتناوله شيئاً فشيئاً بالجرع كما يفهم شيئاً فشيئاً بالتفهيم .

الرابع : أنه بمعنى جرع المجرد ، نحو : عَددْتُ الشيء وتعَدَّيتُه .

والمعنى : يتحسَّاه ويشربه لا بمرة واحدة ، بل يجرعهُ لِمرارَتهِ وحَرارَتهِ .

قوله : { وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ } في " يَكادُ " قولان :

أحدهما : أن نفيهُ إثبات ، وإثباتهُ نفيٌ ، فقوله : { وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ } أي : يسيغه بعد إبطاء ؛ لأن العرب تقول : ما كدت أقومُ أي : قمتُ بعد إبطاءٍ ، قال تعالى : { فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } [ البقرة : 71 ] أي : فعلوا بعد إبطاء ، ويدلّ على حصول الإساغة قوله : { يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ } [ الحج : 20 ] ولا يحصل الصهر إلا بعد الإساغة .

وقوله : " يَتجرَّعهُ " يدل على أنهم ساغوا الشيء بعد الشيء .

والقول الثاني : أنَّ " كَادَ " للمقاربة ، فقوله " وَلا يَكادُ " لنفي المقاربة يعني ولم يقارب أن يسيغه ، فكيف تحصل الإساغة ؟ .

كقوله تعالى : { لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } [ النور : 40 ] ، أي : لم يقرب من رؤياها ، فكيف يراها ؟ .

فإن قيل : فقد ذكرتم الدليل على الإساغة ، فكيف يجمع بين القولين ؟ .

فالجواب من وجهين :

أحدهما : أنَّ المعنى : ولا يسيغ جميعه .

والثاني : أنَّ الدَّليل الذي ذكرتم إنَّما دلَّ على وصول بعض ذلك الشَّراب إلى جوف الكافر ، إلاَّ أن ذلك ليس بإساغة ؛ لأنَّ الإساغة في اللغة : إجراء الشرب في [ الحلق ]{[19186]} بقبول النفس ، واستطابة المشروب ، والكافر يتجرّع ذلك الشرب على كراهية ولا يسيغه ، أي : لا يستطيبه ولا يشربه شرباً مرة واحدة وعلى هذين الوجهين يصح حمل : " لا يَكَادُ " على نفي المقاربة .

قوله : { وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ } أي : أن موجبات الموت أحاطت به من جميع الجهات .

واعلم أن الموت يقع على أنواع بحسب أنواعه الحياة :

فمنها : ما هو بإزاء القوة النامية الموجودة في الحيوان والنبات ، كقوله تعالى : { يُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا } [ الحديد : 17 ] .

ومنها : زوال القوة العاقلة ، وهي الجهالة ، كقوله تعالى : { أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ } [ الأنعام : 122 ] { إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى } [ النمل : 80 ] .

ومنها : الحزن والخوف المكدران للحياة ، كقوله تعالى : { وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ } [ إبراهيم : 17 ] .

ومنها : النوم ، كقوله تعالى -عزَّ وجلَّ- { والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا } [ الزمر : 42 ] .

وقد قيل : النوم : الموتُ الخفيف ، والموتُ : النوم الثقيل ، وقد يستعار الموت للأحوال الشاقة كالفقر والذل ، والسؤال ، والهرم ، والمعصية ، وغير ذلك ، ومنه الحديث " أوْل من مَاتَ إبليسُ لأنَّهُ أوَّلُ من عَصَى " .

وحديث موسى -صلوات الله سلامه عليه- حين قال له ربه : " [ أمَا ]{[19187]} تَعْلَمْ أنَّ مَنْ أفْقرتُهُ فقَدْ أمَتُّهُ " .

ولنرجع إلى التفسير ، فنقول : قيل : بحدوث ألم الموت من كل مكان من أعضائه .

وقيل : يأتيه الموت من الجهات السّت { وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ } فيستريح .

قال ابن جريج : تعلق روحه عند حنجرته ، ولا تخرج من فيه فيموت ، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فيستريح فَتَنْفَعهُ الحياة ، نظيره : { لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يحيى } [ طه : 74 ] .

قوله : { وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ } في الضمير وجهان :

أظهرهما : أنه عائد على " كُلِّ جبَّارٍ " .

والثاني : أنه عائد على العذاب المتقدم .

قيل : العذاب الغليظ : الخلود في النار .

وقيل : إنَّهُ في كل وقت يستقبله يتلقى عذاباً أشدّ مما قبله ، وتقدم الكلام على معنى " مِن وَرائهِ " .


[19186]:ي ب: الأصل.
[19187]:في أ: ألم.