الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدٗا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ إِنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ} (84)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولا تصلّ يا محمد على أحد مات من هؤلاء المنافقين الذين تخلفوا عن الخروج معك أبدا. "وَلا تَقُمْ على قَبْرِهِ "يقول: ولا تتولّ دفنه وتقبره من قول القائل: قام فلان بأمر فلان: إذا كفاه أمره. "إنّهُمْ كَفَرُوا باللّهِ" يقول إنهم جحدوا توحيد الله ورسالة رسوله، وماتوا وهم خارجون من الإسلام مفارقون أمر الله ونهيه. وقد ذكر أن هذه الآية نزلت حين صلى النبيّ صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبيّ... حدثنا محمد بن المثنى وسفيان بن وكيع، وسوّار بن عبد الله، قالوا: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، قال: جاء ابن عبد الله بن أبيّ ابن سلولَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات أبوه، فقال: أعطني قميصك حتى أكفنه فيه، وصلّ عليه واستغفر له فأعطاه قميصه، وقال: «إذَا فَرَغْتُمْ فَآذِنُونِي» فلما أراد أن يصلي عليه، جذبه عمر وقال: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ فقال: «بَلْ خَيّرَنِي وقالَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لا تَسْتَغْفرْ لَهُمْ» قال: فصلى عليه. قال: فأنزل الله تبارك وتعالى: "وَلا تُصَلّ على أحَدٍ منْهُمْ ماتَ أبَدا وَلا تَقُمْ على قَبْرِهِ" قال: فترك الصلاة عليهم...

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لما توفي عبد الله بن أبيّ ابن سلول، دُعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه، فقام إليه فلما وقف عليه يريد الصلاة، تحوّلت حتى قمت في صدره، فقلت: يا رسول الله، أتصلي على عدوّ الله عبد الله بن أبيّ القائل يوم كذا كذا وكذا، أعدّد أيامه، ورسول الله عليه الصلاة والسلام يتبسمّ. حتى إذا أكثرت عليه، قال: «اخّرْ عَنّيِ يا عُمَرُ إنّي خُيّرْتُ فاخْتَرْتُ، وَقَدْ قِيلَ لي اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لهم فلو أني أعلم أنين إن زدت على السبعين غفر له لزدت» قال ثم صلى عليه ومشى معه فقام على حتى نزلت هاتان الآيتان "ولا تصل على أحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أبَدا..." فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على منافق، ولا قام على قبره حتى قبضه الله...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

... سماهم فسقة، واسم الكفرة أقبح وأذم، لكنهم جمعوا مع الكفر أنواع الفسق ليعلم أن اعتقادهم الكفر والمذهب الذي يذهبون إليه؛ إنما اعتقدوا لهواهم؛ إذ الفسق مما يحرمه كل مذهب ودين، وكل يأنف عن الفسق، ويتبرأ منه، ولا كذلك الكفر؛ لأن كل من آمن بشيء كفر بضده. وأصل الفسق هو الخروج عن الأمر، والله أعلم...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

ليس بعد التَّبَرِّي التولي، ولا بعدَ الفراق الوفاق، ولا بعد الحجبة قربة. مضى لهم من الزمان ما كان لأملهم فيه فسحة، أو لرجائهم مساغ، أو لظنِّهم تحقيق، ولكن سَبَقَ لهم القضاءُ بالشقاوة، ونعوذ بالله مِنْ سوءِ الخاتمة...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أنه تعالى أمر رسوله بأن يسعى في تخذيلهم وإهانتهم وإذلالهم، فالذي سبق ذكره في الآية الأولى وهو منعهم من الخروج معه إلى الغزوات سبب قوي من أسباب إذلالهم وإهانتهم، وهذا الذي ذكره في هذه الآية، وهو منع الرسول من أن يصلي على من مات منهم، سبب آخر قوي في إذلالهم وتخذيلهم...

