الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{۞وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} (61)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإما تخافنّ من قوم خيانة وغدرا، فانبذ إليهم على سواء وآذنهم بالحرب. "وَإنْ جَنَحُوا للسّلْمِ فاجْنَحْ لَهَا": وإن مالوا إلى مسالمتك ومتاركتك الحرب، إما بالدخول في الإسلام، وإما بإعطاء الجزية، وإما بموادعة، ونحو ذلك من أسباب السلم والصلح "فاجْنَحْ لَهَا "يقول: فمل إليها، وابذل لهم ما مالوا إليه من ذلك وسألوكه...

وأما قوله: "وَتَوَكّلْ على اللّهِ" يقول: فوّض إلى الله يا محمد أمرك، واستكفه واثقا به أنه يكفيك...وقوله: "إنّهُ هُوَ السّمِيِعُ العَلِيمُ" يعني بذلك: إن الله الذي تتوكل عليه سميع لما تقول أنت، ومن تسالمه وتتاركه الحرب من أعداء الله وأعدائك عند عقد السلم بينك وبينه، ويشرط كل فريق منكم على صاحبه من الشروط، والعليم بما يضمره كلّ فريق منكم للفريق الآخر من الوفاء بما عاقده عليه، ومن المضمِر ذلك منكم في قلبه والمنطوي على خلافه لصاحبه.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

يقول: لا يمنعك عن الصلح معهم ما كان منهم من النقض ونكث العهود (وتوكل على الله) ولا تخف خيانتهم ونقضهم العهد فإن الله يطلعك، ويكفيك على ذلك. والوجه فيه ما ذكرنا أن الإمام إذا رأى الصلح والموادعة نصرا للمسلمين أجابهم إلى ذلك، وصالحهم...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

بعث الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- بالرحمة والشفقة على الخلْق، وبمسالمة الكفار رَجَاء أن يُؤمِنوا في المُسْتَأنف فإِنْ أَبَوْا فليس يخرج أَحدٌ عن قبضة العِزَّة. {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ} في الحالين فإنه يختار لك ما فيه الخيرة، فيوفِّقُك لِمَا فيه الأَوْلى، ويختار لك ما فيه من قِسمي الأمر -في الحربِ وفي الصُّلحِ- ما هو الأعلى.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{وَتَوَكَّلْ عَلَى الله} ولا تخف من إبطانهم المكر في جنوحهم إلى السلم، فإنّ الله كافيك وعاصمك من مكرهم وخديعتهم. قال مجاهد، يريد قريظة.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

وقوله تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} الآية، الضمير في {جنحوا} هو للذين نبذ إليهم على سواء، وجنح الرجل إلى الأمر إذا مال إليه وأعطى يده فيه، ومنه قيل للأضلاع جوانح لأنها مالت على الحشوة وللخباء جناح وجنحت الإبل إذا مالت أعناقها في السير...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

أما قوله تعالى: {وتوكل على الله} فالمعنى فوض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله ليكون عونا لك على السلامة، ولكي ينصرك عليهم إذا نقضوا العهد وعدلوا عن الوفاء، ولذلك قال: {إنه هو السميع العليم} تنبيها بذلك على الزجر عن نقض الصلح، لأنه عالم بما يضمره العباد، وسامع لما يقولون قال مجاهد الآية نزلت في قريظة والنضير. وورودها فيهم لا يمنع من إجرائها على ظاهر عمومها. والله أعلم.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

