فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني - الشوكاني  
{يَدۡعُواْ لَمَن ضَرُّهُۥٓ أَقۡرَبُ مِن نَّفۡعِهِۦۚ لَبِئۡسَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَلَبِئۡسَ ٱلۡعَشِيرُ} (13)

{ يَدْعُو لمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَفْعِهِ } يدعو بمعنى : يقول ، والجملة مقرّرة لما قبلها من كون ذلك الدعاء ضلالاً بعيداً . والأصنام لا نفع فيها بحال من الأحوال ، بل هي ضرر بحت لمن يعبدها ، لأنه دخل النار بسبب عبادتها . وإيراد صيغة التفضيل مع عدم النفع بالمرّة للمبالغة في تقبيح حال ذلك الداعي ، أو ذلك من باب { وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضلال مُّبِينٍ } [ سبأ : 24 ] واللام هي : الموطئة للقسم ، ( ومن ) موصولة أو موصوفة ، و{ ضرّه } مبتدأ خبره ( أقرب ) ، والجملة صلة الموصول . وجملة : { لَبِئْسَ المولى وَلَبِئْسَ العشير } جواب القسم . والمعنى : أنه يقول ذلك الكافر يوم القيامة لمعبوده الذي ضرّه أقرب من نفعه : لبئس المولى ولبئس العشير . والمولى الناصر ، والعشير : الصاحب ، ومثل ما في هذه الآية قول عنترة :

يدعون عنتر والرماح كأنها *** أشطان بئر في لبان الأدهم

وقال الزجاج : يجوز أن يكون { يدعو } في موضع الحال ، وفيه هاء محذوفة ، أي ذلك هو الضلال البعيد يدعوه ، وعلى هذا يوقف على { يدعو } ، ويكون قوله : { لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَفْعِهِ } كلاماً مستأنفاً مرفوعاً بالابتداء ، وخبره { لبئس المولى } . قال : وهذا لأن اللام لليمين والتوكيد فجعلها أوّل الكلام . وقال الزجاج والفراء : يجوز أن يكون { يدعو } مكررة على ما قبلها على جهة تكثير هذا الفعل الذي هو الدعاء ، أي يدعو ما لا يضرّه ولا ينفعه يدعو ، مثل ضربت زيداً ضربت . وقال الفراء والكسائي والزجاج : معنى الكلام القسم ، واللام مقدّمة على موضعها ، والتقدير : يدعو من لضرّه أقرب من نفعه ، فمن في موضع نصب ب{ يدعو } ، واللام جواب القسم و{ ضرّه } مبتدأ ، و{ أقرب } خبره ، ومن التصرف في اللام بالتقديم والتأخير قول الشاعر :

خالي لأنت ومن جرير خاله *** ينل العلاء ويكرم الأخوالا

أي لخالي أنت . قال النحاس : وحكى لنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد قال : في الكلام حذف ، والمعنى : يدعو لمن ضرّه أقرب من نفعه إلها . قال النحاس : وأحسب هذا القول غلطاً عن محمد بن يزيد ، ولعل وجهه أن ما قبل اللام هذه لا يعمل فيما بعدها . وقال الفراء أيضاً والقفال اللام صلة ، أي زائدة ، والمعنى : يدعو من ضرّه أقرب من نفعه ، أي يعبده ، وهكذا في قراءة عبد الله بن مسعود بحذف اللام ، وتكون اللام في : { لبئس المولى } وفي : { لبئس العشير } على هذا موطئة للقسم .

/خ16