الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍ أَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} (196)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وأتموا الحج والعمرة لله}: من المواقيت، ولا تستحلوا فيهما ما لا ينبغي لكم، فريضتان واجبتان، ويقال: العمرة هي الحج الأصغر، وتمام الحج والعمرة المواقيت والإحرام خالصا لا يخالطه شيء من أمر الدنيا، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يشركون في إحرامهم، فأمر الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن يتموهما لله، فقال: {وأتموا الحج والعمرة لله}: وهو ألا يخلطوهما بشيء، ثم خوفهم أن يستحلوا منهما ما لا ينبغي، فقال سبحانه في آخر الآية: {واعلموا أن الله شديد العقاب}، {فإن أحصرتم}، يقول: فإن حبستم كقوله سبحانه: {الذين أحصروا في سبيل الله} (البقرة: 273) يعني حبسوا، نظيرها أيضا: {وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا} (الإسراء: 8) يعني محبسا، يقول: إن حبسكم في إحرامكم بحج أو بعمرة كسر أو مرض أو عدو عن المسجد الحرام، {فما استيسر من الهدي}، يعني فليقم محرما مكانه ويبعث ما استيسر من الهدي، أو بثمن الهدي، فيشترى له الهدي، فإذا نحر الهدي عنه، فإنه يحل من إحرامه مكانه، ثم قال: {ولا تحلقوا رءوسكم} في الإحرام، {حتى يبلغ الهدي محله}: يعني حتى يدخل الهدي مكة، فإذا نحر الهدي حل من إحرامه، {فمن كان منكم مريضا}، وذلك أن كعب بن عجرة الأنصاري كان محرما بعمرة عام الحديبية، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم على مقدم رأسه قملا كثيرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"يا كعب أيؤذيك هوام رأسك؟"، قال نعم يا نبي الله، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلق، فأنزل الله عز وجل في كعب: {فمن كان منكم مريضا} {أو به أذى من رأسه}، فحلق رأسه، {ففدية من صيام}، فعليه فدية صيام ثلاثة أيام إن شاء متتابعا، وإن شاء متقطعا، {أو صدقة} على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من حنطة، {أو نسك}، يعني شاة أو بقرة أو بعيرا ينحره، ثم يطعمه المساكين بمكة، ولا يأكل منه، وهو بالخيار، إن شاء ذبح شاة أو بقرة أو بعيرا، فأما كعب، فذبح بقرة. {فإذا أمنتم} من الحبس من العدو عن البيت الحرام، {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} يقول: وهو يريد الحج، فإن دخل مكة وهو محرم بعمرة في غرة شوال، أو ذي القعدة، أو في عشر من ذي الحجة، {فما استيسر من الهدي}، يعني شاة فما فوقها يذبحها فيأكل منها ويطعم، فقال أبو هريرة، وسلمان، وأبو العرباض للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نجد الهدي، فلنصم ثلاثة أيام، فأنزل الله عز وجل فيهم: {فمن لم يجد} الهدي فليصم، {فصيام ثلاثة أيام في الحج} في عشر الأضحى في أول يوم من العشر إلى يوم عرفة، فإن كان يوم عرفة يوم الثالث، تم صومه، ثم قال: {وسبعة}، يعني ولتصوموا سبعة أيام {إذا رجعتم} من منى إلى أهليكم، {تلك عشرة كاملة}، فمن شاء صام في الطريق، ومن شاء صام في أهله، إن شاء متتابعا، وإن شاء متقطعا، ثم قال: {ذلك} التمتع {لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام {واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب}، يعني من لم يكن منزله في أرض الحرم كله، فمن كان أهله في أرض الحرم، فلا متعة عليه ولا صوم.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معنى ذلك أتموا الحج بمناسكه وسننه، وأتموا العمرة بحدودها وسننها... عن ابن عباس:"وأتموا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ" يقول: من أحرم بحج أو بعمرة فليس له أن يحلّ حتى يتمها تمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة وزار البيت فقد حل من إحرامه كله، وتمام العمرة إذا طاف بالبيت وبالصفا والمروة، فقد حل.

وقال آخرون: تمامهما؛ أن تحرم بهما مفردين من دُوَيْرة أهلك. وقال آخرون: تمام العمرة؛ أن تعمل في غير أشهر الحجّ، وتمام الحجّ أن يؤتى بمناسكه كلها حتى لا يلزم عامله دم بسبب قران ولا متعة. وقال آخرون: إتمامهما؛ أن تخرج من أهلك لا تريد غيرهما. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أتموا الحجّ والعمرة لله إذا دخلتم فيهما... قال ابن زيد: ليست العمرة واجبة على أحد من الناس. قال: فقلت له: قول الله تعالى: "وأتمّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ"؟ قال: ليس من الخلق أحد ينبغي له إذا دخل في أمر إلا أن يتمه، فإذا دخل فيها لم ينبغ له أن يهلّ يوما أو يومين ثم يرجع، كما لو صام يوما لم ينبغ له أن يفطر في نصف النهار. وكان الشعبي يقرأ ذلك رفعا... عن شعبة، قال: حدثني سعيد بن أبي بردة أن الشعبي وأبا بردة تذاكرا العمرة، قال: فقال الشعبي: تطوّع: "وأتمّوا الحَجّ والعُمْرَةُ لِلّهِ "وقال أبو بردة: هي واجبة: "وأتمّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ".

وقد رُوي عن الشعبي خلاف هذا القول، وإن كان المشهور عنه من القول هو هذا... عن الشعبي، قال: العمرة واجبة.

فقراءة من قال: العمرة واجبة نَصْبها بمعنى أقيموا فرض الحج والعمرة... قال عليّ بن حسين وسعيد بن جبير، وسئلا: أواجبة العمرة على الناس؟ فكلاهما قال: ما نعلمها إلا واجبة، كما قال الله: "وأتمّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ"...

فتأويل هؤلاء في قوله تبارك وتعالى: "وأتمّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ" أنهما فرضان واجبان من الله تبارك وتعالى أمر بإقامتهما، كما أمر بإقامة الصلاة، وأنهما فريضتان، وأَوجب العمرة وجوب الحجّ. وهم عدد كثير من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين كرهنا تطويل الكتاب بذكرهم وذكر الروايات عنهم. وقالوا: معنى قوله: "وأتِمّوا الحَجّ والعُمْرَةَ لِلّهِ": وأقيموا الحجّ والعمرة... وكأنهم عنوا بقوله: أقيموا الحجّ والعمرة: ائتوا بهما بحدودهما وأحكامهما على ما فرض عليكم.

