الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ} (194)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{الشهر الحرام بالشهر الحرام}: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ساروا إلى مكة محرمين بعمرة، ومن كان معه عام الحديبية، لست سنين من هجرته إلى المدينة، فصدهم مشركو مكة، وأهدى أربعين بدنة، ويقال: مائة بدنة، فردوه وحبسوه شهرين لا يصل إلى البيت، وكانت بيعة الرضوان عامئذ، فصالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على أن ينحر الهدي مكانه في أرض الحرم ويرجع فلا يدخل مكة، فإذا كان العام المقبل خرجت قريش من مكة، وأخلوا له مكة ثلاثة أيام، ليس مع المسلمين سلاح إلا في غمده، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم توجه من فوره ذلك إلى خيبر، فافتتحها في المحرم، ثم رجع إلى المدينة، فلما كان العام المقبل، وأحرم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعمرة في ذي القعدة وأهدوا. ثم أقبلوا من المدينة، فأخلى لهم المشركون مكة ثلاثة أيام، وأدخلهم الله عز وجل مكة، فقضوا عمرتهم ونحروا البدن، فأنزل الله عز وجل: {الشهر الحرام} الذي دخلتم فيه مكة هذا العام {بالشهر الحرام}، يعني الذي صدوكم فيه العام الأول. { {والحرمات قصاص}: يعني اقتصصت لك منهم في الشهر الحرام، يعني في ذي القعدة كما صدوكم في الشهر الحرام، وذلك أنهم فرحوا وافتخروا حين صدوا النبي صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام، فأدخله الله عز وجل من قابل. ثم قال سبحانه: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه}، وذلك أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أهلوا إلى مكة محرمين بعمرة، فخافوا ألا يفي لهم المشركون بدخول المسجد الحرام، وأن يقاتلوهم عنده، فأنزل الله عز وجل: {فمن اعتدى عليكم} فقاتلكم في الحرم، {فاعتدوا عليه}: فقاتلوهم فيه، {بمثل ما اعتدى عليكم} فيه، {واتقوا الله}: يعني المؤمنين، ولا تبدؤوهم بالقتال في الحرم، فإن بدأ المشركون فقاتلوهم، {واعلموا أن الله}: في النصر {مع المتقين} الشرك، فخبرهم أنه ناصرهم...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يعني بقوله جل ثناؤه:"الشّهْرُ الحَرَامُ بالشّهْرِ الحَرَامِ" ذا القعدة، وهو الشهر الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر فيه عمرة الحديبية، فصده مشركو أهل مكة عن البيت ودخول مكة، وكان ذلك سنة ستّ من هجرته، وصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين في تلك السنة، على أن يعود من العام المقبل، فيدخل مكة ويقيم ثلاثا، فلما كان العام المقبل، وذلك سنة سبع من هجرته خرج معتمرا وأصحابه في ذي القعدة، وهو الشهر الذي كان المشركون صدّوه عن البيت فيه في سنة ستّ، وأخلى له أهل مكة البلد، حتى دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى حاجته منها، وأتمّ عمرته، وأقام بها ثلاثا، ثم خرج منها منصرفا إلى المدينة، فقال الله جل ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمسلمين معه: الشّهْرُ الحَرَامُ يعني ذا القعدة الذي أوصلكم الله فيه إلى حرمه وبيته على كراهة مشركي قريش ذلك حتى قضيتم منه وطركم بالشّهْرِ الحَرَامِ الذي صدكم مشركو قريش العام الماضي قبله فيه، حتى انصرفتم عن كره منكم عن الحرم، فلم تدخلوه ولم تصلوا إلى بيت الله، فأقصكم الله أيها المؤمنون من المشركين بإدخالكم الحرم في الشهر الحرام على كره منهم لذلك، بما كان منهم إليكم في الشهر الحرام من الصدّ والمنع من الوصول إلى البيت. "وَالحُرُماتُ قِصَاصٌ": هم المشركون حبسوا محمدا صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة، فرجعه الله في ذي القعدة، فأدخله البيت الحرام، فاقتصّ له منهم.

قال ابن زيد في قوله: "الشّهْرُ الحَرَامُ بالشّهْرِ الحَرَامِ... "حتى فرغ من الآية. قال: هذا كله قد نسخ، أمره أن يجاهد المشركين. وقرأ: (قاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافّةً كمَا يُقاتِلُونَكُمْ كافّةً) وقرأ: (قاِتلُوا الّذِين يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفّارِ) العرب، فلما فرغ منهم، قال الله جل ثناؤه: (قاتِلُوا الّذِينَ لا يُؤْمِنُونِ باللّهِ وَلا بالْيَوْمِ الاَخِرِ وَلا يُحَرّمونَ ما حَرمَ الله ورَسُولُهُ) حتى بلغ قوله: (وَهُمْ صَاغِرُونَ) قال: وهم الروم قال: فوجه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم...

