تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{يدعو} يعني: يعبد، {لمن ضره} في الآخرة {أقرب من نفعه} في الدنيا، {لبئس المولى} يعني: الولي {ولبئس العشير} يعني: الصاحب...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: يدعو هذا المنقلب على وجهه من أن أصابته فتنة آلهة لضرّها في الآخرة له، أقرب وأسرع إليه من نفعها...
واختلف أهل العربية في موضع «مَنْ»، فكان بعض نحوّيي البصرة يقول: موضعه نصب ب «يدعو»، ويقول: معناه: يدعو لآلهة ضرّها أقرب من نفعها، ويقول: هو شاذّ لأنه لم يوجد في الكلام: يدعو لزيدا. وكان بعض نحويّي الكوفة يقول: اللام من صلة «ما» بعد «مَنْ» كأن معنى الكلام عنده: يدعو من لَضَرّه أقرب من نفعه، وحُكي عن العرب سماعا منها: عندي لَمَا غيرُه خير منه، بمعنى: عندي ما لغيره خير منه، وأعطيتك لما غيرُه خير منه، بمعنى: ما لغيره خير منه. وقال: جائز في كلّ ما لم يتبين فيه الإعراب الاعتراض باللام دون الاسم.
وقال آخرون منهم: جائز أن يكون معنى ذلك: هو الضلال البعيد يدعو فيكون «يدعو» صلة «الضلال البعيد»، وتضمر في «يدعو» الهاء ثم تستأنف الكلام باللام، فتقول:"لمن ضرّه أقرب من نفعه لبئس المولى" كقولك في الكلام في مذهب الجزاء: لَمَا فَعَلْتَ لَهُو خَيْر لك...
وهذا القول الآخر على مذهب العربية أصحّ، والأوّل إلى مذهب أهل التأويل أقرب.
وقوله: "لَبِئْسَ المَوْلَى "يقول: لبئس ابن العمّ هذا الذي يعبد الله على حرف. "وَلَبِئْسَ العَشِيرُ" يقول: ولبئس الخليط المعاشر والصاحب...
وقد قيل: عني بالمولى في هذا الموضع: الوليّ الناصر.
وكان مجاهد يقول: عُني بقوله: "لَبِئْسَ المَوْلَى وَلَبِئْسَ العَشِيرُ" الوثن...
تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :
"يدعو لمن ضره أقرب من نفعه" هذه الآية من مشكلات القرآن، وفيها أسئلة:
أولها قال: قالوا في الآية الأولى: "ما لا يضره" وقال هاهنا: "لمن ضره". فكيف وجه التوفيق؟ الجواب عنه: أن معنى قوله: "يدعو لمن ضره" أي: لمن ضر عبادته، وقوله في الآية الأولى: "ما لا يضره" أي: لا يضر إن ترك عبادته.
السؤال الثاني: قالوا: قال في هذه الآية: "أقرب من نفعه" والجواب: أن هذا على عادة العرب، وهم يقولون مثل هذا اللفظ، ويريدون أنه لا نفع له أصلا، وهذا مثل قوله تعالى: "ذلك رجع بعيد" أي: لا رجع أصلا...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
وكرّر يدعو، كأنه قال: يدعو يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه، ثم قال: لمن ضره بكونه معبوداً أقرب من نفعه بكونه شفيعاً لبئس المولى.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
ثم كرر {يدعو} على جهة التوبيخ...
أما قوله تعالى: {يدعو لمن ضره أقرب من نفعه} ففيه مسألتان: المسألة الأولى: اختلفوا في تفسيره على وجهين: أحدهما: أن المراد رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم لأنه يصح منهم أن يضروا، وحجة هذا القول أن الله تعالى بين في الآية الأولى أن الأوثان لا تضرهم ولا تنفعهم، وهذه الآية تقتضي كون المذكور فيها ضارا نافعا...
أما قوله: {لبئس المولى ولبئس العشير} فالمولى هو الولي والناصر، والعشير الصاحب والمعاشر، واعلم أن هذا الوصف بالرؤساء أليق لأن ذلك لا يكاد يستعمل في الأوثان، فبين تعالى أنهم يعدلون عن عبادة الله تعالى الذي يجمع خير الدنيا والآخرة إلى عبادة الأصنام وإلى طاعة الرؤساء، ثم ذم الرؤساء بقوله: {لبئس المولى} والمراد ذم من انتصر بهم والتجأ إليهم.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
{يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ} أي: ضرره في الدنيا قبل الآخرة أقرب من نفعه فيها، وأما في الآخرة فضرره محقق متيقن.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كان الإحسان جالباً للانسان، من غير نظر إلى مورده، لأن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها، بين أن ما قيل في جانب النفع إنما هو على سبيل الفرض فقال: {يدعوا} ولما كان ما فرض أولاً فيما عبر عنه ب "ما "قد يكون غير عاقل، فيكون ما صدر منه لعدمه العقل، أزال هذا الإبهام بقوله: {لمن} أي زاعماً أن من {ضره} ولو بعبادته الموجبة لأعظم الشقاء {أقرب من نفعه} الذي يتوقع منه -إله.