ولما كان السلم هو المقصود الأول كما أفاد مفهوم الآية السابقة، أكده بمنطوق الآية اللاحقة، فقال جلت حكمته، وسبقت رحمته: {وإن جنحوا إلى السلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم}. قرأ الجمهور السلم بفتح السين وأبو بكر بكسرها وهما لغتان. وهي كالسلام والصلح ضد الحرب، والإسلام دين السلم والسلام {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة} [البقرة:208] ولفظ السلم مؤنث كمقابله [الحرب] وبعض العرب يذكرهما. وجنح للشيء وإليه مال أو هو خاص بالميل إلى أحد الجناحين أي الجانبين المتقابلين كجناحي الطير والإنسان والسفينة والعسكر وقالوا أجنحت الشمس للغروب أي مالت إلى جانب الغرب الذي تغيب في أفقه وهو مقابل لجانب الشرق الذي تطلع منه، ولا يقال جنحت للشرق لأننا لا نراها قبل شروقها مائلة إلى جانب غير الذي انقلبت عنه، ولكن يقال جنح الليل بمعنى مال للذهاب وللمجيء. والمعنى: وإن مالوا عن جانب الحرب إلى جانب السلم خلافا للمعهود منهم في حال قوتهم، فاجنح لها أيها الرسول لأنك أولى بالسلم منهم. وعبر عن جنوحهم ب (إنْ) التي يعبر بها عن المشكوك في وقوعه أو ما من شأنه ألا يقع للإشارة إلى أنهم ليسوا أهلا لاختياره لذاته وأنه لا يؤمن أن يكون جنوحهم إليه كيدا وخداعا ولذلك قال:

{وتوكل على الله إنه هو السميع العليم} اقبل منهم السلم وفوض أمرك إلى الله تعالى، فلا تخف كيدهم ومكرهم وتوسلهم بالصلح إلى العذر، كما فعلوا بنقض العهد، إنه عز وجل هو السميع لما يقولون، العليم بما يفعلون، فلا يخفى عليه ما يخفى عليك من ائتمارهم وتشاورهم، ولا من كيدهم وخداعهم.

قيل إن الآية خاصة بأهل الكتاب لأنها نزلت في بني قريظة الذين نقضوا العهد كما تقدم في أول هذا السياق وإن نظر فيه ابن كثير محتجا بأن السورة كلها نزلت في وقعة بدر، وتقدم أنها من أنباء الغيب، ويرد التخصيص قبوله صلوات الله وسلامه عليه الصلح من المشركين في الحديبية وترك الحرب إلى مدة عشر سنين مع ما اشترطوا فيه من الشروط الثقيلة التي كرهها جميع الصحابة رضوان الله عليهم وكادت تكون فتنة، وقيل إنها عامة ولكنها نسخت بآية السيف في سورة المائدة، لأن مشركي العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام، وروي القول بنسخها عن ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني وعكرمة والحسن وقتادة. نقله ابن كثير وتعقبه بقوله: وفيه نظر أيضا لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك فأما إذا كان العدو كثيفا فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص والله أعلم. اه.

وقد يقال في الجواب أيضا إن المشركين لم يثبت أنهم جنحوا إلى السلم وأباه عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بل أجابهم إليه في الحديبية كما تقدم آنفا ثم ظلوا يقاتلونه إلى ما بعد فتح مكة عاصمة دينهم ودنياهم كما فعلوا في الطائف، إلى أن ذهبت ريحهم، وخضدت شوكة زعمائهم، وصار سائر العرب يدخلون في دين الله أفواجا، وتم ما أراد الله من إسلام أهل جزيرة العرب إلا قليلا من أهل الكتاب، لأجل أن يكون مهد الإسلام حصنا ومأرزا للإسلام.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

{فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ْ} أي: أجبهم إلى ما طلبوا متوكلا على ربك، فإن في ذلك فوائد كثيرة. منها: أن طلب العافية مطلوب كل وقت، فإذا كانوا هم المبتدئين في ذلك، كان أولى لإجابتهم. ومنها: أن في ذلك إجماما لقواكم، واستعدادا منكم لقتالهم في وقت آخر، إن احتيج لذلك. ومنها: أنكم إذا أصلحتم وأمن بعضكم بعضا، وتمكن كل من معرفة ما عليه الآخر، فإن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه،. فكل من له عقل وبصيرة إذا كان معه إنصاف فلا بد أن يؤثره على غيره من الأديان، لحسنه في أوامره ونواهيه، وحسنه في معاملته للخلق والعدل فيهم، وأنه لا جور فيه ولا ظلم بوجه، فحينئذ يكثر الراغبون فيه والمتبعون له،. فصار هذا السلم عونا للمسلمين على الكافرين.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