وإنما سمى الله جل ثناؤه ذا القعدة الشهر الحرام، لأن العرب في الجاهلية كانت تحرّم فيه القتال والقتل وتضع فيه السلاح، ولا يقتل فيه أحد أحدا ولو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه. وإنما كانوا سموه ذا القعدة لقعودهم فيه عن المغازي والحروب، فسماه الله بالاسم الذي كانت العرب تسميه به.

وأما الحرمات فإنها جمع حرمة كالظلمات جمع ظلمة، والحجرات جمع حجرة.

وإنما قال جل ثناؤه: "والحُرُماتُ قِصَاصٌ" فجمع، لأنه أراد الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام، فقال جل ثناؤه لنبيه محمد والمؤمنين معه: دخولكم الحرم بإحرامكم هذا في شهركم هذا الحرام قصاص مما منعتم من مثله عامكم الماضي، وذلك هو الحرمات التي جعلها الله قصاصا.

وقد بينا أن القصاص هو المجازاة من جهة الفعل أو القول أو البدن، وهو في هذا الموضع من جهة الفعل.

{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}؛

اختلف أهل التأويل فيما نزل فيه قوله: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدَى عَلَيْكُمْ. فقال بعضهم:... عن ابن عباس قوله: "فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدَى عَلَيْكُمْ": فهذا ونحوه نزل بمكة والمسلمون يومئذ قليل، وليس لهم سلطان يقهر المشركين، وكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى، فأمر الله المسلمين من يجازي منهم أن يجازي بمثل ما أوتي إليه أو يصبر أو يعفو فهو أمثل فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأعزّ الله سلطانه أمر المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سلطانهم، وأن لا يعدو بعضهم على بعض كأهل الجاهلية.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فمن قاتلكم أيها المؤمنون من المشركين، فقاتلوهم كما قاتلوكم. وقالوا: نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وبعد عمرة القضية...قال مجاهد: "فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدَى عَلَيْكُمْ": فقاتلوهم فيه كما قاتلوكم.

وأشبه التأويلين بما دلّ عليه ظاهر الآية الذي حكي عن مجاهد، لأن الآيات قبلها إنما هي أمر من الله للمؤمنين بجهاد عدوّهم على صفة، وذلك قوله: "وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ" والآيات بعدها، وقوله: "فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فاعْتَدُوا عَلَيْهِ" إنما هو في سياق الآيات التي فيها الأمر بالقتال والجهاد، والله جل ثناؤه إنما فرض القتال على المؤمنين بعد الهجرة فمعلوم بذلك أن قوله: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) مدني لا مكي، إذ كان فرض قتال المشركين لم يكن وجب على المؤمنين بمكة، وأن قوله: "فَمَن اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدَى عَلَيْكُمْ"، وأن معناه: فمن اعتدى عليكم في الحرم فقاتلكم فاعتدوا عليه بالقتال نحو اعتدائه عليكم بقتاله إياكم، لأني قد جعلت الحرمات قصاصا، فمن استحلّ منكم أيها المؤمنون من المشركين حرمة في حرمي، فاستحلوا منه مثله فيه.

وهذه الآية منسوخة بإذن الله لنبيه بقتال أهل الحرم ابتداء في الحرم وقوله: (وَقاتِلُوا المُشْركِين كافّةً) على نحو ما ذكرنا من أنه بمعنى المجازاة وإتباع لفظ لفظا وإن اختلف معنياهما، كما قال: "وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّهُ" وقد قال: "فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنُهمْ" وما أشبه ذلك مما أتبع لفظ لفظا واختلف المعنيان.

والاَخر أن يكون بمعنى العَدْوِ الذي هو شدّ ووثوب من قول القائل: عدا الأسد على فريسته. فيكون معنى الكلام: فمن عدا عليكم: أي فمن شدّ عليكم ووثب بظلم، فاعدوا عليه: أي فشدّوا عليه وثبوا نحوه قصاصا لما فعل بكم لا ظلما.

{وَاتّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أن اللّهَ مَعَ المُتّقِين}: واتقوا الله أيها المؤمنون في حرماته وحدوده أن تعتدوا فيها فتتجاوزوا فيها ما بينه وحده لكم، واعلموا أن الله يحبّ المتقين الذين يتقونه بأداء فرائضه وتجنب محارمه.

الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :

والحرمة: ما يجب حفظه وترك انتهاكه...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

الأشهر الحرم أربعة: رجب، وهو فرد، وثلاثة أشهر سرد: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. والمراد هاهنا: ذو القعدة، وهو شهر الصد عام الحديبة...

وقوله:"والحرامات قصاص" قيل في معناه قولان:

أحدهما -"الحرامات قصاص "بالمراغمة بدخول البيت في الشهر الحرام. قال مجاهد: لأن قريشا فخرت بردها رسول الله (صلى الله عليه وآله)- يوم الحديبة -محرما- في ذي القعدة -عن البلد الحرام، فأدخله الله عز وجل مكة في العام المقبل في ذي القعدة، فقضى عمرته، وأقصه بما حيل بينه وبينه يوم الحديبة، وهو معنى قول قتادة، والضحاك، والربيع، وابن زيد. وروي عن ابن عباس، وأبي جعفر محمد بن علي (ع) مثله.

والقول الثاني- "والحرمات قصاص" بالقتال في الشهر الحرام، أي لا يجوز للمسلمين إلا قصاصا...

وإنما جمع الحرمات لأحد أمرين:

أحدهما -أنه يريد حرمة الشهر، وحرمة البلد، وحرمة الإحرام.

[و] الثاني- كل حرمة تستحل، فلا يجوز إلا على وجه المجازاة...

والحرام: هو القبيح الممنوع من فعله. والحلال: المطلق المأذون فيه...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

قال الحسن بن أبي الحسن: نزلت الآية في أن الكفار سألوا النبي صلى الله عليه وسلم هل يقاتل في الشهر الحرام؟ فأخبرهم أنه لا يقاتل فيه، فهموا بالهجوم عليه فيه وقتل من معه حين طمعوا أنه لا يدافع فيه، فنزلت: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص}، أي هو عليكم في الامتناع من القتال أو الاستباحة بالشهر الحرام عليهم في الوجهين، فأيَّه سلكوا فاسلكوا...

و {الحرمات} على هذا جمع حرمة عموماً: النفس والمال والعرض وغير ذلك...

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

...

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْله تَعَالَى: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}. هَذِهِ مَسْأَلَةٌ بِكْرٌ. قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: إنَّمَا سُمِّيَ الْفِعْلُ الثَّانِي اعْتِدَاءً، وَهُوَ مَفْعُولٌ بِحَقٍّ، حَمْلًا لِلثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ. قَالُوا: وَعَلَى هَذَا جَاءَ قَوْله تَعَالَى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}. وَاَلَّذِي أَقُولُ فِيهِ: إنَّ الثَّانِيَ كَالْأَوَّلِ فِي الْمَعْنَى وَاللَّفْظِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الِاعْتِدَاءِ فِي اللُّغَةِ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ مَوْجُودٌ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي؛ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْمُتَعَلِّقُ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ؛ فَالْأَوَّلُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالثَّانِي مَأْمُورٌ بِهِ، وَتَعَلُّقُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لَا يُغَيِّرُ الْحَقَائِقَ وَلَا يَقْلِبُ الْمَعَانِيَ؛ بَلْ إنَّهُ يُكْسِبُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْأَمْرُ وَصْفَ الطَّاعَةِ وَالْحُسْنِ، وَيُكْسِبُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ النَّهْيُ وَصْفَ الْمَعْصِيَةِ وَالْقُبْحِ؛ وَكِلَا الْفِعْلَيْنِ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَكِلَا الْفِعْلَيْنِ يَسُوءُ الْوَاقِعُ بِهِ، وَأَحَدُهُمَا حَقٌّ وَالْآخَرُ بَاطِلٌ.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

والحاصل... أن حرمة الشهر الحرام لما لم تمنعهم عن الكفر والأفعال القبيحة، فكيف جعلوه سببا في أن يمنع للقتال من شرهم وفسادهم؟

ثم قال: {واعلموا أن الله مع المتقين} أي بالمعونة والنصرة والحفظ والعلم.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}: أمْر بالعدل حتى في المشركين...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

قال الحرالي: ففي ضمنه إشعار وتطريق لمقصد السماح الذي هو خير الفضائل من وصل القاطع والعفو عن الظالم، ولما كان في هذه التقوى خروج عن حظ النفس أعلمهم أنه تعالى يكون عوضاً لهم من أنفسهم بما اتقوا وداوموا على التقوى حتى كانت وصفاً لهم فأعلمهم بصحبته لهم...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

لما خرج المؤمنون مع النبي صلى الله عليه وسلم للنسك عام الحديبية صدهم المشركون وقاتلوهم رميا بالسهام والحجارة، وكان ذلك في ذي القعدة من الأشهر الحرام سنة ست، ولو قابلهم المسلمون عامئذ بالمثل ولم يرض النبي بالصلح لاحتدم القتال، ولما خرجوا في العام الآخر لعمرة القضاء، وكرهوا قتال المشركين وإن اعتدوا ونكثوا العهد في الشهر الحرام، بين لهم أن المحظور في الأشهر الحرم إنما هو الاعتداء بالقتال دون المدافعة، وأن ما عليه المشركون من الإصرار على الفتنة وإيذاء المؤمنين لأنهم مؤمنون هو أشد قبحا من القتل لإزالة الضرر العام وهو منعهم الحق وتأييدهم الشرك.