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يَبْرَأ من المنافقين، وألا يصلي على أحد منهم إذا مات، وألا يقوم على قبره ليستغفر له أو يدعو له؛ لأنهم كفروا بالله ورسوله، وماتوا عليه. وهذا حكم عام في كل من عرف نفاقه، وإن كان سبب نزول الآية في عبد الله بن أُبَيّ بن سلول رأس المنافقين...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما أتم سبحانه الكلام في الاستغفار وتعليله إلى أن ختم بإهانة المتخلفين، وكان القتل المسبب عن الجهاد سبباً لترك الصلاة على الشهيد تشريفاً له، جعل الموت الواقع في القعود المرضي به عن الجهاد سبباً لترك الصلاة إهانة لذلك القاعد، فقال عاطفاً على ما أفهمت جملة: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} الآية، من نحو: فلا تستغفر لهم أصلاً: {ولا تصلِّ} أي الصلاة التي شرعت لتشريف المصلى عليه والشفاعة فيه {على أحد منهم} ثم وصف الأحد بقوله: {مات} وقوله {أبداً} متعلق بالنهي لا بالموت {ولا تقم على قبره} أي لأن قيامك رحمة وهم غير أهل لها، ثم علل ذلك بقوله: {إنهم كفروا بالله} أي الذي له العظمة كلها ولما كان الموت على الكفر مانعاً من الصلاة على الميت بجميع معانيها لم يحتج إلى التأكيد بإعادة الجار فقيل -: {ورسوله} أي الذي هو أعظم الناس نعمة عليهم بما له من نصائحهم بالرسالة، والمعنى أنهم لعظم ما ارتكبوا من ذلك لم يهدهم الله فاستمروا على الضلالة حتى ماتوا على صفة من وقع النهي على الاستغفار لهم المشار إليها بقوله {والله لا يهدي القوم الفاسقين} وذلك المراد من قوله معبراً بالماضي والمعنى على المضارع تحقيقاً للخبر وأنه واقع لا محالة: {وماتوا وهم} أي والحال أنهم بضمائرهم وظواهرهم {فاسقون} أي غريقون في الفسق...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

هذا بيان ما شرعه الله تعالى في شأن من يموت من هؤلاء المنافقين في أثر ما شرعه في شأن الأحياء منهم، وهو كسابقه خاص بمن نزلت فيهم وهم الذين ثبتت أدلة كفرهم، أو إعلامه تعالى لرسوله بحقيقة أمرهم، وفي مقدمتهم زعيمهم الأكبر الأكفر عبد الله بن أبي بن سلول والإثنى عشر الذين أرادوا اغتيال الرسول صلى الله عليه وسلم.

قال عز وجل: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} أي لا تصل أيها الرسول بعد الآن على أحد مات من هؤلاء المنافقين الذين عرفناك شأنهم صلاة الجنازة أبداً ما حييت، ولا تقف على قبره عند الدفن للدعاء له بالتثبيت، كما تقوم على قبور المؤمنين عند دفنهم، ويلزم هذا النهي عدم تشييع جنائزهم.

روى أبو داود والحاكم وصححه والبزار من حديث عثمان رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: (استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل)، وقد نص الفقهاء على العمل بهذا الحديث، ولا نعرف شيئا من السنة في معنى القيام على القبر غيره، فانتظار الدفن أعم منه، وأدخل فيه بعضهم زيارة القبور وهو غير ظاهر، فقد ورد في زيارة القبور أحاديث متعددة بلفظ الزيارة لا بلفظ القيام.