والتعبير عن الميل إلى السلم بالجنوح، تعبير لطيف، يلقي ظل الدعة الرقيق. فهي حركة جناح يميل إلى جانب السلم، ويرخي ريشه في وداعة! كما أن الأمر بالجنوح إلى السلم مصحوب بالتوكل على الله السميع العليم الذي يسمع ما يقال ويعلم ما وراءه من مخبآت السرائر. وفي التوكل عليه الكفاية والأمان.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والأمر بالتوكّل على الله، بعد الأمر بالجنوح إلى السلم، ليكون النبي صلى الله عليه وسلم معتمداً في جميع شأنه على الله تعالى، ومفوّضاً إليه تسيير أموره، لتكون مدّة السلم مدّة تقوّ واستعداد، وليكفيه الله شرّ عدوّه إذا نقضوا العهد.

وطريق القصر في قوله: {هو السميع العليم} أفاد قصر معنى الكمال في السمع والعلم، أي: فهو سميع منهم ما لا تسمع ويعلم ما لا تعلم. وقصر هذين الوصفين بهذا المعنى على الله تعالى عقب الأمر بالتوكل عليه يفضي إلى الأمر بقصر التوكّل عليه لا على غيره. وفي الجمع بين الأمر بقصر التوكل عليه وبين الأمر بإعداد ما استطاع من القوة للعدوّ: دليل بَيِّن على أنّ التوكّل أمر غير تعاطي أسباب الأشياء، فتعاطي الأسباب فيما هي من مقدور الناس، والتوكّل فيما يخرج عن ذلك.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

فالإسلام لا يريد الغلب لذات الغلب، فليست فروسية، إنما يريد دفع الأسرى وتسهيل الدعوة، وإزالة كل العقبات المانعة للدعوة، فإن كان ذلك بسلم فهو أولى بالأخذ والاتباع.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

لا بد من دراسة الظروف والشروط والمعطيات على أساس الحاضر والمستقبل، لئلا تكون المسألة مسألة استغفالٍ وخديعةٍ، تتخذ من السلام ستاراً تختفي خلفه، وتستعد من خلاله لهجمةٍ مستقبليّةٍ قويّةٍ، تستفيد من فرص السلام لمصلحة الحرب. فإذا أعد وليّ الأمر العدة لذلك كله، فإن له أن يطمئن لما فعل، على أساس وضوح الرؤية، ولا يلقي بالاً للتهاويل ولاحتمالات الخوف التي قد تثور في النفس، لتثير القلق والارتباك في المسيرة، بل لا بد من التوكل على الله أمام كل تهاويل الغيب الذي لا يعلمه إلا الله... وهذا هو خط التوكّل الذي يرتكز على دراسة كل ظروف الواقع ومعطياته، وكل شروط العمل ومقتضياته، وكل الوسائل الواقعية للوصول إلى الأهداف

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} (61)

فيه مسألتان :

الأولى - قوله تعالى : " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها " إنما قال " لها " لأن السلم مؤنثة . ويجوز أن يكون التأنيث للفعلة . والجنوح الميل . يقول : إن مالوا - يعني الذين نبذ إليهم عهدهم - إلى المسالمة ، أي الصلح ، فمل إليها . وجنح الرجل إلى الآخر : مال إليه ، ومنه قيل للأضلاع جوانح ، لأنها مالت على الحشوة{[7781]} . وجنحت الإبل : إذا مالت أعناقها في السير . وقال ذو الرمة :

إذا مات فوق الرحل أحييتُ روحه *** بذكراك والعِيسُ المراسيل{[7782]} جُنَّحُ

وقال النابغة{[7783]} :

جوانح قد أيقنَّ أن قبيله *** إذا ما التقى الجمعان أولُ غالب

يعني الطير . وجنح الليل إذا أقبل وأمال أطنابه على الأرض . والسلم والسلام هو الصلح . وقرأ الأعمش وأبو بكر وابن محيصن والمفضل " للسلم " بكسر السين . الباقون بالفتح . وقد تقدم معنى ذلك في " البقرة{[7784]} " مستوفى . وقد يكون السلام من التسليم . وقرأ الجمهور " فاجنح " بفتح النون ، وهي لغة تميم . وقرأ الأشهب العقيلي " فاجنح " بضم النون ، وهي لغة قيس . قال ابن جني : وهذه اللغة هي القياس .