ثم بين قاعدة عظيمة معقولة وهي أن الحرمات أي ما يجب احترامه والمحافظة عليه يجب أن يجري فيه القصاص والمساواة فقال {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص} ذكر هذه القاعدة حجة لوجوب مقاصد المشركين على انتهاك الشهر الحرام بمقابلتهم بالمثل، ليكون شهر بشهر جزاء وفاقا. وفي الجملة: والحرمات قصاص. من الإيجاز ما ترى حسنه وإبداعه. ثم صرح بالأمر بالاعتداء على المعتدي مع مراعاة المماثلة وإن كان يفهم مما قبله لمكان كراهيتهم للقتال في الحرم والشهر الحرام فقال تعريفا على القاعدة وتأييدا للحكم {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} وإنما يحقق هذا فيما تتأتى فيه المماثلة. وسمى الجزاء اعتداء للمشاركة، وقد استدل الإمام الشافعي بالآية على وجوب قتل القاتل بمثل ما قتل به بأن يذبح إذا ذبح، ويخنق إذا خنق، ويغرق إذا أغرق، وهكذا. وقال مثل ذلك في الغصب والإتلاف. والقصد أن يكون الجزاء على قدر الاعتداء بلا حيف ولا ظلم، وأزيد على هذا ما هو أولى بالمقام وهو المماثلة في قتال الأعداء كقتال المجرمين بلا ضعف ولا تقصير، فالمقاتل بالمدافع والقذائف النارية والغازية السامة يجب أن يقاتل بها، وإلا فاتت الحكمة لشرعية القتال وهي منع الظلم والعدوان، والفتنة والاضطهاد، وتقرير الحرية والأمان، والعدل والإحسان. وهذه الشروط والآداب لا توجد إلا في الإسلام، ولذلك قال تعالى بعد شرح القصاص والمماثلة {واتقوا الله} فلا تعتدوا على أحد ولا تبتغوا ولا تظلموا في القصاص بأن تزيدوا في الإيذاء. وأكد الأمر بالتقوى بما بين من مزيتها وفائدتها فقال {واعلموا أن الله مع المتقين} بالمعونة والتأييد، فإن المتقي هو صاحب الحق وبقاؤه هو الأصلح، والعاقبة له في كل ما ينازعه به الباطل، لأن من أصول التقوى اتقاء جميع أسباب الفشل والخذلان.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ثم يبين حكم القتال في الأشهر الحرم كما بين حكمه عند المسجد الحرام:

(الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص. فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، واتقوا الله، واعلموا أن الله مع المتقين)..

فالذي ينتهك حرمة الشهر الحرام جزاؤه أن يحرم الضمانات التي يكفلها له الشهر الحرام. وقد جعل الله البيت الحرام واحة للأمن والسلام في المكان؛ كما جعل الأشهر الحرم واحة للأمن والسلام في الزمان. تصان فيها الدماء، والحرمات والأموال، ولا يمس فيها حي بسوء. فمن أبى أن يستظل بهذه الواحة وأراد أن يحرم المسلمين منها، فجزاؤه أن يحرم هو منها. والذي ينتهك الحرمات لا تصان حرماته، فالحرمات قصاص.. ومع هذا فإن إباحة الرد والقصاص للمسلمين توضع في حدود لا يعتدونها. فما تباح هذه المقدسات إلا للضرورة وبقدرها:

(فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)..

بلا تجاوز ولا مغالاة.. والمسلمون موكولون في هذا إلى تقواهم. وقد كانوا يعلمون -كما تقدم- أنهم إنما ينصرون بعون الله. فيذكرهم هنا بأن الله مع المتقين. بعد أمرهم بالتقوى.. وفي هذا الضمان كل الضمان..

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

و لقد استعد النبي صلى الله عليه وسلم للقتال في الشهر الحرام مرتين،

إحداهما عام الحديبية عندما ذهب معتمرا هو وصحبه ومنعوه من البيت الحرام، حتى هم بقتالهم إن بدأوه بالقتال، ولكنه صالحهم على الدخول من قابل، والثانية عندما عاد إلى قضاء عمرته، فلقد كان على استعداد لأن يقاتل المشركين إن قاتلوه على ألا يبدأهم، وكان ذلك في ذي القعدة في العامين...