وقال آخرون ممن قرأ قراءة هؤلاء بنصب العمرة: العمرة تطوّع. ورأوا أنه لا دلالة على وجوبها في نصبهم العمرة في القراءة، إذ كان من الأعمال ما قد يلزم العبد عمله وإتمامه بدخوله فيه، ولم يكن ابتداء الدخول فيه فرضا عليه، وذلك كالحجّ التطوّع لا خلاف بين الجميع فيه أنه إذا أحرم به أن عليه المضيّ فيه وإتمامه ولم يكن فرضا عليه ابتداء الدخول فيه. وقالوا: فكذلك العمرة غير فرض واجب الدخول فيها ابتداء، غير أن على من دخل فيها وأوجبها على نفسه إتمامها بعد الدخول فيها.

قالوا: فليس في أمر الله بإتمام الحجّ والعمرة دلالة على وجوب فرضها.

قالوا: وإنما أوجبنا فرض الحجّ بقوله عزّ وجل: "ولِلّهِ على النّاسِ حِجّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً"، وممن قال ذلك جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين. فأما الذين قرأوا ذلك برفع العمرة فإنهم قالوا: لا وجه لنصبها، فالعمرة إنما هي زيارة البيت، ولا يكون مستحقا اسم معتمر إلا وهو له زائر، قالوا: وإذا كان لا يستحق اسم معتمر إلا بزيارته، وهو متى بلغه فطاف به وبالصفا والمروة، فلا عمل يبقى بعده يؤمر بإتمامه بعد ذلك، كما يؤمر بإتمامه الحاج بعد بلوغه والطواف به وبالصفا والمروة بإتيان عرفة والمزدلفة، والوقوف بالمواضع التي أمر بالوقوف بها وعمل سائر أعمال الحجّ الذي هو من تمامه بعد إتيان البيت، لم يكن لقول القائل للمعتمر أتمّ عمرتك وجه مفهوم، وإذا لم يكن له وجه مفهوم فالصواب من القراءة في العمرة الرفع على أنه من أعمال البرّ لله، فتكون مرفوعة بخبرها الذي بعدها، وهو قوله: لله.

وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا، قراءة من قرأ بنصب العمرة على العطف بها على الحج، بمعنى الأمر بإتمامهما له. ولا معنى لاعتلال من اعتلّ في رفعها بأن العمرة زيارة البيت، فإن المعتمر متى بلغه، فلا عمل بقي عليه يؤمر بإتمامه، وذلك أنه إذا بلغ البيت فقد انقضت زيارته وبقي عليه تمام العمل الذي أمره الله به في اعتماره، وزيارته البيت وذلك هو الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، وتجنب ما أمر الله بتجنبه إلى إتمامه ذلك، وذلك عمل وإن كان مما لزمه بإيجاب الزيارة على نفسه غير الزيارة. هذا مع إجماع الحجة على قراءة العمرة بالنصب، ومخالفة جميع قرّاء الأمصار قراءة من قرأ ذلك رفعا، ففي ذلك مستغنى عن الاستشهاد على خطأ من قرأ ذلك رفعا.

وأما أولى القولين اللذين ذكرنا بالصواب في تأويل قوله:"...والعُمْرَةَ لِلّهِ" على قراءة من قرأ ذلك نصبا؛ فقول عبد الله بن مسعود، ومن قال بقوله من أن معنى ذلك: وأتموا الحجّ والعمرة لله إلى البيت بعد إيجابكم إياهما لا أن ذلك أمر من الله عزّ وجل بابتداء عملهما والدخول فيهما وأداء عملهما بتمامه بهذه الآية، وذلك أن الآية محتملة للمعنيين اللذين وصفنا من أن يكون أمرا من الله عزّ وجل بإقامتهما ابتداء وإيجابا منه على العباد فرضهما، وأن يكون أمرا منه بإتمامهما بعد الدخول فيهما، وبعد إيجاب موجبهما على نفسه، فإذا كانت الآية محتملة للمعنيين اللذين وصفنا، فلا حجة فيها لأحد الفريقين على الآخر، إلا وللآخر عليه فيها مثلها. وإذا كان كذلك ولم يكن بإيجاب فرض العمرة خبر عن الحجة للعذر قاطعا، وكانت الأمة في وجوبها متنازعة، لم يكن لقول قائل هي فرض بغير برهان دالّ على صحة قوله معنى، إذ كانت الفروض لا تلزم العباد إلا بدلالة على لزومها إياهم واضحة.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، وحدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: حدثنا شريك، عن معاوية بن إسحاق، عن أبي صالح الحنفي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحَجّ جِهادٌ والعُمْرَةُ تَطَوّعٌ».

وإن أولى القولين في العمرة بالصواب قول من قال: هي تطوّع لا فرض. وإن معنى الآية: وأتموا أيها المؤمنون الحجّ والعمرة لله بعد دخولكم فيهما وإيجابكموهما على أنفسكم على ما أمركم الله من حدودهما.

وإنما أنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية على نبيه عليه الصلاة والسلام في عمرة الحديبية التي صدّ فيها عن البيت معرفه والمؤمنين فيها ما عليهم في إحرامهم إن خلي بينهم وبين البيت، ومبينا لهم فيها ما المخرج لهم من إحرامهم إن أحرموا، فصدّوا عن البيت وبذكر اللازم لهم من الأعمال في عمرتهم التي اعتمروها عام الحديبية وما يلزمهم فيها بعد ذلك في عمرتهم وحجهم، افتتح بقوله: "يَسْألُونَكَ عَن الأهِلّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ للنّاسِ والحَجّ" وقد دللنا فيما مضى على معنى الحجّ والعمرة بشواهد، فكرهنا تطويل الكتاب بإعادته.

"فإنْ أُحْصِرُتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْي".

اختلف أهل التأويل في الإحصار الذي جعل الله على من ابتلي به في حجه وعمرته ما استيسر من الهدي؛ فقال بعضهم: هو كل مانع أو حابس منع المحرم وحبسه عن العمل الذي فرضه الله عليه في إحرامه ووصوله إلى البيت الحرام... قال مجاهد في قوله: "فإنْ أُحْصِرْتُمْ": يمرض إنسان أو يكسر أو يحبسه أمر فغلبه كائنا ما كان، فليرسل بما استيسر من الهدي، ولا يحلق رأسه، ولا يحل حتى يوم النحر.

وعلة من قال بهذه المقالة أن الإحصار معناه في كلام العرب: منع العلة من المرض وأشباهه غير القهر والغلبة من قاهر أو غالب إلا غلبة علة من مرض أو لدغ أو جراحة، أو ذهاب نفقة، أو كسر راحلة. فأما منع العدوّ، وحبس حابس في سجن، وغلبة غالب حائل بين المحرم والوصول إلى البيت من سلطان، أو إنسان قاهر مانع، فإن ذلك إنما تسميه العرب حصرا لا إحصارا.

قالوا: ومما يدل على ذلك قول الله جل ثناؤه: "وَجَعَلْنا جَهَنّمَ للْكافِرِينَ حَصِيرا": يعني به: حاصرا: أي حابسا.