وقد علل تعالى هذا النهي ببيان مستأنف فقال: {إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون}، أي إنهم كفروا وماتوا وهم فاسقون، أي وهم في حال خروجهم السابق من حظيرة الإيمان، كما تقدم في تفسير مثله من هذا السياق [والجملة الحالية تدل على وقوع مضمونها قبل حدوث العامل فيها]، والنهي يتعلق بالحال والاستقبال، ولا سيما إذا أكد بكلمة أبدا التي هي نص في معنى الاستقبال، ولكن قال في تعليل النهي: (وماتوا) وهو فعل ماض، والقاعدة في التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي أن يكون لتأكيده وتحققه حتى كأنه وقع بالفعل، أي وسيموتون وهم متلبسون بكفرهم، ولعل فيه إشارة إلى ما روي في سبب نزول الآية وهو صلاته صلوات الله عليه على عبد الله بن أبيّ، فيكون المعنى ومات من مات منهم على كفره، وسيموت الآخرون كذلك...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وكما أمر اللّه رسوله -[صلى الله عليه وسلم]- بألا يسمح للمتخلفين في ساعة العسرة أن يعودوا فينتظموا في الصفوف، كذلك أمره ألا يخلع عليهم أي ظلال من ظلال التكريم: (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره. إنهم كفروا باللّه ورسوله وماتوا وهم فاسقون). ولقد ذكر المفسرون حوادث خاصة عنتها هذه الآية. ولكن دلالة الآية أعم من الحوادث الخاصة. فهي تقرر أصلاً من أصول التقدير في نظام الجماعة المكافحة في سبيل العقيدة، هو عدم التسامح في منح مظاهر التكريم لمن يؤثرون الراحة المسترخية على الكفاح الشاق؛ وعدم المجاملة في تقدير منازل الأفراد في الصف. ومقياس هذا التقدير هو الصبر والثبات والقوة والإصرار والعزيمة التي لا تسترخي ولا تلين. والنص يعلل هذا النهي في موضعه هنا (إنهم كفروا باللّه ورسوله وماتوا وهم فاسقون) وهو تعليل خاص بعدم الصلاة أو قيام الرسول -[صلى الله عليه وسلم]- على قبر منافق.. ولكن القاعدة -كما ذكرنا- أوسع من المناسبة الخاصة. فالصلاة والقيام تكريم. والجماعة المسلمة يجب ألا تبذل هذا التكريم لمن يتخلف عن الصف في ساعة الجهاد، لتبقى له قيمته، ولتظل قيم الرجال منوطة بما يبذلون في سبيل اللّه، وبما يصبرون على البذل، ويثبتون على الجهد، ويخلصون أنفسهم وأموالهم للّه لا يتخلفون بهما في ساعة الشدة، ثم يعودون في الصف مكرمين! لا التكريم الظاهر ينالونه في أعين الجماعة، ولا التكريم الباطن ينالونه في عالم الضمير:...

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

وحرصا على إزالة كل لبس، وعلى تمييز المنافقين من المؤمنين تمييزا تاما، نهى الله رسوله والمؤمنين عن الصلاة عليهم بعد وفاتهم، ونهاه عن القيام على قبورهم للدعاء لهم، وبذلك بقيت هذه الميزة خاصة بأموات المؤمنين وحدهم، فقال تعالى: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره، إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون}. وقد تلقى حذيفة بن اليمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسماء المنافقين وعرف أشخاصهم، فكان بعد انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى هو الذي يلفت نظر المسلمين إليهم كلما مات واحد منهم، حتى لا يصلوا عليه ولا يقفوا على قبره، امتثالا لهذه الآية الكريمة، ومن أجل ذلك أطلق على حذيفة بن اليمان لقب "صاحب السر"، والسر إنما هو في هذا المقام بالخصوص. وهكذا أصبحت صلاة الجنازة قاصرة على المؤمنين يستغفر بها أحياؤهم لأمواتهم، ومما جاء في فضلها قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان. قيل وما القيراطان؟ قال: أصغرهما مثل أحد) يشير إلى جبل أحد. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: (استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل) أخرجه أبو داود في سننه، وانفرد به. وبعدما فضح كتاب الله في هذه السورة الكريمة الأعذار المنتحلة التي كان يعتذر بها المنافقون عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك، كقوله تعالى حكاية عنهم أيضا: {وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر، قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون} جاءت الآيات الكريمة بالقول الفصل في بيان العذر الصحيح والعذر الباطل...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