ولما كانت الولاية الكاملة لا تنبغي إلا لمن يكون توقع النفع منه والضر على حد سواء، لقدرته على كل منهما باختياره، وكان العشير لا يصلح إلا إن كان مأمون العاقبة، وكان هذا المدعو إن نظر إليه في جانب الضر وجد غير قادر عليه، أو في جانب النفع فكذلك، وإن فرض توقع نفعه أو ضره كان خوف ضره أقرب من رجاء نفعه، استحق غاية الذم فلذلك استأنف تعالى وصفه بقوله معبراً في ذمه بالأداة الموضوعة لمجامع الذم: {لبئس المولى} لكونه ليس مرجو النفع كما هو مخشى الضر {ولبئس العشير} لكونه ليس مأمون الضر فهو غير صالح لولاية ولا لعشرة بوجه.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
فإن المقصود من المولى والعشير، حصول النفع، ودفع الضرر، فإذا لم يحصل شيء من هذا، فإنه مذموم ملوم.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(يدعو لمن ضره أقرب من نفعه) من وثن أو شيطان، أو سند من بني الإنسان.. وهذا كله لا يملك ضرا ولا نفعا؛ وهو أقرب لأن ينشأ عنه الضر. وضره أقرب من نفعه. ضره في عالم الضمير بتوزيع القلب، وإثقاله بالوهم وإثقاله بالذل. وضره في عالم الواقع وكفى بما يعقبه في الآخرة من ضلال وخسران (لبئس المولى) ذلك الضعيف لا سلطان له في ضر أو نفع (ولبئس العشير) ذلك الذي ينشأ عنه الخسران. يستوي في ذلك المولى والعشير من الأصنام والأوثان، والمولى والعشير من بني الإنسان، ممن يتخذهم بعض الناس آلهة أو أشباه آلهة في كل زمان ومكان!
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
ولما كان الضر الحاصل من الأصنام ليس ضراً ناشئاً عن فعلها بل هو ضر ملابس لها أثبت الضر بطريق الإضافة للضمير دون طريق الإسناد إذ قال تعالى: {لمن ضره أقرب من نفعه} ولم يقل: لمن يضر ولا ينفع، لأن الإضافة أوسع من الإسناد فلم يحصل تناف بين قوله {ما لا يضره} [الحج: 12] وقوله {لمن ضره أقرب من نفعه}. وكونه أقرب من النفع كناية عن تمحّضه للضرّ وانتفاء النفع منه لأن الشيء الأقرب حاصل قبل البعيد فيقتضي أن لا يحصل معه إلاّ الضر.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ} لما يضعه من خطط تقود تابعه إلى الشرّ الذي يعقّد حياته في الدنيا، ويهلكه في الآخرة، مما يجعل ما يحصل عليه من شهواتٍ وملذاتٍ يحققها له أمراً غير ذي معنى. {لَبِئْسَ الْمَوْلَى} الذي يأمل في نصرته، فلا يجد لديه أيّة إمكانيةٍ للنصر، لافتقاره إلى أي قدر من القوة، {وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} وبئس الصاحب الذي يعاشره، لأنه لا ينفعه، بل يقوده إلى الضرر المحقق في ما يوجهه إليه من مواقع الهلكة في الدنيا والآخرة...
قوله تعالى : " يدعو لمن ضره أقرب من نفعه " أي هذا الذي انقلب على وجهه يدعو من ضره أدنى من نفعه ، أي في الآخرة لأنه بعبادته دخل النار ، ولم ير منه نفعا أصلا ، ولكنه قال : ضره أقرب من نفعه ترفيعا للكلام ، كقوله تعالى : " وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين " {[11434]} [ سبأ : 24 ] . وقيل : يعبدونهم توهم أنهم يشفعون لهم غدا كما قال الله تعالى : " ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " {[11435]} [ يونس : 18 ] . وقال تعالى : " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " {[11436]}[ الزمر : 3 ] . وقال الفراء والكسائي والزجاج : معنى الكلام القسم والتأخير ، أي يدعو والله لمن ضره أقرب من نفعه . فاللام مقدمه في غير موضعها . و " من " في موضع نصب ب " يدعو " واللام جواب القسم . و " ضره " مبتدأ . و " أقرب " خبره . وضعف النحاس تأخير الكلام وقال : وليس للام من التصرف ما يوجب أن يكون فيها تقديم ولا تأخير .
قلت : حق اللام التقديم وقد تؤخر ، قال الشاعر :
خالِي لأنت ومن جَرِيرٌ خالُه *** ينلِ العلاءَ ويُكْرِمِ الأخوالا
أي لخالي أنت ، وقد تقدم . النحاس : وحكى لنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد قال : في الكلام حذف ، والمعنى يدعو لمن ضره أقرب من نفعه إلها . قال النحاس : وأحسب هذا القول غلطا على محمد بن يزيد ؛ لأنه لا معنى له ، لأن ما بعد اللام مبتدأ فلا يجوز نصب إله ، وما أحسب مذهب محمد بن يزيد إلا قول الأخفش ، وهو أحسن ما قيل في الآية عندي ، والله أعلم ، قال : " يدعو " بمعنى يقول . و " من " مبتدأ وخبره محذوف ، والمعنى يقول لمن ضره أقرب من نفعه إلهه .