قالوا: ولو كان حبس القاهر الغالب من غير العلل التي وصفنا يسمى إحصارا لوجب أن يقال: قد أحصر العدوّ. قالوا: وفي اجتماع لغات العرب على «حوصر العدوّ» و «العدوّ محاصر»، دون «أحصر العدوّ» و«هم محصرون»، و«أحصر الرجل» بالعلة من المرض والخوف، أكبر الدلالة على أن الله جل ثناؤه إنما عنى بقوله: "فإنْ أُحْصِرْتُمْ" بمرض أو خوف أو علة مانعة.

قالوا: وإنما جعلنا حبس العدوّ ومنعه المحرم من الوصول إلى البيت بمعنى حصر المرض قياسا على ما جعل الله جل ثناؤه من ذلك للمريض الذي منعه المرض من الوصول إلى البيت، لا بدلالة ظاهر قوله: "فإنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الهَدْيِ"، إذ كان حبس العدوّ والسلطان والقاهر علة مانعة، نظيرة العلة المانعة من المرض والكسر.

وقال آخرون: معنى قوله: "فإنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الهَدْيِ": فإن حبسكم عدوّ عن الوصول إلى البيت، أو حابس قاهر من بني آدم. قالوا: فأما العلل العارضة في الأبدان كالمرض والجراح وما أشبهها، فإن ذلك غير داخل في قوله: "فإنْ أُحْصِرْتُمْ"... عن ابن عباس أنه قال: الحصر: حصر العدوّ، فيبعث الرجل بهديته، فإن كان لا يستطيع أن يصل إلى البيت من العدو، فإن وجد من يبلغها عنه إلى مكة، فإنه يبعث بها ويحرم. قال محمد بن عمرو، قال أبو عاصم: لا ندري قال يحرم أو يحلّ من يوم يواعد فيه صاحب الهدي إذا اشترى، فإذا أمن فعليه أن يحجّ أو يعتمر، فإذا أصابه مرض يحبسه وليس معه هدي، فإنه يحلّ حيث يحبس، فإن كان معه هدي فلا يحلّ حتى يبلغ الهدي محله، فإذا بعث به فليس عليه أن يحجّ قابلاً، ولا يعتمر إلا أن يشاء.

وقال مالك بن أنس: «بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلّ وأصحابه بالحديبية، فنحروا الهدي، وحلقوا رؤوسهم، وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت، وقبل أن يصل إليه الهدي، ثم لم نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أحدا من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا ولا أن يعودوا لشيء».

حدثني بذلك يونس، قال: أخبرنا ابن وهب عنه. قال: وسئل مالك عمن أحصر بعدوّ وحيل بينه وبين البيت؟ فقال: يحلّ من كلّ شيء، وينحر هديه، ويحلق رأسه حيث يحبس، وليس عليه قضاء إلا أن يكون لم يحجّ قط، فعليه أن يحجّ حجة الإسلام. قال: والأمر عندنا فيمن أحصر بغير عدوّ بمرض أو ما أشبهه، أن يبدأ بما لا بدّ منه، ويفتدي، ثم يجعلها عمرة، ويحجّ عاما قابلاً ويهدي.

وعلة من قال هذه المقالة أعني من قال قولَ مالك أن هذه الآية نزلت في حصر المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت، فأمر الله نبيه ومن معه بنحر هداياهم والإحلال. قالوا: فإنما أنزل الله هذه الآية في حصر العدوّ، فلا يجوز أن يصرف حكمها إلى غير المعنى الذي نزلت فيه.

قالوا: وأما المريض، فإنه إذا لم يطق لمرضه السير حتى فاتته عرفة، فإنما هو رجل فاته الحجّ، عليه الخروج من إحرامه بما يخرج به من فاته الحج، وليس من معنى المحصر الذي نزلت هذه الآية في شأنه.

وأولى التأويلين بالصواب في قوله: "فإنْ أُحْصِرْتُمْ" تأويل من تأوله بمعنى: فإن أحصركم خوف عدوّ أو مرض أو علة عن الوصول إلى البيت، أي صيركم خوفكم أو مرضكم تحصرون أنفسكم، فتحبسونها عن النفوذ لما أوجبتموه على أنفسكم من عمل الحجّ والعمرة. فلذا قيل «أحصرتم»، لما أسقط ذكر الخوف والمرض. يقال منه: أحصرني خوفي من فلان عن لقائك، ومرضي عن فلان، يراد به: جعلني أحبس نفسي عن ذلك. فأما إذا كان الحابس الرجل والإنسان، قيل: حصرني فلان عن لقائك، بمعنى حبسني عنه.

فلو كان معنى الآية ما ظنه المتأوّل من قوله: "فإنْ أُحْصِرْتُمْ" فإن حبسكم حابس من العدوّ عن الوصول إلى البيت، لوجب أن يكون: فإن حُصِرتم.

ومما يبين صحة ما قلناه من أن تأويل الآية مراد بها إحصار غير العدوّ وأنه إنما يراد بها الخوف من العدوّ، قوله: "فإنْ أمِنْتُمْ فمَنْ تَمَتّعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجّ"، والأمن إنما يكون بزوال الخوف. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الإحصار الذي عنى الله في هذه الآية هو الخوف الذي يكون بزواله الأمن.

وإذا كان ذلك كذلك، لم يكن حبس الحابس الذي ليس مع حبسه خوف على النفس من حبسه داخلاً في حكم الآية بظاهرها المتلّو، وإن كان قد يلحق حكمه عندنا بحكمه من وجه القياس من أجل أن حبس من لا خوف على النفس من حبسه، كالسلطان غير المخوفة عقوبته، والوالد وزوج المرأة، إن كان منهم أو من بعضهم حبس، ومنع عن الشخوص لعمل الحجّ، أو الوصول إلى البيت بعد إيجاب الممنوع الإحرام، غير داخل في ظاهر قوله: "فإنْ أُحْصِرْتُمْ" لما وصفنا من أن معناه: فان أحصركم خوف عدوّ، بدلالة قوله: "فإذَا أمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتّعَ بالعُمْرَةِ إلى الحجّ".

وإذ كان ذلك أولى التأويلين بالآية لما وصفنا، وكان ذلك منعا من الوصول إلى البيت، فكل مانع عرض للمحرم فصدّه عن الوصول إلى البيت، فهو له نظير في الحكم.

ثم اختلف أهل العلم في تأويل قوله: "فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ"؛ فقال بعضهم: هو شاة... عن النعمان بن مالك، قال: سألت ابن عباس عما استيسر من الهدي؟ قال: من الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والمعز والضأن.

[عن] ابن عباس كان يقول: ما استيسر من الهدي: شاة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال مالك: وذلك أحبّ إلي.