الثانية - وقد اختلف في هذه الآية ، هل هي منسوخة أم لا . فقال قتادة وعكرمة : نسخها " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم{[7785]} " [ التوبة : 5 ] . " وقاتلوا المشركين كافة " [ التوبة : 36 ] وقالا : نسخت براءة كل موادعة ، حتى يقولوا لا إله إلا الله . ابن عباس : الناسخ لها " فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم " [ محمد : 35 ] . وقيل : ليست بمنسوخة ، بل أراد قبول الجزية من أهل الجزية . وقد صالح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن بعده من الأئمة كثيرا من بلاد العجم ، على ما أخذوه منهم ، وتركوهم على ما هم فيه ، وهم قادرون على استئصالهم . وكذلك صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا من أهل البلاد على مال يؤدونه ، من ذلك خيبر ، رد أهلها إليها بعد الغلبة على أن يعملوا ويؤدوا النصف . قال ابن إسحاق : قال مجاهد عنى بهذه الآية قريظة ، لأن الجزية تقبل منهم ، فأما المشركون فلا يقبل منهم شيء . وقال السدي وابن زيد . : معنى الآية إن دعوك إلى الصلح فأجبهم . ولا نسخ فيها . قال ابن العربي : وبهذا يختلف الجواب عنه ، وقد قال الله عز وجل : " فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم{[7786]} " [ محمد : 35 ] . فإذا كان المسلمون على عزة وقوة ومنعة ، وجماعة عديدة ، وشدة شديدة فلا صلح ، كما قال :

فلا صلح حتى تُطعن الخيل بالقَنَا *** وتضربُ بالبيض الرقاق الجماجم

وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح ، لنفع يجتلبونه ، أو ضرر يدفعونه ، فلا بأس أن يبتدئ المسلمون به{[7787]} إذا احتاجوا إليه . وقد صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على شروط نقضوها فنقض صلحهم . وقد صالح الضمري{[7788]} وأكيدر دومة وأهل نجران ، وقد هادن قريشا لعشرة أعوام حتى نقضوا عهده . وما زالت الخلفاء والصحابة على هذه السبيل التي شرعناها سالكة ، وبالوجوه التي شرحناها عاملة . قال القشيري : إذا كانت القوة للمسلمين فينبغي ألا تبلغ الهدنة سنة . وإذا كانت القوة للكفار جاز مهادنتهم عشر سنين ، ولا تجوز الزيادة . وقد هادن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة عشر سنين . قال ابن المنذر : اختلف العلماء في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وبين أهل مكة عام الحديبية ، فقال عروة : كانت أربع سنين . وقال ابن جريج : كانت ثلاث سنين . وقال ابن إسحاق : كانت عشر سنين . وقال الشافعي رحمه الله : لا تجوز مهادنة المشركين أكثر من عشر سنين ، على ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية ، فإن هودن المشركون أكثر من ذلك فهي منتقضة ، لأن الأصل فرض قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية . وقال ابن حبيب عن مالك رضي الله عنه : تجوز مهادنة المشركين السنة والسنتين والثلاث ، وإلى غير مدة . قال المهلب : إنما قاضاهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه القضية التي ظاهرها الوهن على المسلمين ، لسبب حبس الله ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة ، حين توجه إليها فبركت . وقال : ( حبسها حابس الفيل ) . على ما خرجه البخاري من حديث المسور بن مخرمة . ودل على جواز صلح المشركين ومهادنتهم دون مال يؤخذ منهم ، إذا رأى ذلك الإمام وجها . ويجوز عند الحاجة للمسلمين عقد الصلح بمال يبذلونه للعدو ، لموادعة النبي صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن الفزاري ، والحارث بن عوف المري{[7789]} يوم الأحزاب ، على أن يعطيهما ثلث ثمر المدينة ، وينصرفا بمن معهما من غطفان ويخذلا قريشا ، ويرجعا بقومهما عنهم . وكانت هذه المقالة مراوضة{[7790]} ولم تكن عقدا . فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما أنهما قد أنابا ورضيا استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ، فقالا : يا رسول الله ، هذا أمر تحبه فنصنعه لك ، أو شيء أمرك الله به فنسمع له ونطيع ، أو أمر تصنعه لنا ؟ فقال : ( بل أمر أصنعه لكم فإن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ) ، فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله ، والله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك وعبادة الأوثان ، لا نعبد الله ولا نعرفه ، وما طمعوا قط أن ينالوا منا ثمرة ، إلا شراء أو قرى ، فحين أكرمنا الله بالإسلام ، وهدانا له وأعزنا بك ، نعطيهم أموالنا ! والله لا نعطيهم إلا السيف ، حتى يحكم الله بيننا وبينهم . فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( أنتم وذاك ) . وقال لعيينة والحارث : ( انصرفا فليس لكما عندنا إلا السيف ) . وتناول سعد الصحيفة ، وليس فيها شهادة أن لا إله إلا الله{[7791]} فمحاها .