أسلوب أشدّ في مواجهة المنافقين:

بعد أن أزاح المنافقون الستار عن عدم مشاركتهم في ميدان القتال، وعلم الناس تخلفهم الصريح، وفشا سرّهم، أمر الله سبحانه وتعالى نبيّه بأن يتبع أسلوباً أشدّ وأكثر صراحة ليقتلع وإِلى الأبد جذور النفاق والأفكار الشيطانية، وليعلم المنافقون بأنّهم لا محل لهم في المجتمع الإِسلامي، وكخطوة عملية في مجال تطبيق هذا الأسلوب الجديد، صدر الأمر الإِلهي (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره).

إِن هذا الأسلوب في الواقع هو نوع من الكفاح السلبي الفاعل في مواجهة المنافقين، لأنّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يستطع للأسباب التي ذكرناها آنفاً أن يأمر بقتل هؤلاء صراحة لتطهير المجتمع الإِسلامي منهم، أمّا هذا الأسلوب السلبي فهو مؤثر في احتقار هؤلاء وتحجيم دورهم، وتقزيمهم وطردهم من المجتمع الإِسلامي.

من المعلوم أنّ المؤمن الحقيقي محترم في الشرع الإِسلامي حيّاً وميتاً، ولهذا نرى الدين الإِسلامي الحنيف قد أصدر ضمن تشريعاته الأمر بتغسيل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، وأوجب أن يولى احتراماً كبيراً، وأن يودع التراب بمراسم خاصّة، وحتى بعد دفنه فإنّ من حقوقه أن يزور المؤمنون قبره، ويستغفروا له، ويطلبوا الرحمة له.

إنّ عدم إجراء هذه المراسم لفرد معين يعني طرده من المجتمع الإِسلامي، وإذا كان الطارد له هو النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه، فإنّ الصدمة والأثر النفسي على نفسيته ووجوده سيكون شديداً جداً.

إن هذا البرنامج والأسلوب الدقيق في الواقع كان قد أعد لمقابلة منافقي ذلك العصر، ويجب أن يستفيد المسلمون من هذه الأساليب، أي أنّ هؤلاء المنافقين ما داموا يُظهرون الإِسلام، فمن الواجب عليهم أن يعاملوهم كمسلمين وإن كان باطنهم شيئاً آخر، أمّا إِذ أظهروا نفاقهم، وكشفوا اللثام عن وجوههم الحقيقية، فعندئذ يجب أن يعاملوهم كأجانب عن الإِسلام.

وفي آخر الآية يتّضح سبب هذا الأمر الإِلهي ب (أنّهم كفرو بالله ورسوله) ورغم ذلك فإنّهم لم يفكروا بالتوبة ولم يندموا على أفعالهم ليغسلوها بالتوبة، بل إنّهم بقوا على أفعالهم (وماتوا وهم كافرون).

وهنا يمكن أن يسأل أحدكم: إِنّ المنافقين إِذا كانوا حقيقة بهذا البعد عن رحمة الله، وعلى المسلمين أن لا يُظهروا أي ود أو محبّة تجاههم، فلماذا فضّلهم الله تعالى ومنحهم كل هذه القوى الاقتصادية من الأموال والأولاد؟

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدٗا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ إِنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ} (84)

فيه إحدى عشرة مسألة :

الأولى - روي أن هذه الآية نزلت في شأن عبدالله بن أبي سلول وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم عليه . ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما . وتظاهرت الروايات بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه ، وأن الآية نزلت بعد ذلك . وروي عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تقدم ليصلي عليه جاءه جبريل فجبذ ثوبه وتلا عليه " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا " الآية ، فأنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصل عليه . والروايات الثابتة على خلاف هذا ، ففي البخاري عن ابن عباس قال : فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف ، فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من [ براءة ] " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا " ونحوه عن ابن عمر ، خرجه مسلم . قال ابن عمر : لما توفي عبدالله بن أبي بن سلول جاء ابنه عبدالله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه ، فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه ، فقام عمر وأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما خيرني الله تعالى فقال : " استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة " [ التوبة : 80 ] وسأزيد على سبعين ) قال : إنه منافق . فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره " فترك الصلاة عليهم . وقال بعض العلماء : إنما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على عبدالله بن أبي بناء على الظاهر من لفظ إسلامه . ثم لم يكن يفعل ذلك لما نهي عنه .