ولقد ابتدأ في العام الثامن مع هوزان وحنين في الأشهر الحلال، ولكن استمر القتال حتى دخل ذو القعدة الشهر الحرام، والنبي صلى الله عليه وسلم يحاصرهم، وقد استمر النبي صلى الله عليه وسلم في الحصار أياما ثم قفل راجعا احتراما للشهر الحرام، ولعل الأيام التي استمرها لينظم الرجوع ويأمن ظهره، وحتى لا يأخذه في رجعته عدو الله وعدوه.

هذه حقائق مقررة ثابتة تبين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرم على نفسه ابتداء القتال في الشهر الحرام إلا أن يقاتل فيقاتل، ولقد تقرر التحريم بالقرآن الكريم في أكثر من آية، منها قوله تعالى في أول سورة المائدة، وهي من آخر القرآن نزولا: [يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد...2] (المائدة)...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَاتَّقُواْ اللّه} ثُمَّ أمر بالتقوى تدليلاً على أنَّ الوقوف أمام حدود اللّه والالتزام بالخطّ الفاصل بين العدل والظلم يرتكز على أساس التقوى الداخلية، التي يشعر الإنسان معها بالمسؤولية الدائمة أمام اللّه في كلّ مواقفه العامة والخاصة، في ما له من الحقّ وما عليه، فيقف حيث يريد اللّه منه أن يقف، ويتحرّك حيث يريد اللّه منه أن يتحرّك. فإنَّ الإنسان الذي لا يعيش حسّ التقوى في نفسه، قد ينجرف أمام نوازع النفس الذاتية التي توحي بالعصبية والانتقام والتشفّي والحقد، وغير ذلك ما يجعل الإنسان يأخذ أكثر مما له من الحقّ أو يعطي أقل ممّا عليه من الحقّ...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ} (194)

فيه عشر مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " الشهر الحرام " قد تقدم اشتقاق الشهر{[1682]} . وسبب نزولها ما روي عن ابن عباس وقتادة ومجاهد ومقسم والسدي والربيع والضحاك وغيرهم قالوا : نزلت في عمرة القضية وعام الحديبية ، [ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا حتى بلغ الحديبية ]{[1683]} في ذي القعدة سنة ست ، فصده المشركون كفار قريش عن البيت فانصرف ، ووعده الله سبحانه أنه سيدخله ، فدخله سنة سبع وقضى نسكه ، فنزلت هذه الآية . وروي عن الحسن أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أنهيت يا محمد عن القتال في الشهر الحرام ؟ قال : ( نعم ) . فأرادوا قتاله ، فنزلت الآية . المعنى : إن استحلوا ذلك فيه فقاتلهم ، فأباح الله بالآية مدافعتهم ، والقول الأول أشهر وعليه الأكثر .

الثانية : قوله تعالى : " والحرمات قصاص " الحرمات جمع حرمة ، كالظلمات جمع ظلمة ، والحجرات جمع حجرة . وإنما جمعت الحرمات لأنه أراد حرمة الشهر الحرام وحرمة البلد الحرام ، وحرمة الإحرام . والحرمة : ما منعت من انتهاكه . والقصاص المساواة ، أي اقتصصت لكم منهم إذ صدوكم سنة ست فقضيتم العمرة سنة سبع . ف " الحرمات قصاص " على هذا متصل بما قبله ومتعلق . به . وقيل : هو مقطوع منه ، وهو ابتداء أمر كان في أول الإسلام : إن من انتهك حرمتك نلت منه مثل ما اعتدى عليك ، ثم نسخ ذلك بالقتال . وقالت طائفة : ما تناولت الآية من التعدي بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم والجنايات ونحوها لم ينسخ ، وجاز لمن تعدي عليه في مال أو جرح أن يتعدى بمثل ما تعدي به عليه إذا خفي{[1684]} له ذلك ، وليس بينه وبين الله تعالى في ذلك شيء ، قاله الشافعي وغيره ، وهي رواية في مذهب مالك . وقالت طائفة من أصحاب مالك : ليس ذلك له ، وأمور القصاص وقف على الحكام . والأموال يتناولها قوله صلى الله عليه وسلم : ( أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ) . خرجه الدارقطني وغيره . فمن ائتمنه من خانه فلا يجوز له أن يخونه ويصل إلى حقه مما ائتمنه عليه ، وهو المشهور من المذهب ، وبه قال أبو حنيفة تمسكا بهذا الحديث ، وقوله تعالى : " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها{[1685]} " [ النساء : 58 ] . وهو قول عطاء الخراساني . قال قدامة بن الهيثم : سألت عطاء بن ميسرة الخراساني فقلت له : لي على رجل حق ، وقد جحدني به وقد أعيا علي البينة ، أفأقتص من ماله ؟ قال : أرأيت لو وقع بجاريتك ، فعلمت ما كنت صانعا .