وقال آخرون: «ما استيسر من الهدي»: من الإبل والبقر، سنّ دون سنّ. وأولى القولين بالصواب قول من قال: ما استيسر من الهدي شاة؛ لأن الله جل ثناؤه إنما أوجب ما استيسر من الهدي، وذلك على كل ما تيسر للمهدي أن يهديه كائنا ما كان ذلك الذي يهدي. إلا أن يكون الله جل ثناؤه خصّ من ذلك شيئا، فيكون ما خصّ من ذلك خارجا من جملة ما احتمله ظاهر التنزيل، ويكون سائر الأشياء غيره مجزئا إذا أهداه المهدي بعد أن يستحقّ اسم هدي.

فإن قال قائل: فإن الذين أبوا أن تكون الشاة مما استيسر من الهدي بأنه لا يستحقّ اسم هدي كما أنه لو أهدى دجاجة أو بيضة لم يكن مهديا هديا مجزئا؟ قيل: لو كان في المهدي الدجاجة والبيضة من الاختلاف نحو الذي في المهدي الشاة لكان سبيلهما واحدة في أن كل واحد منهما قد أدّى ما عليه بظاهر التنزيل إذا لم يكن أحد الهَدْيَيْن يخرجه من أن يكون مؤديا بإهدائه ما أهدى من ذلك مما أوجبه الله عليه في إحصاره. ولكن لما أخرج المهدي ما دون الجذع من الضأن والثني من المعز والإبل والبقر فصاعدا من الأسنان من أن يكون مهديا ما أوجبه الله عليه في إحصاره أو متعته بالحجة القاطعة العذر، نقلاً عن نبينا صلى الله عليه وسلم وراثة، كان ذلك خارجا من أن يكون مرادا بقوله: فمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الهَدْيِ وإن كان مما استيسر لنا من الهدايا.

ولما اختلف في الجذع من الضأن والثنيّ من المعز، كان مجزئا ذلك عن مهديه لظاهر التنزيل، لأنه مما استيسر من الهدي.

وأما الهدي؛ فإنه جمع واحدها هَدِيّة، على تقدير جَدِيّة السرج، والجمع الجَدْي مخفف.

والهدي عندي إنما سمي هديا لأنه تقرّب به إلى الله جل وعزّ مهديه بمنزلة الهدية يهديها الرجل إلى غيره متقرّبا بها إليه، يقال منه: أهديت الهدي إلى بيت الله فأنا أهديه إهداء، كما يقال في الهدية يهديها الرجل إلى غيره: أهديت إلى فلان هدية وأنا أهديها. ويقال للبدنة هدية.

"وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حتّى يَبْلُغَ الهَدْىُ مَحِلّه": فإن أحصرتم فأردتم الإحلال من إحرامكم، فعليكم ما استيسر من الهدي، ولا تحلوا من إحرامكم إذا أحصرتم حتى يبلغ الهدي الذي أوجبته عليكم لإحلالكم من إحرامكم الذي أحصرتم فيه قبل تمامه وانقضاء مشاعره ومناسكه، محله، وذلك أن حلق الرأس إحلال من الإحرام الذي كان المحرم قد أوجبه على نفسه، فنهاه الله عن الإحلال من إحرامه بحلاقه، حتى يبلغ الهدي الذي أباح الله له الإحلال جل ثناؤه بإهدائه محله.

ثم اختلف أهل العلم في محل الهدي الذي عناه الله جل اسمه الذي متى بلغه كان للمحصر الإحلال من إحرامه الذي أحصر فيه؛

فقال بعضهم: محلّ هدي المحصر الذي يحلّ به ويجوز له ببلوغه إياه حلق رأسه، إذا كان إحصاره من خوف عدوّ منعه ذبحه إن كان مما يذبح، أو نحره إن كان مما ينحر، في الحلّ ذبح أو نحر أو في الحرم حيث حبس، وإن كان من غير خوف عدوّ فلا يحلّ حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة. وهذا قول من قال: الإحصار إحصار العدوّ دون غيره؛ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك بن أنس أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلّ هو وأصحابه بالحديبية، فنحروا الهدي وحلقوا رؤوسهم، وحلّوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت، وقبل أن يصل إليه الهدي. ثم لم نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أحدا من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا، ولا أن يعودوا لشيء...

وقال بعضهم: محل هدي المحصر الحرم لا محلّ له غيره.

وقال آخرون منهم: حصار العدو ثابت اليوم وبعد اليوم، على نحو ما ذكرنا من أقوالهم الثلاثة التي حكينا عنهم. وقال: ومعنى الآية: فإن أحصرتم عن الحج حتى فاتكم، فعليكم ما استيسر من الهدي لفوته إياكم... فأولى الأفعال أن يقتدى به، فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لم يأت بحظره خبر، ولم تقم بالمنع منه حجة. فإذ كان ذلك كذلك، وكان أهل العلم مختلفين فيما اخترنا من القول في ذلك، فمن متأوّل معنى الآية تأويلنا، ومن مخالف ذلك، ثم كان ثابتا بما قلنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النقل كان الذي نقل عنه أولى الأمور بتأويل الآية، إذ كانت هذه الآية لا يتدافع أهل العلم أنها يومئذٍ نزلت، وفي حكم صدّ المشركين إياه عن البيت أوحيت.

وقد رُوي بنحو الذي قلنا في ذلك خبر.

حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، قال: ثني الحجاج بن أبي عثمان، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، أن عكرمة مولى ابن عباس حدثه، قال: حدثني الحجاج بن عمرو الأنصاري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَن كُسِرَ أوْ عُرِجَ فَقَدْ حَلّ وَعَلَيْهِ حَجّةٌ أُخْرَى» قال: فحدثت ابن عباس وأبا هريرة بذلك، فقالا: صدق.

ومعنى هذا الخبر الأمر بقضاء الحجة التي حلّ منها نظير فعل النبيّ عليه الصلاة والسلام وأصحابه في قضائهم عمرتهم التي حلوا منها عام الحديبية من القابل في عام عمرة القضية.

ويقال لمن زعم أن الذي حصره عدوّ إذا حلّ من إحرامه التطوّع فلا قضاء عليه، وأن المحصر بالعلل عليه القضاء، ما العلة التي أوجبت على أحدهما القضاء وأسقطت عن الاَخر، وكلاهما قد حلّ من إحرام كان عليه إتمامه لولا العلة العائقة؟

فإن قال: لأن الآية إنما نزلت في الذي حصره العدو، فلا يجوز لنا نقل حكمها إلى غير ما نزلت فيه قيل له: قد دفعك عن ذلك جماعة من أهل العلم، غير أنا نسلم لك ما قلت في ذلك، فهلا كان حكم المنع بالمرض والإحصار له حكم المنع بالعدو إذ هما متفقان في المنع من الوصول إلى البيت وإتمام عمل إحرامهما، وإن اختلفت أسباب منعهما، فكان أحدهما ممنوعا بعلة في بدنه، والاَخر بمنع مانع؟ ثم يسئل الفرق بين ذلك من أصل أو قياس، فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الاَخر مثله.

