جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره:"وفي الأرْض قطَعٌ مُتَجاوِرَاتٌ": وفي الأرض قطع منها متقاربات متدانيات يقرب بعضها من بعض بالجوار، وتختلف بالتفاضل مع تجاورها وقرب بعضها من بعض، فمنها قطعة سَبِخة لا تنبت شيئا في جوار قطعة طيبة تنبت وتنفع...
وقوله: "وَجَنّاتٌ مِنْ أعْنابِ وَزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوَانٌ وغيرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ ونُفَضّلُ بَعْضَها على بَعْضٍ فِي الأُكُلِ "يقول تعالى ذكره: وفي الأرض مع القطع المختلفات المعاني منها، بالملوحة والعذوبة، والخبيث والطيب، مع تجاورها وتقارب بعضها من بعض، بساتينُ من أعناب وزرع ونخيل أيضا، متقاربة في الخِلقة مختلفة في الطعوم والألوان، مع اجتماع جميعها على شِرب واحد، فمِنْ طيّبٍ طعمُه منها حَسَنٍ منظره طيبة رائحته، ومِن حامض طعمه ولا رائحة له...
وأما قوله: "ونَخِيلٌ صِنْوَانٌ وغيرُ صِنْوَانٍ "فإن الصنوان: جمع صنو، وهي النخَلات يجمعهن أصل واحد... عن البراء، قال: صِنْوَانٌ: هي النخلة التي إلى جنبها نخلات إلى أصلها، وغيرُ صِنْوَانٍ: النخلة وحدها... عن ابن عباس، قوله: "ونَخِيلٌ صِنْوَانٌ وغيرُ صِنْوانِ" يعني بالصنوان: النخلة يخرج من أصلها النخَلات، فَيحمِل بعضه ولا يحمل بعضه، فيكون أصله واحدا ورؤوسه متفرّقة...
وقوله: «تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ»...: أي جميع ذلك يسقى بماء واحد عذب دون المالح... عن مجاهد، في قوله: «تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ» ماء السماء كمثل صالح بني آدم وخبيثهم أبوهم واحد.
وقوله: "وَنُفَضّلُ بَعْضَها على بَعْضٍ فِي الأُكُلِ"... ومعنى الكلام: أن الجنات من الأعناب والزرع والنخيل، الصنوان وغير الصنوان، تسقى بماء واحد عذب لا ملح، ويخالف الله بين طعوم ذلك، فيفضل بعضها على بعض في الطعم، فهذا حلو وهذا حامض...
وقوله: "إنّ فِي ذلكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" يقول تعالى ذكره: إن في مخالفة الله عزّ وجلّ بين هذا القطع من الأرض المتجاورات وثمار جناتها وزروعها على ما وصفنا وبينا لدليلاً واضحا وعبرة لقوم يعقلون اختلاف ذلك، أن الذي خالف بينه على هذا النحو الذي خالف بينه، هو المخالف بين خلقه فيما قسم لهم من هداية وضلال وتوفيق وخذلان، فوفق هذا وخذل هذا، وهدى ذا وأضلّ ذا، ولو شاء لسوّى بين جميعهم، كما لو شاء سوّى بين جميع أُكل ثمار الجنة التي تشرب شربا واحدا، وتسقى سقيا (واحدا)، وهي متفاضلة في الأكل.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
وأصله أن الأرض واحدة قِطعها متجاورة متصلة بعضها ببعض، والماء واحد. ثم خرجت الثمار والفواكه والزروع مختلفة متفرقة، ليعلم أن ذلك ليس هو عمل الأرض ولا عمل الماء ولا عمل الأسباب والطباع، ولكن باللطف من الله لأنه لو كان بالماء أو بالأرض أو بالأسباب أو الطباع لكانت متفقة مستوية...
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ) لما ذكرنا من وحدانيته وتدبيره وعلمه وحكمته (لقوم يعقلون) أي لقوم همتهم العقل والفهم والنظر والتفكر في الآيات، لا لقوم همتهم العناد والمكابرة، أو لقوم ينتفعون بعقلهم وعملهم...
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المقصود من هذه الآية إقامة الدلالة على أنه لا يجوز أن يكون حدوث الحوادث في هذا العالم لأجل الاتصالات الفلكية، والحركات الكوكبية، وتقريره من وجهين:
الأول: أنه حصل في الأرض قطع مختلفة بالطبيعة والماهية وهي مع ذلك متجاورة، فبعضها تكون سبخية، وبعضها تكون رخوة، وبعضها تكون صلبة، وبعضها تكون منبتة، وبعضها تكون حجرية أو رملية وبعضها يكون طينا لزجا، ثم إنها متجاورة وتأثير الشمس وسائر الكواكب في تلك القطع متساوية، فدل هذا على أن اختلافها في صفاتها بتقدير العليم القدير.