قلت : وذكر هذا القول القشيري رحمه الله عن الزجاج والمهدوي عن الأخفش ، وكمل إعرابه فقال : " يدعو " بمعنى يقول ، و " من " مبتدأ ، و " ضره " مبتدأ ثان ، و " أقرب " خبره ، والجملة صلة " من " ، وخبر " من " محذوف ، والتقدير يقول لمن ضره أقرب من نفعه إلهه ، ومثله قول عنترة :
يدعونَ عنترُ والرماحُ كأنها *** أشطانُ بئرٍ في لِبَانِ الأَدْهَمِ{[11437]}
قال القشيري : والكافر الذي يقول الصنم معبودي لا يقول ضره أقرب من نفعه ، ولكن المعنى يقول الكافر لمن ضره أقرب من نفعه في قول المسلمين معبودي وإلهي . وهو كقوله تعالى : " يا أيها الساحر ادع لنا ربك " {[11438]}[ الزخرف : 49 ] ، أي يا أيها الساحر عند أولئك الذين يدعونك ساحرا . وقال الزجاج : يجوز أن يكون " يدعو " في موضع الحال ، وفيه هاء محذوفة ، أي ذلك هو الضلال البعيد يدعوه ، أي في حال دعائه إياه ، ففي " يدعو " هاء مضمرة ، ويوقف على هذا على " يدعو " . وقوله : " لمن ضره أقرب من نفعه " كلام مستأنف مرفوع بالابتداء ، وخبره " لبئس المولى " وهذا لأن اللام لليمين والتوكيد فجعلها أول الكلام . قال الزجاج : ويجوز أن يكون " ذلك " بمعنى الذي ، ويكون في محل النصب بوقوع " يدعو " عليه ، أي الذي هو [ في ]{[11439]} الضلال البعيد يدعو ؛ كما قال : " وما تلك بيمنك{[11440]} يا موسى " أي ما الذي . ثم قوله " لمن ضره " كلام مبتدأ ، و " لبئس المولى " خبر المبتدأ ، وتقدير الآية على هذا : يدعو الذي هو الضلال البعيد ، قدم المفعول وهو الذي ، كما تقول : زيدا يضرب ، واستحسنه أبو علي . وزعم الزجاج أن النحويين أغفلوا هذا القول ، وأنشد :
عدسْ ما لعبَّادٍ عليك إمارةٌ *** نجوتِ وهذا تَحْمِلينَ طَلِيقُ{[11441]}
أي والذي . وقال الزجاج أيضا والفراء : يجوز أن يكون " يدعو " مكررة على ما قبلها ، على جهة تكثير هذا الفعل الذي هو الدعاء ، ولا تعديه إذ قد عديته أولا ، أي يدعو من دون الله ما لا ينفعه ولا يضره يدعو ، مثل ضربت زيدا ضربت ، ثم حذفت يدعو الآخرة اكتفاء بالأولى . قال الفراء : ويجوز " لمن ضره " بكسر اللام ، أي يدعو إلى من ضره أقرب من نفعه ، قال الله عز وجل : " بأن ربك أوحى لها " {[11442]} أي إليها . وقال الفراء أيضا والقفال : اللام صلة ، أي يدعو من ضره أقرب من نفعه ، أي يعبده . وكذلك هو في قراءة عبد الله بن مسعود . " لبئس المولى " أي في التناصر " ولبئس العشير " أي المعاشر والصاحب والخليل . مجاهد : يعني الوثن .
قوله : ( يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه ) من ، في موضع نصب مفعول ( يدعوا ) واللام في غير موضعها . وتقديره : يدعو من لضره أقرب من نفعه . ( ضره ) ، مبتدأ و ( أقرب من نفعه ) من نفعه خبر . وقيل : مفعول ( يدعوا ) محذوف ، واللام في موضعها . وتقديره : يدعو إليها لمن ضره أقرب من نفعه . مَنْ ، مبتدأ . وخبره ( أقرب من نفعه ) {[3082]} والمعنى : أن هذا الخاسر المنقلب على وجهه يعبد آلهة مصنوعة ، ضرها أقرب من نفعها وذلك في الدنيا والآخرة ، فعادتها في الدنيا تفضي إلى التخبط والضلال والفساد في القصد والمسعى وإلى اضطراب السلوك والعيش التاعس المنكود . ثم تؤول في الآخرة إلى الخسران والسقوط في جهنم .
قوله : ( لبئس المولى ولبئس العشير ) أي لبئس هذا الصنم الذي عُبد من دون الله ، وليا وناصرا ( ولبئس العشير ) أي الصاحب والمعاشر . والمراد ذم المشركين الواهمين الذين يبتغون العون والنصرة من مبعوديهم من الطواغيت ومن رؤساء الضلال والكفر{[3083]} .