الثانية - إن قال قائل فكيف قال عمر : أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه ، ولم يكن تقدم نهي عن الصلاة عليهم ؟ . قيل له : يحتمل أن يكون ذلك وقع له في خاطره ، ويكون من قبيل الإلهام والتحدث الذي شهد له به النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد كان القرآن ينزل على مراده ، كما قال : وافقت ربي في ثلاث . وجاء : في أربع . وقد تقدم في البقرة{[8186]} . فيكون هذا من ذلك . ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله تعالى : " استغفر لهم أو لا تستغفر لهم " [ التوبة : 80 ] الآية . لا أنه كان تقدم نهي على ما دل عليه حديث البخاري ومسلم . والله أعلم . قلت : ويحتمل أن يكون فهمه من قوله تعالى : " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا{[8187]} للمشركين " [ التوبة : 113 ] لأنها نزلت بمكة . وسيأتي القول فيها .

الثالثة - قوله تعالى : " استغفر لهم " الآية . بين تعالى أنه وإن استغفر لهم لم ينفعهم ذلك وإن أكثر من الاستغفار . قال القشيري : ولم يثبت ما يروي أنه قال : ( لأزيدن على السبعين ) . قلت : وهذا خلاف ما يثبت في حديث ابن عمر ( وسأزيد على سبعين ) وفي حديث ابن عباس ( لو أعلم أني زدت على السبعين يغفر لهم لزدت عليها ] . قال فصلي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم . خرجه البخاري .

الرابعة - واختلف العلماء في تأويل قوله : " استغفر لهم " هل هو إياس أو تخيير ، فقالت طائفة : المقصود به اليأس بدليل قوله تعالى : " فلن يغفر الله لهم " [ التوبة : 80 ] . وذكر السبعين وفاق جرى ، أو هو عادتهم في العبارة عن الكثرة والإغياء فإذا قال قائلهم : لا أكلمه سبعين سنة صار عندهم بمنزلة قوله . لا أكلمه أبدا . ومثله في الإغياء قوله تعالى : " في سلسلة ذرعها سبعون{[8188]} ذراعا " [ الحاقة :32 ] وقوله عليه السلام : ( من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا ) . وقالت طائفة : هو تخيير - منهم الحسن وقتاده وعروة - إن شئت استغفر لهم وإن شئت لا تستغفر . ولهذا لما أراد أن يصلي على ابن أبي قال عمر : أتصلي على عدو الله ، القائل يوم كذا كذا وكذا ؟ فقال : ( إني خيرت فاخترت ) . قالوا ثم نسخ هذا لما نزل " سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر{[8189]} لهم " [ المنافقون : 6 ] " ذلك بأنهم كفروا " [ التوبة : 80 ]أي لا يغفر الله لهم لكفرهم .

الخامسة - قوله تعالى : " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين " [ التوبة :113 ] الآية . وهذه الآية نزلت بمكة عند موت أبي طالب ، على ما يأتي بيانه . وهذا يفهم منه النهي عن الاستغفار لمن مات كافرا . وهو متقدم على هذه الآية التي فهم منها التخيير بقوله : ( إنما خيرني الله ) وهذا مشكل . فقيل : إن استغفاره لعمه إنما كان مقصوده استغفارا مرجو الإجابة حتى تحصل له المغفرة . وفي هذا الاستغفار استأذن عليه السلام ربه في أن يأذن له فيه لأمه فلم يأذن له فيه . وأما الاستغفار للمنافقين الذي خير فيه فهو استغفار لساني لا ينفع ، وغايته تطييب قلوب بعض الأحياء من قرابات المستغفر له . والله أعلم .