والثاني: أن القطعة الواحدة من الأرض تسقى بماء واحد فيكون تأثير الشمس فيها متساويا، ثم إن تلك الثمار تجيء مختلفة في الطعم واللون والطبيعة والخاصية حتى أنك قد تأخذ عنقودا من العنب فيكون جميع حباته حلوة ناضجة إلا حبة واحدة فإنها بقيت حامضة يابسة... وهذا يدل دلالة قطعية على أن الكل بتدبير الفاعل المختار، لا بسبب الاتصالات الفلكية وهو المراد من قوله سبحانه وتعالى: {يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل} فهذا تمام الكلام في تقرير هذه الحجة وتفسيرها وبيانها. واعلم أن بذكر هذا الجواب قد تمت الحجة فإن هذه الحوادث السفلية لا بد لها من مؤثر، وبينا أن ذلك المؤثر ليس هو الكواكب والأفلاك والطبائع فعند هذا يجب القطع بأنه لا بد من فاعل آخر سوى هذه الأشياء، وعندها يتم الدليل، ولا يبقى بعده للفكر مقام البتة، فلهذا السبب قال ههنا: {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}...
المسألة الثانية: قوله: {وفى الأرض قطع متجاورات} قال أبو بكر الأصم: أرض قريبة من أرض أخرى، واحدة طيبة، وأخرى سبخة، وثالثة حرة، ورابعة رملة، وخامسة تكون حصباء، وسادسة تكون حمراء. وسابعة تكون سوداء. وبالجملة فاختلاف بقاع الأرض في الارتفاع والانخفاض والطباع والخاصية أمر معلوم...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كان الدليل -مع وضوحه- فيه بعض غموض، شرع تعالى في شيء من تفصيل ما في الأرض من الآيات التي هي أبين من ذلك دليلاً ظاهراً جداً على إبطال قول الفلاسفة، فقال: {وفي الأرض} أي التي أنتم سكانها، تشاهدون ما فيها مشاهدة لا تقبل الشك {قطع متجاورات} فهي متحدة البقعة مختلفة الطبع، طيبة إلى سبخة، وكريمة إلى زهيدة، وصلبة إلى رخوة، وصالحة للزرع لا للشجر وعكسها، مع انتظام الكل في الأرضية {وجنات} جمع جنة، وهي البستان الذي تجنه الأشجار {من أعناب} وكأنه قدمها لأن أصنافها -الشاهدة بأن صانعها إنما هو الفعال لما يريد- لا تكاد تحصر حتى أنه في الأصل الواحد يحصل تنوع الثمرة ولذلك جمعها.
ولما كان تفاوت ما أصله الحب أعجب، قال: {وزرع} أي منفرداً -في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحفص عن عاصم بالرفع، وفي خلل الجنات- في قراءة الباقين بالجر.
ولما كان ما جمعه أصل واحد ظاهر أغرب أخر قوله: {ونخيل صنوان} فروع متفرقة على أصل واحد {وغير صنوان} باعتبار افتراق منابتها وأصولها؛ قال أبو حيان: والصنو: الفرع يجمعه وآخر أصل واحد، وأصله المثل، ومنه قيل للعم: صنو وقال الرماني: والصنوان: المتلاصق، يقال: هو ابن أخيه صنو أبيه أي لصيق أبيه في ولادته، وهو جمع صنو، وقيل: الصنوان: النخلات التي أصلها واحد -عن البراء بن عازب وابن عباس ومجاهد وقتادة رضي الله عنهم؛ وقال الحسن رضي الله عنه: الصنوان: النخلتان أصلهما واحد- انتهى...
ولما كان الماء بمنزلة الأب والأرض بمنزلة الأم، وكان الاختلاف مع اتحاد الأب والأم أعجب وأدل على الإسناد إلى الموجد المسبب، لا إلى شيء من الأسباب، قال: {تسقى} أي أرضها الواحدة كلها {بماء واحد} فتخرج أغصانها وثمراتها في وقت معلوم لا يتأخر عنه ولا يتقدم بعد أن يتصعد الماء فيها علوّاً ضد ما في طبعه من التسفل، ثم يتفرق في كل من الورق والأغصان والثمار بقسطه مما فيه صلاحه {ونفضل} أي بما لنا من العظمة المقتضية للطاعة {بعضها} أي بعض تلك الجنات وبعض أشجارها {على بعض} ولما كان التفضيل على أنحاء مختلفة، بين المراد بقوله: {في الأكل} أي الثمر المأكول، ويخالف في المطعوم مع اتحاد الأرض وبعض الأصول، وخص الأكل لأنه أغلب وجوه الانتفاع، وهو منبه على اختلاف غيره من الليف والسعف واللون للمأكول والطعم والطبع والشكل والرائحة والمنفعة وغيرها مع أن نسبة الطبائع والاتصالات الفلكية إلى جميع الثمار على حد سواء لا سيما إذا رأيت العنقود الواحد جميع حباته حلوة نضيجة كبيرة إلا واحدة فإنها حامضة صغيرة يابسة.