وأما الذين قالوا: لا إحصار في العمرة، فإنه يقال لهم: قد علمتم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما صد عن البيت، وهو محرم بالعمرة، فحل من إحرامه؟ فما برهانكم على عدم الإحصار فيها؟ أو رأيتم إن قال قائل: لا إحصار في حج، وإنما فيه فوت، وعلى الفائت الحج المقام على إحرامه حتى يطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، لأنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سن في الإحصار في الحجّ سنة؟ فقد قال ذلك جماعة من أئمة الدين. فأما العمرة فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم سنّ فيها ما سنّ، وأنزل الله تبارك وتعالى في حكمها ما بين من الإحلال والقضاء الذي فعله صلى الله عليه وسلم، ففيها الإحصار دون الحجّ هل بينها وبينه فرق؟ ثم يعكس عليه القول في ذلك، فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله.

" فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضا أوْ بِهِ أذَىً مِنْ رأسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ".

يعني بذلك جل ثناؤه فإنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الهَدْيِ، وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلّهُ إلا أن يضطرّ إلى حلقه منكم مضطرّ، إما لمرض، وإما لأذى برأسه، من هوامّ أو غيرها، فيحلق هنالك للضرورة النازلة به، وإن لم يبلغ الهدي محلّه، فيلزمه بحلاق رأسه وهو كذلك فدية من صيام أو صدقة أو نسك.

وقال آخرون: لا يحلق إن أراد أن يفتدي الحجّ بالنسك أو الإطعام إلا بعد التكفير، وإن أراد أن يفتدي بالصوم حلق ثم صام.

وقال آخرون: معنى ذلك: فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه، فعليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك قبل الحِلاق إذا أراد حلاقه. وعلة من قال هذه المقالة ما.

حدثنا به المثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن يعقوب، قال: سألت عطاء، عن قوله: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضا أوْ بِهِ أذًى مِنْ رأسِه فَفِدْيَةٌ مِنْ صَيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ فقال: إن كعب بن عجرة مرّ بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وبرأسه من الصئبان والقمل كثير، فقال له النبيّ عليه الصلاة والسلام: «هَلْ عِنْدَكَ شاةٌ»؟ فقال كعب: ما أجدها. فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنْ شِئْتَ فأطْعِمْ سِتّةَ مَساكِين، وإنْ شِئْتَ فَصُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ، ثُم احْلِقْ رأسَكَ».

فأما المرض الذي أبيح معه العلاج بالطيب وحلق الرأس، فكل مرض كان صلاحه بحلقه كالبرسام الذي يكون من صلاح صاحبه حلق رأسه، وما أشبه ذلك، والجراحات التي تكون بجسد الإنسان التي يحتاج معها إلى العلاج بالدواء الذي فيه الطيب ونحو ذلك من القروح والعلل العارضة للأبدان.

وأما الأذى الذي يكون إذا كان برأس الإنسان خاصة له حلقه، فنحو الصداع والشقيقة، وما أشبه ذلك، وأن يكثر صئبان الرأس، وكل ما كان للرأس مؤذيا مما في حلقه صلاحه ودفع المضرّة الحالّة به، فيكون ذلك له بعموم قول الله جل وعزّ: أوْ بِهِ أذًى مِنْ رأسِهِ. وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية نزلت عليه بسبب كعب بن عجرة، إذ شكا كثرة أذى برأسه من صئبانه، وذلك عام الحديبية. ذكر الأخبار التي رويت في ذلك:

واختلف أهل العلم في مبلغ الصيام والطعام اللذين أوجبهما الله على من حلق شعره من المحرمين في حال مرضه أو من أذى برأسه؛ فقال بعضهم: الواجب عليه من الصيام ثلاثة أيام، ومن الطعام ثلاثة آصع بين ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع. واعتلّوا بالأخبار التي ذكرناها قبل... عن أبي مالك: "فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُك" قال: الصيام: ثلاثة أيام، والطعام: إطعام ستة مساكين، والنسك: شاة.

وقال آخرون: الواجب عليه إذا حلق رأسه من أذى، أو تطيب لعلة من مرض، أو فعل ما لم يكن له فعله في حال صحته وهو محرم من الصوم: صيام عشرة أيام، ومن الصدقة: إطعام عشرة مساكين... وقاس قائلو هذا القول كل صيام وجب على محرم أو صدقة جزاء من نقص دخل في إحرامه، أو فعل ما لم يكن له فعله بدلاً من دم على ما أوجب الله على المتمتع من الصوم إذا لم يجد الهدي. وقالوا: جعل الله على المتمتع صيام عشرة أيام مكان الهدي إذا لم يجده، قالوا: فكل صوم وجب مكان دم فمثله، قالوا: فإذا لم يصم وأراد الإطعام فإن الله جل وعز أقام إطعام مسكين مكان صوم يوم لمن عجز عن الصوم في رمضان. قالوا: فكل من جعل الإطعام له مكان صوم لزمه فهو نظيره، فلذلك أوجبوا إطعام عشرة مساكين في فدية الحلق.

وقال آخرون: بل الواجب على الحالق النسك شاة إن كانت عنده، فإن لم تكن عنده قوّمت الشاة دراهم والدراهم طعاما، فتصدّق به، وإلا صام لكل نصف صاع يوما.

وقال آخرون: بل هو مخير بين الخلال الثلاث يفتدي بأيها شاء... عن ابن عباس، قال: كلّ شيء في القرآن «أو أو»، فهو مخير فيه، فإن كان «فمن فمن»، فالأولَ فالأولَ.

والصواب من القول في ذلك عندنا ما ثبت به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتظاهرت به عنه الرواية أنه أمر كعب بن عجرة بحلق رأسه من الأذى الذي كان برأسه ويفتدي إن شاء بنسك شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام فرق من طعام بين ستة مساكين كل مسكين نصف صاع. وللمفتدي الخيار بين أيّ ذلك شاء لأن الله لم يحصره على واحدة منهن بعينها، فلا يجوز له أن يعدوها إلى غيرها، بل جعل إليه فعل أيّ الثلاث شاء. ومن أبى ما قلنا من ذلك قيل له: ما قلت في المكفر عن يمينه أمخير إذا كان موسرا في أن يكفر بأيّ الكفارات الثلاث شاء؟ فإن قال: لا، خرج من قول جميع الأمة، وإن قال بلى، سئل الفرق بينه وبين المفتدي من حلق رأسه وهو محرم من أذى به، ثم لن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الاَخر مثله. على أن ما قلنا في ذلك إجماع من الحجة، ففي ذلك مستغنى عن الاستشهاد على صحته بغيره.