[7781]:الحشوة (بالضم والكسر) : الأمعاء.
[7782]:العيس: الإبل البيض. والمراسيل: سهلة السير وهي التي تعطيك ما عندها عفوا. وجنح: مائلة صدورها إلى الأرض. وقيل: مائلة في سيرها من النشاط.
[7783]:في الأصول: (وقال عنترة) والتصويب عن كتاب البحر لأبي حيان وديوان النابغة.
[7784]:راجع ج 3 ص 22.
[7785]:راجع ص 72 وص 136 من هذا الجزء.
[7786]:راجع ج 16 ص 255.
[7787]:من ك و ز و ى و هـ.
[7788]:الضمري: هو مخشى بن عمرو الضمري، من بني ضمرة بن بكر، وكان هذا في غزوة الأبواء...وأكيدر: هو اكيدر بن عبد الملك: رجل من كندة. ودومة: هي دومة الجندل مدينة قريبة من دمشق.
[7789]:في الأصول.: "....بن نوفل" والتصويت عن كتب السيرة.
[7790]:المراوضة: المداراة والمخاتلة.
[7791]:من ز.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} (61)

قوله تعالى : { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم 61 وإن يريدون أن يخادعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين 62 وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم } .

{ جنحوا } ، من الجنوح وهو الميل{[1685]} والسلم ، بفتح السين . وقيل بالكسر . والسلم والسلام بمعنى المصالحة والمهادنة . والسلم مؤنثة ، لذلك قال : { لها } والمعنى : إن مال الكافرون إلى مسالمتكم ومتاركة الحرب ؛ إما بدخولهم الإسلام ، أو بإعطاء الجزية ، أو بالموادعة ، أو نحو ذلك من أسباب الصلح { فاجنح لها } أي فمل إليها وابذل للكافرين الجانحين ما مالوا إليه من المصالحة .

وقد اختلفوا في نسج هذه الآية ؛ فقد قيل : نسخها قوله : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } وقوله أيضا : { وقاتلوا المشركين كافة } وقيل : نسخت سورة براءة كل موادعة حتى يقولوا لا إله إلا الله فيسلموا ، والناسخ هو قوله تعالى : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر } إلى قوله : { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } . وقتال ابن عباس : الناسخ لهذه الآية هو قوله تعالى : { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم } .

وقيل : ليست هذه الآية منسوخة بل هي محكمة ، والمراد به قبول الجزية من أهل الجزية ، وقد قبلها منهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن عمر ومن بعده من الأئمة ؛ إذ صالحوا كثيرا من أهل العجم على ما أخذوه منهم ، وترموهم وشأنهم من حيث عبادتهم وطقوسهم وشعائرهم الدينية . وصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بعد أن أظفره الله بهم .