ولما كان المراد في هذا السياق -كما تقدم- تفصيل ما نبه على كثرته بقوله: {وكأين من آية في السماوات والأرض} الآية، قال: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم الذي تقدم {لآيات} بصيغة الجمع فإنها بالنظر إلى تفصيلها بالعطف جمع وإن كانت بالنظر إلى الماء مفردة، وهذا بخلاف ما يأتي في النحل لأن المحدث عنه هناك الماء، وهنا ما ينشأ عنه، فلما اختلف المحدث عنه كان الحديث بحسبه، فالمعنى: دلالات واضحات على أن ذلك كله فعل واحد مختار عليم قادر على ما يريد من ابتداء الخلق ثم تنويعه بعد إبداعه، فهو قادر على إعادته بطريق الأولى.
ولما كانت هذه المفصلة أظهر من تلك المجملة، فكانت من الوضوح بحال لا يحتاج ناظره في الاعتبار به إلى غير العقل، قال: {لقوم} أي ذوي قوة على ما يحاولونه {يعقلون} فإنه لا يمكن التعبير في وجه هذه الدلالة إلا بأن يقال هذه الحوادث السفلية حدثت بغير محدث، فيقال للقائل: وأنت لا عقل لك، لأن العلم بافتقار الحادث إلى المحدث ضرورة، فعدم العلم بالضروري يستلزم عدم العقل.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
لله بلاغة القرآن في تغيير الأسلوب عند الانتقال إلى ذكر النعم الدالة على قدرة الله تعالى فيما ألهم الناس من العمل في الأرض بفلحها وزرعها وغرسها والقيام عليها، فجاء ذلك معطوفاً على الأشياء التي أسند جَعْلها إلى الله تعالى، ولكنه لم يسند إلى الله حتى بلغ إلى قوله: {ونفضل بعضها على بعض في الأكل}، لأن ذلك بأسرار أودعها الله تعالى فيها هي موجب تفاضلها. وأمثال هذه العِبر، ولَفْتِ النظر مما انفرد به القرآن من بين سائر الكتب. وأعيد اسم {الأرض} الظاهر دون ضميرها الذي هو المقتضَى ليستقل الكلام ويتجدد الأسلوب، وأصل انتظام الكلام أن يقال: جَعل فيها زوجين اثنين، وفيها قطعٌ متجاورات، فعدل إلى هذا توضيحاً وإيجازاً. والقِطع: جمع قِطعة بكسر القاف، وهي الجزء من الشيء تشبيهاً لها بما يقتطع. وليس وصف القِطع بمتجاورات مقصوداً بالذات في هذا المقام إذ ليس هو محل العبرة بالآيات، بل المقصود وصفٌ محذوف دل عليه السياق تقديره؛ مختلفات الألوان والمنابت، كما دل عليه قوله: {ونفضل بعضها على بعض في الأكل}. وإنما وصفت بمتجاورات لأن اختلاف الألوان والمنابت مع التجاور أشد دلالة على القدرة العظيمة، وهذا كقوله تعالى: {ومن الجبال جُدَدٌ بِيض وحُمر مختلفٌ ألوانها وغرابيب سود} [فاطر: 27]. فمعنى {قطع متجاورات} بقاعٌ مختلفة مع كونها متجاورةً متلاصقة. والاقتصار على ذكر الأرض وقِطعها يشير إلى اختلاف حاصل فيها عن غير صنع الناس وذلك اختلاف المراعي والكلأ. ومجرد ذكر القطَع كاف في ذلك فأحالهم على المشاهدة المعروفة من اختلاف منابت قطع الأرض من الأبّ والكلإ وهي مراعي أنعامهم ودوابّهم، ولذلك لم يقع التعرض هنا لاختلاف أُكله إذ لا مذاق للآدمي فيه ولكنه يختلف شَرعهُ بعض الحيوان على بعضه دون بعض. وتقدم الكلام على {وجنات من أعناب} عند قوله تعالى: {ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب} [الأنعام: 99]. والزرع تقدم في قوله: {والنخل والزرع مختلفا أكله} [الأنعام: 141]. والنخيل: اسم جمع نخلة مثل النخل، وتقدم في تلك الآية، وكلاهما