قلت : والصحيح جواز ذلك كيف ما توصل إلى أخذ حقه ما لم يعد سارقا ، وهو مذهب الشافعي وحكاه الداودي عن مالك ، وقال به ابن المنذر ، واختاره ابن العربي ، وأن ذلك ليس خيانة وإنما هو وصول إلى حق . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ) وأخذ الحق من الظالم نصر له . وقال صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان لما قالت له : إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه ، فهل علي جناح ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خذي ما يكفيك ويكفي ولدك بالمعروف ) . فأباح لها الأخذ وألا تأخذ إلا القدر الذي يجب لها . وهذا كله ثابت في الصحيح .

قوله تعالى : " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " قاطع في موضع الخلاف .

الثالثة : واختلفوا إذا ظفر له بمال من غير جنس ماله ، فقيل : لا يأخذ إلا بحكم الحاكم . وللشافعي قولان ، أصحهما الأخذ ، قياسا على ما لو ظفر له من جنس ماله . والقول الثاني لا يأخذ لأنه خلاف الجنس . ومنهم من قال : يتحرى قيمة ما له عليه ويأخذ مقدار ذلك . وهذا هو الصحيح لما بيناه من الدليل ، والله أعلم .

الرابعة : وإذا فرعنا على الأخذ فهل يعتبر ما عليه من الديون وغير ذلك ، فقال الشافعي : لا ، بل يأخذ ما له عليه . وقال مالك : يعتبر ما يحصل له مع الغرماء في الفلس ، وهو القياس ، والله أعلم .

الخامسة : قوله تعالى : " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " عموم متفق عليه ، إما بالمباشرة إن أمكن ، وإما بالحكام . واختلف الناس في المكافأة هل تسمى عدوانا أم لا ؟ فمن قال : ليس في القرآن مجاز ، قال : المقابلة عدوان ، وهو عدوان مباح ، كما أن المجاز في كلام العرب كذب مباح ، لأن قول القائل :

فقالت له العينان سمعا وطاعة

وكذلك :

امتلأ الحوض وقال قطني

وكذلك :

شكا إلي جملي طول السُّرَى

ومعلوم أن هذه الأشياء لا تنطق . وحد الكذب : إخبار عن الشيء على خلاف ما هو به . ومن قال في القرآن مجاز سمى هذا عدوانا على طريق المجاز ومقابلة الكلام بمثله ، كما قال عمرو بن كلثوم :

ألا لا يجهلن أحد علينا *** فنجهل فوق جهل الجاهلينا

وقال الآخر :

ولي فرس للحلم بالحلم ملجَمٌ *** ولي فرس للجهل بالجهل مُسْرَجُ

ومن رام تقويمي فإني مقومٌ *** ومن رام تعويجي فإني مُعَوَّجُ

يريد : أكافئ الجاهل والمعوج ، لا أنه امتدح بالجهل والاعوجاج .

السادسة : واختلف العلماء فيمن استهلك أو أفسد شيئا من الحيوان أو العروض التي لا تكال ولا توزن ، فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما وجماعة من العلماء : عليه في ذلك المثل ، ولا يعدل إلى القيمة إلا عند عدم المثل ، لقوله تعالى : " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " وقوله تعالى : " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم{[1686]} به " [ النحل : 126 ] . قالوا : وهذا عموم في جميع الأشياء كلها ، وعضدوا هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم حبس القصعة المكسورة في بيت التي كسرتها ودفع الصحيحة وقال : ( إناء بإناء وطعام بطعام ) خرجه أبو داود قال : حدثنا مسدد حدثنا يحيى ح وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا خالد عن حميد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عند بعض نسائه ، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم قصعة فيها طعام ، قال : فضربت بيدها فكسرت القصعة . قال ابن المثنى : فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى ، فجعل يجمع فيها الطعام ويقول : ( غارت أمكم ) . زاد ابن المثنى ( كلوا ) فأكلوا حتى جاءت قصعتها التي في بيتها . ثم رجعنا إلى لفظ حديث مسدد وقال : ( كلوا ) وحبس الرسول والقصعة حتى فرغوا ، فدفع القصعة الصحيحة إلى الرسول وحبس المكسورة في بيته . حدثنا أبو داود قال : حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان قال وحدثنا فليت العامري - قال أبو داود : وهو أفلت بن خليفة - عن جسرة بنت دجاجة قالت : قالت عائشة رضي الله عنها : ما رأيت صانعا طعاما مثل صفية ، صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما فبعثت به ، فأخذني أفكل{[1687]} فكسرت الإناء ، فقلت : يا رسول الله ، ما كفارة ما صنعت ؟ قال : ( إناء مثل إناء وطعام مثل طعام ) . قال مالك وأصحابه : عليه في الحيوان والعروض التي لا تكال ولا توزن القيمة لا المثل ، بدليل تضمين النبي صلى الله عليه وسلم الذي أعتق نصف عبده قيمة نصف شريكه ، ولم يضمنه مثل نصف عبده . ولا خلاف بين العلماء على تضمين المثل في المطعومات والمشروبات والموزونات ، لقوله عليه السلام : ( طعام بطعام ) .