السادسة - واختلف في إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم قميصه لعبدالله ، فقيل : إنما أعطاه لأن عبدالله كان قد أعطى العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم قميصه يوم بدر . وذلك أن العباس لما أسر يوم بدر - على ما تقدم - وسلب ثوبه رآه النبي صلى الله عليه وسلم كذلك فأشفق عليه ، فطلب له قميصا فما وجد له قميص يقادره إلا قميص عبدالله ، لتقاربهما في طول القامة ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم بإعطاء القميص أن يرفع اليد عنه في الدنيا ، حتى لا يلقاه في الآخرة وله عليه يد يكافئه بها ، وقيل : إنما أعطاه القميص إكراما لابنه وإسعافا له في طلبته وتطييبا لقلبه . والأول أصح ، خرجه البخاري عن جابر بن عبدالله قال : لما كان يوم بدر أتي بأسارى وأتي بالعباس ولم يكن عليه ثوب ، فطلب{[8190]} النبي صلى الله عليه وسلم له قميصا فوجدوا قميص عبدالله بن أبي يقدر عليه ، فكساه النبي صلى الله عليه وسلم إياه ؛ فلذلك نزع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه الذي ألبسه . وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئا وإني لأرجو أن يسلم بفعلي هذا ألف رجل من قومي ] كذا في بعض الروايات ( من قومي ) يريد من منافقي العرب . والصحيح أنه قال : ( رجال من قومه ) . ووقع في مغازي ابن إسحاق وفي بعض كتب التفسير : فأسلم وتاب لهذه الفعلة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف رجل من الخزرج .

السابعة - لما قال تعالى : " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا " قال علماؤنا : هذا نص في الامتناع من الصلاة على الكفار ، وليس فيه دليل على الصلاة على المؤمنين . واختلف هل يؤخذ من مفهومه وجوب الصلاة على المؤمنين على قولين . يؤخذ لأنه علل المنع من الصلاة على الكفار لكفرهم لقوله تعالى : " إنهم كفروا بالله ورسوله " فإذا زال الكفر وجبت الصلاة . ويكون هذا نحو قوله تعالى : " كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون{[8191]} " [ المطففين : 15 ] يعني الكفار ، فدل على أن غير الكفار يرونه وهم المؤمنون ، فذلك مثله . والله أعلم . أو تؤخذ الصلاة من دليل خارج عن الآية ، وهي الأحاديث الواردة في الباب ، والإجماع . ومنشأ الخلاف القول بدليل الخطاب وتركه . روى مسلم عن جابر بن عبدالله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أخا لكم قد مات فقوموا فصلوا عليه ) قال : فقمنا فصففنا{[8192]} صفين ، يعني النجاشي . وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه ، فخرج بهم إلى المصلي وكبر أربع تكبيرات . وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على جنائز المسلمين ، من أهل الكبائر كانوا أو صالحين ، وراثة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم قولا وعملا . والحمد لله . واتفق العلماء على ذلك إلا في الشهيد كما تقدم . وإلا في أهل البدع والبغاة .

الثامنة - والجمهور من العلماء على أن التكبير أربع . قال ابن سيرين : كان التكبير ثلاثا فزادوا واحدة . وقالت طائفة : يكبر خمسا ، وروي عن ابن مسعود وزيد بن أرقم . وعن علي : ست تكبيرات . وعن ابن عباس وأنس بن مالك وجابر بن زيد : ثلاث تكبيرات والمعول عليه أربع . روى الدارقطني عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الملائكة صلت على آدم فكبرت عليه أربعا وقالوا هذه سنتكم يا بني آدم ) .