وأما الزاعمون أن كفارة الحلق قبل الحلق، فإنه يقال لهم: أخبرونا عن الكفارة للمتمتع قبل التمتع أو بعده؟ فإن زعموا أنها قبله قيل لهم: وكذلك الكفارة عن اليمين قبل اليمين. فإن زعموا أن ذلك كذلك، خرجوا من قول الأمة. وإن قالوا: ذلك غير جائز. قيل: وما الوجه الذي من قبله وجب أن تكون كفارة الحلق قبل الحلق وهدي المتعة قبل التمتع ولم يجب أن تكون كفارة اليمين قبل اليمين؟ وهل بينكم وبين من عكس عليكم الأمر في ذلك فأوجب كفارة اليمين قبل اليمين وأبطل أن تكون كفارة الحلق كفارة له إلا بعد الحلق فرق من أصل أو نظير؟ فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله.

فإن اعتلّ في كفارة اليمين قبل اليمين أنها غير مجزئة قبل الحلف بإجماع الأمة، قيل له فردّ الأخرى قياسا عليها إن كان فيها اختلاف.

وأما القائلون إن الواجب على الحالق رأسه من أذى من الصيام: عشرة أيام، ومن الإطعام: عشرة مساكين فمخالفون نصّ الخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيقال لهم: أرأيتم من أصاب صيدا فاختار الإطعام أو الصيام، أتسوّون بين جميع ذلك بقتله الصيد صغيره وكبيره من الإطعام والصيام، أم تفرّقون بين ذلك على قدر افتراق المقتول من الصيد في الصغر والكبر؟ فإن زعموا أنهم يسوون بين جميع ذلك سوّوا بين ما يجب على من قتل بقرة وحشية وبين ما يجب على من قتل ولد ظبية من الإطعام والصيام وذلك قول إن قالوه لقول الأمة مخالف. وإن قالوا: بل نخالف بين ذلك، فنوجب ذلك عليه على قدر قيمة المصاب من الطعام والصيام. قيل: فكيف رددتم الواجب على الحالق رأسه من أذى من الكفارة على الواجب على المتمتع من الصوم، وقد علمتم أن المتمتع غير مخير بين الصيام والإطعام والهدي، ولا هو متلف شيئا وجبت عليه منه الكفارة، وإنما هو تارك عملاً من الأعمال، وتركتم ردّ الواجب عليه وهو متلف بحلق رأسه ما كان ممنوعا من إتلافه، ومخير بين الكفارات الثلاث، نظير مصيب الصيد، الذي هو بإصابته إياه له متلف ومخير في تكفيره بين الكفارات الثلاث؟ وهل بينكم وبين من خالفكم في ذلك وجعل الحالق قياسا لمصيب الصيد، وجمع بين حكميهما لاتفاقهما في المعاني التي وصفنا، وخالف بين حكمه وحكم المتمتع في ذلك لاختلاف أمرهما فيما وصفنا فرق من أصل أو نظير؟ فلن يقولوا في ذلك قولاً إلا ألزموا في الاَخر مثله، مع أن اتفاق الحجة على تخطئة قائل هذا القول في قوله هذا كفاية عن الاستشهاد على فساده بغيره، فكيف وهو مع ذلك خلاف ما جاءت به الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقياس عليه بالفساد شاهد؟

واختلف أهل العلم في الموضع الذي أمر الله أن ينسك نسك الحلق ويطعم فديته، فقال بعضهم: النسك والإطعام بمكة لا يجزئ بغيرها من البلدان... عن الحسن، قال: ما كان من دم أو صدقة فبمكة، وما سوى ذلك حيث شاء.

[و] عن طاووس، قال: كل شيء من الحجّ فبمكة، إلا الصوم.

وقال آخرون: النسك في الحلق والإطعام والصوم حيث شاء المفتدي. وقال آخرون: ما كان من دم نسك فبمكة، وما كان من إطعام وصيام فحيث شاء المفتدي... وعلة من قال: الدم والإطعام بمكة، القياس على هدي جزاء الصيد وذلك أن الله شرط في هديه بلوغ الكعبة فقال: "يَحكُمُ بهَ ذَوا عَدْلٍ منكُم هدْيا بالغَ الكعبْةِ". قالوا: فكل هدي وجب من جزاء أو فدية في إحرام، فسبيله سبيل جزاء الصيد في وجوب بلوغه الكعبة. قالوا: وإذا كان ذلك حكم الهدي كان حكم الصدقة مثله، لأنها واجبة لمن وجب عليه الهدي، وذلك أن الإطعام فدية وجزاء كالدم، فحكمهما واحد.

وأما علة من زعم أن للمفتدي أن ينسك حيث شاء ويتصدّق ويصوم أن الله لم يشترط على الحالق رأسه من أذى هديا، وإنما أوجب عليه نسكا أو إطعاما أو صياما، وحيثما نسك أو أطعم أو صام فهو ناسك ومطعم وصائم، وإذا دخل في عداد من يستحقّ ذلك الاسم كان مؤدّيا ما كلفه الله، لأن الله لو أراد من إلزام الحالق رأسه في نسكه بلوغ الكعبة لشرط ذلك عليه، كما شرط في جزاء الصيد، وفي ترك اشتراط ذلك عليه دليل واضح، أنه حيث نسك أو أطعم أجزأ.

وأما علة من قال: النسك بمكة والصيام والإطعام حيث شاء، فالنسك دم كدم الهدي، فسبيله سبيل هدي قاتل الصيد.

وأما الإطعام فلم يشترط الله فيه أن يصرف إلى أهل مسكنة مكان دون مكان، كما شرط في هدي الجزاء بلوغ الكعبة، فليس لأحد أن يدّعي أن ذلك لأهل مكان دون مكان، إذْ لم يكن الله شرط ذلك لأهل مكان بعينه، كما ليس لأحد أن يدّعى أن ما جعله الله من الهدي لساكني الحرم لغيرهم، إذ كان الله قد خصّ أن ذلك لمن به من أهل المسكنة.

والصواب من القول في ذلك، أن الله أوجب على حالق رأسه من أذى من المحرمين فدية من صيام أو صدقة أو نسك، ولم يشترط أن ذلك عليه بمكان دون مكان، بل أبهم ذلك وأطلقه، ففي أي مكان نسك أو أطعم أو صام فيجزي عن المفتدي، وذلك لقيام الحجة على أن الله إذ حرم أمهات نسائنا فلم يحصرهن على أنهن أمهات النساء المدخول بهن لم يجب أن يكنّ مردودات الأحكام على الربائب المحصورات على أن المحرمة منهن المدخول بأمها، فكذلك كل مبهمة في القرآن غير جائز ردّ حكمها على المفسرة قياسا، ولكن الواجب أن يحكم لكل واحدة منهما بما احتمله ظاهر التنزيل إلا أن يأتي في بعض ذلك خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم بإحالة حكم ظاهره إلى باطنه، فيجب التسليم حينئذ لحكم الرسول، إذ كان هو المبين عن مراد الله. وأجمعوا على أن الصيام مجزئ عن الحالق رأسه من أذى حيث صام من البلاد.