السابعة : لا خلاف بين العلماء أن هذه الآية أصل في المماثلة في القصاص ، فمن قتل بشيء قتل بمثل ما قتل به ، وهو قول الجمهور ، ما لم يقتله بفسق كاللوطية وإسقاء الخمر فيقتل بالسيف . وللشافعية قول : إنه يقتل بذلك ، فيتخذ عود على تلك الصفة ويطعن به في دبره حتى يموت ، ويسقى عن الخمر ماء حتى يموت . وقال ابن الماجشون : إن من قتل بالنار أو بالسم لا يقتل به ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يعذب بالنار ، إلا الله ) . والسم نار باطنة . وذهب الجمهور إلى أنه يقتل بذلك ، لعموم الآية .

الثامنة : وأما القَوَد بالعصا فقال مالك في إحدى الروايتين : إنه إن كان في القتل بالعصا تطويل وتعذيب قتل بالسيف ، رواه عنه ابن وهب ، وقاله ابن القاسم . وفي الأخرى : يقتل بها وإن كان فيه ذلك ، وهو قول الشافعي . وروى أشهب وابن نافع عن مالك في الحجر والعصا أنه يقتل بهما إذا كانت الضربة مجهزة ، فأما أن يضرب ضربات فلا . وعليه لا يرمى بالنبل ولا بالحجارة لأنه من التعذيب ، وقاله عبدالملك .

قال ابن العربي : " والصحيح من أقوال علمائنا أن المماثلة واجبة ، إلا أن تدخل في حد التعذيب فلتترك إلى السيف " . واتفق علماؤنا على أنه إذا قطع يده ورجله وفقأ عينه بقصد التعذيب فعل به ذلك ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بقتلة الرعاء{[1688]} . وإن كان في مدافعة أو مضاربة قتل بالسيف . وذهبت طائفة إلى خلاف هذا كله فقالوا : لا قود إلا بالسيف ، وهو مذهب أبي حنيفة والثعبي والنخعي . واحتجوا على ذلك بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا قود إلا بحديدة ) ، وبالنهي عن المُثْلة ، وقوله : ( لا يعذب بالنار إلا رب النار ) . والصحيح ما ذهب إليه الجمهور ، لما رواه الأئمة عن أنس بن مالك أن جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين ، فسألوها : من صنع هذا بك ! أفلان ، أفلان ؟ حتى ذكروا يهوديا فأومأت برأسها ، فأخذ اليهودي فأقر ، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترض رأسه بالحجارة . وفي رواية : فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حجرين . وهذا نص صريح صحيح ، وهو مقتضى قوله تعالى : " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " [ النحل : 126 ] . وقوله : " فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " .

وأما ما استدلوا به من حديث جابر فحديث ضعيف عند المحدثين ، لا يروى عن طريق صحيح ، لو صح قلنا بموجبه ، وأنه إذا قتل بحديدة قتل بها ، يدل على ذلك حديث أنس : أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه بين حجرين . وأما النهي عن المثلة فنقول أيضا بموجبها إذا لم يمثل ، فإذا مثل مثلنا به ، يدل على ذلك حديث العرنيين ، وهو صحيح أخرجه الأئمة . وقوله : ( لا يعذب بالنار إلا رب النار ) صحيح إذا لم يحرق ، فإن حرق حرق ، يدل عليه عموم القرآن . قال الشافعي : إن طرحه في النار عمدا طرحه في النار حتى يموت ، وذكره الوقار{[1689]} في مختصره عن مالك ، وهو قول محمد بن عبد الحكم . قال ابن المنذر : وقول كثير من أهل العلم في الرجل يخنق الرجل : عليه القود ، وخالف في ذلك محمد بن الحسن فقال : لو خنقه حتى مات أو طرحه في بئر فمات ، أو ألقاه من جبل أو سطح فمات ، لم يكن عليه قصاص وكان على عاقلته الدية ، فإن كان معروفا بذلك - قد خنق غير واحد - فعليه القتل . قال ابن المنذر : ولما أقاد النبي صلى الله عليه وسلم من اليهودي الذي رض رأس الجارية بالحجر كان هذا في معناه ، فلا معنى لقوله .