في سورة الأنعام. والزرع يكون في الجنات يزرع بين أشجارها... وصنوان: جمع صِنو بكسر الصاد في الأفصح فيهما وهي لغة الحجاز، وبضمها فيهما أيضاً وهي لغة تميم وقيسٍ. والصنو: النخلة المجتمعة مع نخلة أخرى نابتتين في أصل واحد أو نخلات... وخصّ النخل بذكر صفة صنوان لأن العبرة بها أقوى. ووجه زيادة {وغير صنوان} تجديد العبرة باختلاف الأحوال... والسقي: إعطاء المشروب. والمراد بالماء هنا ماء المطر وماء الأنهار وهو واحد بالنسبة للمسقى ببعضه. والتفضيل: منة بالأفضل وعبرة به وبضده وكناية عن الاختلاف... والأُكْل: بضم الهمزة وسكون الكاف هو المأكول. ويجوز في اللغة ضم الكاف. وظرفية التفضيل في {الأكل} ظرفية في معنى الملابسة لأن التفاضل يظهر بالمأكول، أي نفضل بعض الجنات على بعض أو بعض الأعناب والزرع والنخيل على بعض من جنسه بما يثمره. والمعنى أن اختلاف طعومه وتفاضلها مع كون الأصل واحداً والغذاء بالماء واحداً ما هو إلا لقوى خفيّة أودعها الله فيها فجاءت آثارها مختلفة. ومن ثم جاءت جملة {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} مجيء التذييل. وأشار قوله: {ذلك} إلى جميع المذكور من قوله: {وهو الذي مدّ الأرض} [سورة الرعد: 3]. وقد جعل جميع المذكور بمنزلة الظرف للآيات. وجعلت دلالته على انفراده تعالى بالإلهية دلالات كثيرة إذ في كل شيء منها آية تدل على ذلك. ووصفت الآيات بأنها من اختصاص الذين يعقلون تعريضاً بأن من لم تقنعهم تلك الآيات منزّلون منزلة من لا يعقل. وزيد في الدلالة على أن العقل سجية للذين انتفعوا بتلك الآيات بإجراء وصف العقل على كلمة {قَوم} إيماء إلى أن العقل من مقومات قوميتهم كما بيناه في الآية قبلها...
... أعلم أنه لا يوجد شيء أو أمر مفضل على إطلاقه، وأمر آخر مفضول على إطلاقه، فما دمنا نفضل بعضه على البعض الآخر؛ فهذا يعني أن كلاً منهما مفضل في ناحية، ومفضول عليه في ناحية أخرى...
الأولى : قوله تعالى : " وفي الأرض قطع متجاورات " " وفي الأرض قطع متجاورات " في الكلام حذف ، المعنى : وفي الأرض قطع متجاورات وغير متجاورات ، كما قال : " سرابيل تقيكم الحر{[9330]} " والمعنى : وتقيكم البرد ، ثم حذف لعلم السامع . والمتجاورات المدن وما كان عامرا ، وغير متجاورات الصحارى وما كان غير عامر .
الثانية : " متجاورات " أي قرى متدانيات ، ترابها واحد ، وماؤها واحد ، وفيها زروع وجنات ، ثم تتفاوت في الثمار والتمر ، فيكون البعض حلوا ، والبعض حامضا ، والغصن الواحد من الشجرة قد يختلف الثمر فيه من الصغر والكبر واللون والمطعم ، وإن انبسط الشمس والقمر على الجميع على نسق واحد ، وفي هذا أدل دليل على وحدانيته وعظم صمديته ، والإرشاد لمن ضل عن معرفته ، فإنه نبه سبحانه بقوله : " تسقى بماء واحد " على أن ذلك كله ليس إلا بمشيئته وإرادته ، وأنه مقدور بقدرته ، وهذا أدل دليل على بطلان القول بالطبع ؛ إذ لو كان ذلك بالماء والتراب والفاعل له الطبيعة لما وقع الاختلاف . وقيل : وجه الاحتجاج أنه أثبت التفاوت بين البقاع ، فمن تربة عذبة ، ومن تربة سبخة مع تجاورهما ، وهذا أيضا من دلالات كمال قدرته ، جل وعز تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا .
الثالثة : ذهبت الكفرة - لعنهم الله - إلى أن كل حادث يحدث بنفسه لا من صانع ، وادعوا ذلك في الثمار الخارجة من الأشجار ، وقد أقروا بحدوثها ، وأنكروا محدثها ، وأنكروا الأعراض . وقالت فرقة : بحدوث الثمار لا من صانع ، وأثبتوا للأعراض فاعلا ، والدليل على أن الحادث لا بد له من محدث أنه يحدث في وقت ، ويحدث ما هو من جنسه في وقت آخر ، فلو كان حدوثه في وقته لاختصاصه به ، لوجب أن يحدث في وقته كل ما هو من جنسه ، وإذا بطل اختصاصه بوقته صح أن اختصاصه به لأجل مخصص خصصه به ، ولولا تخصيصه إياه به لم يكن حدوثه في وقته أولى من حدوثه قبل ذلك أو بعده ، واستيفاء هذا في علم الكلام .
الرابعة : قوله تعالى : " وجناتٌ من أعناب " قرأ الحسن " وجناتٍ " بكسر التاء ، على التقدير : وجعل فيها جنات ، فهو محمول على قوله : " وجعل فيها رواسي " . ويجوز أن تكون مجرورة على الحمل على " كل " التقدير : ومن كل الثمرات ، ومن جنات . الباقون " جنات " بالرفع على تقدير : وبينهما جنات . " وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان " بالرفع . ابن كثير وأبو عمرو وحفص عطفا على الجنات ، أي على تقدير : وفي الأرض زرع ونخيل . وخفضها الباقون نسقا على الأعناب ، فيكون الزرع والنخيل من الجنات ، ويجوز أن يكون معطوفا على " كل " حسب ما تقدم في " وجنات " . وقرأ مجاهد والسلمي وغيرهما " صنوان " بضم الصاد ، الباقون بالكسر ، وهما لغتان ، وهما جمع صنو ، وهي النخلات والنخلتان ، يجمعهن أصل واحد ، وتتشعب منه رؤوس فتصير نخيلا ؛ نظيرها قنوان ، واحدها قنو . وروى أبو إسحاق عن البراء قال : الصنوان المجتمع ، وغير الصنوان المتفرق ، النحاس : وكذلك هو في اللغة ، يقال للنخلة إذا كانت فيها نخلة أخرى أو أكثر صنوان . والصنو المثل ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( عم الرجل صنوُ أبيه ) . ولا فرق فيها بين التثنية والجمع ولا بالإعراب ، فتعرب نون الجمع ، وتكسر نون التثنية ، قال الشاعر :
العلمُ والحلمُ خُلَّتَا كَرَمٍ *** للمرءِ زينٌ هُمَا اجتمعَا
صنوانِ لا يَسْتَتِمُّ حسنُهُمَا *** إلا بجمع ذا وذاك مَعَا
الخامسة : قوله تعالى : " يسقى بماء واحد " كصالح بني آدم وخبيثهم ، أبوهم واحد ، قاله النحاس والبخاري . وقرأ عاصم وابن عامر : " يسقى " بالياء ، أي يسقى ذلك كله . وقرأ الباقون بالتاء ، لقوله : " جنات " واختاره أبو حاتم وأبو عبيدة ، قال أبو عمرو : والتأنيث أحسن ، " ونفضل بعضها على بعض في الأكل " ولم يقل بعضه . وقرأ حمزة والكسائي وغيرهما " ويُفَضِّل " بالياء ردا على قوله : " يدبر الأمر " [ الرعد : 2 ] و " يفصل " [ الرعد : 2 ] و " يغشي " [ الرعد :3 ] الباقون بالنون على معنى : ونحن نفضل . وروى جابر بن عبد الله قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لعلي رضي الله عنه : ( الناس من شجر شتى وأنا وأنت من شجرة واحدة ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم " وفي الأرض قطع متجاورات " حتى بلغ قوله : " يسقى بماء واحد " ) و " الأكل " الثمر . قال ابن عباس : يعني الحلو والحامض والفارسي{[9331]} والدقل{[9332]} . وروي مرفوعا من حديث أبي هريرة ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قوله تعالى : " ونفضل بعضها على بعض في الأكل " قال : الفارسي والدقل والحلو والحامض ) ذكره الثعلبي . قال الحسن : المراد بهذه الآية المثل ، ضربه الله تعالى لبني آدم ، أصلهم واحد ، وهم مختلفون في الخير والشر . والإيمان والكفر ، كاختلاف الثمار التي تسقى بماء واحد ، ومنه قول الشاعر :
الناسُ كالنَّبْتِ والنبتُ ألوانُ *** منها شجرُ الصَّنْدَل والكافورِ والبَانِ
ومنها شجر ينضحُ طولَ الدهر قطرانُ
" إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون " أي لعلامات لمن كان له قلب يفهم عن الله تعالى .