على أن المسلمين إن كانت لهم مصلحة في الموادعة والصلح بما يحقق لهم المنفعة ويدفع عنهم ضرر ؛ فلا بأس أن يبادر المسلمون بالمصالحة عند الحاجة ؛ فقد هادن رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا لعشرة أعوام حتى نقضوا عنهم معه . واختلفوا في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة عام الحديبية ، فقد قيل : كانت أربع سنين . وقيل : كانت ثلاثا . وقيل : كانت عشرا . وذهب الإمام الشافعي إلى أنه لا يجوز أن يهادن المسلمون المشركين أكثر من عشر سنوات على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية . وذكر عن الإمام مالك أنه تجوز مهادنة المشركين السنة والسنتين والثلاث ، وإلى غير مدة .

وإذا حاقت بالمسلمين الخطوب والمخاطر ، واستحوذ عليهم العدو الغادر ، وضاقت بهم الدنيا ، وكانوا قلة ، ورأوا أنه لا حيلة لهم في مواجهة العدو لقوته وضعفهم ؛ جاز لهم حينئذ أن يبدلوا له المال لموادعته ومهانته حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا .

أما المشركين من غير أهل الكتاب فما ينبغي أن يقبل المسلمون منهم غير الإسلام أو القتال ؛ لأن هؤلاء المشركين الذين يقدسون الأوثان ، أو الذين يعتنقون المادية المحضة فلا يعترفون بإلهية ولا دين ، لا جرم أنهم جناة في حق أنفسهم وفي حق عقولهم التي عطلوها تعطيلا . فما كان لهم بذلك أن يستأهلوا من تكريم ؛ فلا تؤخذ منهم جزية ، ولا ينبغي لهم الصلح أو المهادنة إلا الإسلام ؛ لأنه مبعث الهداية والترشيد والخير للإنسانية جمعاء . بخلاف أهل الكتاب ؛ إذ جعل الله لهم بعضا من اعتبار بقبول الجزية منهم وتركهم وما يدينون .

أما المسلمون إذا كانوا كثيرا ، وكانت جموعهم بأعدادها وأجيالها تملأ بقاع الأرض –كحالهم في هذا العصر- فإنه ما ينبغي لهم أن يهادنوا أئمة الظلم والظلمات أو يوادعوهم ما دام هؤلاء الظالمون قد بلغوا على المسلمين ؛ فسلبوا ديارهم وأوطانهم ، وأذلوا شعبوهم وأجيالهم ، واغتصبوا أموالهم وخيرات بلادهم ، وداسوا شرفهم وكراماتهم ، وبدلوا دينهم وثقافتهم وقيمهم تبديلا . إنه لا مساغ البتة –والحال على ما هو عليه من التعس والعار والذلة- أن يهادن المسلمون أعداء الله . بل على المسلمين في كل أنحاء العالم أن يلتئموا جميعا ليكونوا أمة واحدة متآزرة متعاونة ، يشد بعضها بعضا ؛ فيواجهوا بوحدتهم والتئامهم وقوتهم وعقيدتهم عدو الله وعدوهم في حرب حامية مستعرة ، مهما عظم فيها البذل والتضحيات . حتى يكتب الله للمؤمنين العاملين الثابتين النصر ؛ فتخفق راية الإسلام فوق ربوع البلاد وفيها فلسطين والقوقاز وسمرقند وأثيوبيا والأندلس .

قوله : { وتوكل على الله إنه هو السميع العليم } أي فوض الأمر إلى الله ، ليكون لك خير معين ومجير ، ولكي يقويك وينصرك على الأعداء الظالمين إذا عدلوا عن الوفاء بالعهد فنقضوه ، والله جل وعلا عالم بما يخفيه العباد من نوايا ، وسامع لما يصدر عنهم من أقوال سواء في الخير أو الشر والكيد والتآمر ؛ فالله محيط بذلك كله ليجازي الأشرار والمتربصين وأعداء دينه ما ينبغي لهم من سوء الحساب .


[1685]:المصباح المنير جـ 1 ص 121.