قلت : وحكى هذا القول غيره عن أبي حنيفة فقال : وقد شذ أبو حنيفة فقال فيمن قتل بخنق أو بسم أو تردية من جبل أو بئر أو بخشبة : إنه لا يقتل ولا يقتص منه ، إلا إذا قتل بمحدد حديد أو حجر أو خشب أو كان معروفا بالخنق والتردية وكان على عاقلته الدية . وهذا منه رد للكتاب والسنة ، وإحداث ما لم يكن عليه أمر الأمة ، وذريعة إلى رفع القصاص الذي شرعه الله للنفوس ، فليس عنه مناص .

التاسعة : واختلفوا فيمن حبس رجلا وقتله آخر ، فقال عطاء : يقتل القاتل ويحبس الحابس حتى يموت . وقال مالك : إن كان حبسه وهو يرى أنه يريد قتله قتلا جميعا ، وفي قول الشافعي وأبي ثور والنعمان يعاقب الحابس . واختاره ابن المنذر . قلت : قول عطاء صحيح ، وهو مقتضى التنزيل . وروى الدارقطني عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أمسك الرجلُ الرجلَ وقتله الآخر يقتل القاتل ويحبس الذي أمسكه ) . رواه سفيان الثوري عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر ، ورواه معمر وابن جريج عن إسماعيل مرسلا .

العاشرة : قوله تعالى : " فمن اعتدى " الاعتداء هو التجاوز ، قال الله تعالى : " ومن يتعد حدود الله{[1690]} " [ البقرة : 229 ] أي يتجاوزها ، فمن ظلمك فخذ حقك منه بقدر مظلمتك ، ومن شتمك فرد عليه مثل قوله ، ومن أخذ عرضك فخذ عرضه ، لا تتعدى إلى أبويه ولا إلى ابنه أو قريبه ، وليس لك أن تكذب عليه وإن كذب عليك ، فإن المعصية لا تقابل بالمعصية ، فلو قال لك مثلا : يا كافر ، جاز لك أن تقول له : أنت الكافر . وإن قال لك : يا زان ، فقصاصك أن تقول له : يا كذاب يا شاهد زور . ولو قلت له يا زان ، كنت كاذبا وأثمت في الكذب . وإن مطلك وهو غني دون عذر فقال : يا ظالم ، يا آكل أموال الناس ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لَيُّ{[1691]} الواجد يحل عرضه وعقوبته ) . أما عرضه فبما فسرناه ، وأما عقوبته فالسجن يحبس فيه . وقال ابن عباس : نزل هذا قبل أن يقوى الإسلام ، فأمر من أوذي من المسلمين أن يجازي بمثل ما أوذي به ، أو يصبر أو يعفو ، ثم نسخ ذلك بقوله : " وقاتلوا المشركين كافة{[1692]} " [ التوبة : 36 ] . وقيل : نسخ ذلك بتصييره إلى السلطان . ولا يحل لأحد أن يقتص من أحد إلا بإذن السلطان .


[1682]:راجع ص 290 من هذا الجزء
[1683]:ما بين المربعين ساقط من ب
[1684]:قوله: إذا خفي" أي ظهر.وهذا اللفظ من الأضداد؛ يقال: خفيت الشيء: كتمته. وخفيته: أظهرته. راجع ج 11 ص 182
[1685]:راجع ج 5 ص 255.
[1686]:راجع ج 10 ص 200
[1687]:الأفكل (على وزن أفعل): الرعدة. أي ارتعدت من شدة الغيرة.
[1688]:هم قوم من عرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا واستوخموا المدينة وسقمت أجسامهم واصفرت ألوانهم وعظمت بطونهم؛ فبعث بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها حتى صحوا فقتلوا رعاتها واستاقوا الإبل، فبعث نبي الله في طلبهم فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم. راجع كتب السنة في هذا الحديث.
[1689]:الوقار (كسحاب): لقب زكريا بن يحيى بن إبراهيم الفقيه المصري، أخذ عن ابن القاسم وابن وهب.
[1690]:راجع ج 3 ص 3146 و ج 18 ص 156
[1691]:اللي: المطل: والواجد: القادر على قضاء دينه.
[1692]:راجع ج 7 ص 136.