التاسعة - ولا قراءة في هذه الصلاة في المشهور من مذهب مالك ، وكذلك أبو حنيفة والثوري ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء ) رواه أبو داود من حديث أبي هريرة . وذهب الشافعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن مسلمة وأشهب من علمائنا وداود إلى أنه يقرأ بالفاتحة ؛ لقوله عليه السلام : ( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ) حملا له على عمومه . وبما خرجه البخاري عن ابن عباس وصلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال : لتعلموا أنها سنة . وخرج النسائي من حديث أبي أمامة قال : السنة في الصلاة على الجنائز أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة ، ثم يكبر ثلاثا ، والتسليم عند الآخرة . وذكر محمد بن نصر المروزي عن أبي أمامة أيضا قال : السنة في الصلاة على الجنائز أن تكبر ، ثم تقرأ بأم القرآن ، ثم تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم تخلص الدعاء للميت . ولا يقرأ إلا في التكبيرة الأولى ثم يسلم . قال شيخنا أبو العباس : وهذان الحديثان صحيحان ، وهما ملحقان عند الأصوليين بالمسند . والعمل على حديث أبي أمامة أولى ؛ إذ فيه جمع بين قوله عليه السلام : ( لا صلاة ) وبين إخلاص الدعاء للميت . وقراءة الفاتحة فيها إنما هي استفتاح للدعاء . والله أعلم .

العاشرة - وسنة الإمام أن يقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة ، لما رواه أبو داود عن أنس وصلى على جنازة فقال له العلاء بن زياد : يا أبا حمزة ، هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على الجنائز كصلاتك يكبر أربعا ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة ؟ قال : نعم . ورواه مسلم عن سمرة بن جندب قال : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وصلى على أم كعب ماتت وهي نفساء ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليها وسطها .

الحادية عشرة - قوله تعالى : " ولا تقم على قبره " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له بالتثبيت ، على ما بيناه [ في التذكرة ] والحمد لله .


[8186]:راجع ج 2 ص 113.
[8187]:راجع ص 272 من هذا الجزء.
[8188]:راجع ج 18 ص 268 فما بعد.
[8189]:راجع ج 18 ص 128.
[8190]:في نسخ الأصل: "فنظر".
[8191]:راجع ج 19 ص 257.
[8192]:في ع: فصلينا.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدٗا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ إِنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ} (84)

قوله : { ولا تصل على أحد منهم أبدا } نزلت هذه الآية في شأن الصلاة على عبد الله بن أبي بن سلول ؛ فقد أخرج الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس قال : سمعت عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) يقول : لما توفي عبد الله بن أبي دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه . فقام إليه ، فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولت حتى قمت في صدره فقلت : يا رسول الله أعلى عدو الله عبد الله بن أبي القائل يوم كذا كذا وكذا –يعدد أيامه ؟ - قال : ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم ، حتى إذا أكثرت عليه قال : ( أخر عني يا عمر . إني خيرت فاخترت . قد قيل لي : { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } لو أعلم أني لو زدت على سبعين غفر له لزدت ) قال : ثم صلى عليه ومشى معه وقام على قبره حتى فرغ منه . قال : فعجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فوالله ما كان يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا } الآية ، فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله عز وجل . فيستدل من ذلك على عدم الصلاة على المنافق الذي يظهر للمسلمين أنه منهم ولكنه يكتم في قلبه الكفر .

قوله : { ولا تقم على قبره } كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له بالتثبيت ؛ فقد روي أبو داود بإسناده عن عثمان بن عفان ( رضي الله عنه ) قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال : ( استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت ؛ فإنه الآن يسأل ) .

قوله : { إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون } وهذا تعليل لترك الصلاة على المنافقين أو القيام على قبورهم . وهو أنهم كانوا يخفون في صدورهم الكفر بالله ورسوله ولم يتوبوا عن ذلك ، بل ظلوا على حالهم من الكفر والجحود حتى ماتوا { وهم فاسقون } أي ماتوا وهم خارجون من ملة الإسلام مفارقون أمر الله ورسوله{[1865]} .


[1865]:تفسير الطبري جـ 10 ص 141 وتفسير البيضاوي ص 263.