واختلفوا فيما يجب أن يفعل بنسك الفدية من الحلق، وهل يجوز للمفتدي الأكل منه أم لا؟ فقال بعضهم: ليس للمفتدي أن يأكل منه، ولكن عليه أن يتصدّق بجميعه... عن عطاء، قال: ثلاث لا يؤكل منهنّ: جزاء الصيد، وجزاء النسك، ونذر المساكين.

وقال بعضهم: له أن يأكل منه.

وعلة من حظر على المفتدي الأكل من فدية حلاقه وفدية ما لزمته منه الفدية، أن الله أوجب على الحالق والمتطيب ومن كان بمثل حالهم فدية من صيام أو صدقة أو نسك، فلن يخلو ذلك الذي أوجبه عليه من الإطعام والنسك من أحد أمرين: إما أن يكون أوجبه عليه لنفسه أو لغيره أو له ولغيره، فإن كان أوجبه لغيره فغير جائز له أن يأكل منه، لأن ما لزمه لغيره فلا يجزيه فيه إلا الخروج منه إلى من وجب له أو يكون له وحده، وما وجب له فليس عليه لأنه غير مفهوم في لغة أن يقال: وجب على فلان لنفسه دينار أو درهم أو شاة، وإنما يجب له على غيره، فأما على نفسه فغير مفهوم وجوبه. أو يكون وجب عليه له ولغيره، فنصيبه الذي وجب له من ذلك غير جائز أن يكون عليه لما وصفنا. وإذا كان ذلك كذلك كان الواجب عليه ما هو لغيره وما هو لغيره بعض النسك، وإذا كان ذلك كذلك فإنما وجب عليه بعض النسك لا النسك كله.

قالوا: وفي إلزام الله إياه النسك تاما ما يبين عن فساد هذا القول.

وعلة من قال له أن يأكل من ذلك أن الله أوجب على المفتدي نسكا، والنسك في معاني الأضاحي وذلك هو ذبح ما يجزي في الأضاحي من الأزواج الثمانية.

قالوا: ولم يأمر الله بدفعه إلى المساكين. قالوا: فإذا ذبح فقد نسك، وفعل ما أمره الله، وله حينئذ الأكل منه، والصدقة منه بما شاء، وإطعام ما أحبّ منه من أحب، كما له ذلك في أضحيته.

والذي نقول به في ذلك: أن الله أوجب على المفتدي نسكا إن اختار التكفير بالنسك، ولن يخلو الواجب عليه في ذلك من أن يكون ذبحه دون غيره، أو ذبحه والتصدّق به. فإن كان الواجب عليه في ذلك ذبحه، فالواجب أن يكون إذا ذبح نسكا فقد أدى ما عليه، وإن أكل جميعه ولم يطعم مسكينا منه شيئا، وذلك ما لا نعلم أحدا من أهل العلم قاله، أو يكون الواجب عليه ذبحه والصدقة به فإن كان ذلك عليه، فغير جائز له أكل ما عليه أن يتصدّق به، كما لو لزمته زكاة في ماله لم يكن له أن يأكل منها، بل كان عليه أن يعطيها أهلها الذين جعلها الله لهم. ففي إجماعهم على أن ما ألزمه الله من ذلك فإنما ألزمه لغيره، دلالة واضحة على حكم ما اختلفوا فيه من غيره.

ومعنى النسك: الذبح لله في لغة العرب، يقال: نسك فلان لله نسيكة، بمعنى: ذبح لله ذبيحة يَنْسكها نَسكا.

"فإذَا أمِنْتُمْ"،اختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضهم: معناه: فإذا برأتم من مرضكم الذي أحصركم عن حجكم أو عمرتكم. وقال آخرون: معنى ذلك: فإذا أمنتم من وجع خوفكم. عن الربيع: "فإذَا أمِنْتُمْ" قال: إذا أمن من خوفه، وبرأ من مرضه.

وهذا القول أشبه بتأويل الآية، لأن الأمن هو خلاف الخوف، لا خلاف المرض، إلا أن يكون مرضا مخوفا منه الهلاك، فيقال: فإذا أمنتم الهلاك من خوف المرض وشدته، وذلك معنى بعيد.

وإنما قلنا: إن معناه الخوف من العدو لأن هذه الآيات نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الحديبية وأصحابه من العدو خائفون، فعرفهم الله بها ما عليهم إذا أحصرهم خوف عدوهم عن الحج، وما الذي عليهم إذا هم أمنوا من ذلك، فزال عنهم خوفهم.

"فَمَنْ تَمَتّعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ": فإن أحصرتم أيها المؤمنون، فما استيسر من الهدي، فإذا أمنتم فزال عنكم خوفكم من عدوكم أو هلاككم من مرضكم فتمتعتم بعمرتكم إلى حجكم، فعليكم ما استيسر من الهدي.

ثم اختلف أهل التأويل في صفة التمتع الذي عنى الله بهذه الآية؛ فقال بعضهم: هو أن يحصره خوف العدو، وهو محرم بالحج أو مرض أو عائق من العلل حتى يفوته الحج، فيقدم مكة، فيخرج من إحرامه بعمل عمرة، ثم يحل فيستمتع بإحلاله من إحرامه ذلك إلى السنة المستقبلة، ثم يحج ويهدي، فيكون متمتعا بالإحلال من لدن يحل من إحرامه الأوّل إلى إحرامه الثاني من القابل. وقال آخرون: بل معنى ذلك: فإن أحصرتم في حجكم فما استيسر من الهدي، فإذا أمنتم وقد حللتم من إحرامكم ولم تقضوا عمرة تخرجون بها من إحرامكم بحجكم ولكن حللتم حين أحصرتم بالهدي وأخرتم العمرة إلى السنة القابلة فاعتمرتم في أشهر الحج ثم حللتم فاستمتعتم بإحلالكم إلى حجكم، فعليكم ما استيسر من الهدي.

وقال آخرون: عَنَى بذلك المحصر وغير المحصر. وقال آخرون: معنى ذلك: فمن فسخ حجه بعمرة، فجعله عمرة، واستمتع بعمرته إلى حجه، فعليه ما استيسر من الهدي. وقال آخرون: بل ذلك الرجل يقدم معتمرا من أفق من الاَفاق في أشهر الحج، فإذا قضى عمرته أقام حلالاً بمكة حتى ينشئ منها الحج، فيحج من عامه ذلك، فيكون مستمتعا بإحلال إلى إحرامه بالحج.

وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عَنَى بها: فإن أحصرتم أيها المؤمنون في حجكم فما استيسر من الهدي، فإذا أمنتم فمن تمتع ممن حلّ من إحرامه بالحجّ بسبب الإحصار بعمرة اعتمرها لفوته الحجّ في السنة القابلة في أشهر الحجّ إلى قضاء الحجة التي فاتته حين أحصر عنها، ثم دخل في عمرته فاستمتع بإحلاله من عمرته إلى أن يحجّ، فعليه ما استيسر من الهدي، وإن كان قد يكون متمتعا من أنشأ عمرة في أشهر الحجّ وقضاها ثم حلّ من عمرته وأقام حلالاً حتى يحجّ من عامه غير أن الذي هو أولى بالذي ذكره الله في قوله: "فَمَنْ تَمَتّعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجّ" هو ما وصفنا من أجل أن الله جل وعز أخبر عما على المحصر عن الحجّ والعمرة من الأحكام في إحصاره، فكان مما أخبر تعالى ذكره أنه عليه إذا أمن من إحصاره فتمتع بالعمرة إلى الحجّ ما استيسر من الهدي، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، كان معلوما بذلك أنه معنيّ به اللازم له عند أمنه من إحصاره من العمل بسبب الإحلال الذي كان منه في حجه الذي أحصر فيه دون المتمتع الذي لم يتقدم عمرته ولا حجه إحصار مرض ولا خوف.

{فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ فِي الحَجّ}: فما استيسر من الهدي، فهَدْيه جزاء لاستمتاعه بإحلاله من إحرامه الذي حلّ منه حين عاد لقضاء حجته التي أحصر فيها وعمرته التي كانت لزمته بفوت حجته، فإن لم يجد هديا فعليه صيام ثلاثة أيام في الحجّ في حجه وسبعة إذا رجع إلى أهله.

ثم اختلف أهل التأويل في الثلاثة أيام التي أوجب الله عليه صومهنّ في الحجّ أي أيّ أيام الحجّ هن؟ فقال بعضهم: هن ثلاثة أيام من أيام حجه، أيّ أيام شاء بعد أن لا يتجاوز بآخرهن يوم عرفة. وقال آخرون: بل آخرهن انقضاء يوم منى. وقال آخرون: يصومهنّ في عشر ذي الحجة دون غيرها. وقال آخرون: له أن يصومهن قبل الإحرام بالحج.

وقال آخرون: لا يجوز أن يصومهنّ إلا بعد ما يحرم بالحج. والصواب من القول في ذلك عندي أن للمتمتع أن يصوم الأيام الثلاثة التي أوجب الله عليه صومهنّ لمتعته إذا لم يجد ما استيسر من الهدي من أول إحرامه بالحج بعد قضاء عمرته واستمتاعه بالإحلال إلى حجه إلى انقضاء آخر عمل حجه وذلك بعد انقضاء أيام منى سوى يوم النحر، فإنه غير جائز له صومه ابتدأ صومهن قبله أو ترك صومهن فأخره حتى انقضاء يوم عرفة.

وإنما قلنا: له صوم أيام التشريق، لما ذكرنا من العلة لقائل ذلك قَبْلُ، فإن صامهنّ قبل إحرامه بالحج فإنه غير مجزئ صومه ذلك من الواجب عليه من الصوم الذي فرضه الله عليه لمتعته وذلك أن الله جل وعز إنما أوجب الصوم على من لم يجد هديا ممن استمتع بعمرته إلى حجه، فالمعتمر قبل إحلاله من عمرته وقبل دخوله في حجه غير مستحق اسم متمتع بعمرته إلى حجه، وإنما يقال له قبل إحرامه معتمر حتى يدخل بعد إحلاله في الحج قبل شخوصه عن مكة، فإذا دخل في الحج محرما به بعد قضاء عمرته في أشهر الحج ومقامه بمكة بعد قضاء عمرته حلالاً حتى حج من عامه سمي متمتعا. فإذا استحقّ اسم متمتع لزمه الهدي، وحينئذ يكون له الصوم بعدمه الهدي إن عدمه فلم يجده. فأما إن صامه قبل دخوله في الحجّ وإن كان من نيته الحج، فإنما هو رجل صام صوما ينوي به قضاء عما عسى أن يلزمه أو لا يلزمه، فسبيله سبيل رجل معسر صام ثلاثة أيام ينوي بصومهن كفارة يمين ليمين يريد أن يحلف بها ويحنث فيها، وذلك ما لا خلاف بين الجميع أنه غير مجزئ من كفارة إن حلف بها بعد الصوم فحنث.

فإن ظن ظانّ أن صوم المعتمر بعد إحلاله من عمرته أو قبله وقبل دخوله في الحج مجزئ عنه من الصوم الذي أوجبه الله عليه إن تمتع بعمرته إلى الحج، نظير ما أجزأ الحالف بيمين إذا كفر عنها قبل حنثه فيها بعد حلفه بها فقد ظن خطأ لأن الله جعل ثناؤه جعل لليمين تحليلاً هو غير تكفير، فالفاعل فيها قبل الحنث فيها ما يفعله المكفر بعد حنثه فيها محلل غير مكفر. والمتمتع إذا صام قبل تمتعه صائم تكفيرا لما يظنّ أنه يلزمه ولما يلزمه، وهو كالمكفر عن قتل صيد يريد قتله وهو محرم قبل قتله، وعن تطيب قبل تطيبه.

ومن أبى ما قلنا في ذلك ممن زعم أن للمعتمر الصوم قبل إحرامه بالحج، قيل له: ما قلت فيمن كفَّر من المحرمين عن الواجب على من ترك رمي الجمرات أيام منى يوم عرفة، وهو ينوي ترك الجمرات، ثم أقام بمنى أيام منى حتى انقضت تاركا رمي الجمرات، هل يجزيه تكفيره ذلك عن الواجب عليه في ترك ما ترك من ذلك؟ فإن زعم أن ذلك يجزيه، سئل عن مثل ذلك في جميع مناسك الحجّ التي أوجب الله في تضييعه على المحرم أو في فعله كفارة، فإن سوّى بين جميع ذلك فاد قوله، وسئل عن نظير ذلك في العازم على أن يجامع في شهر رمضان، وهو مقيم صحيح إذا كفَّر قبل دخول الشهر، ودخل الشهر ففعل ما كان عازما عليه هل تجزيه كفارته التي كفَّر عن الواجب من وطئه ذلك، وكذلك يسئل عمن أراد أن يظاهر من امرأته، فإن فاد قوله في ذلك، خرج من قول جميع الأمة. وإن أبى شيئا من ذلك، سئل الفرق بينه وبين الصائم لمتعته قبل تمتعه وقبل إحرامه بالحجّ، ثم عكس عليه القول في ذلك، فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الاَخر مثله.

{وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتمْ}: فمن لم يجد ما استيسر من الهدي، فعليه صيام ثلاثة أيام في حجه وصيام سبعة أيام إذا رجع إلى أهله ومصره.

فإن قال لنا قائل: أو ما يجب عليه صوم السبعة الأيام بعد الأيام الثلاثة التي يصومهن في الحجّ إلا بعد رجوعه إلى مصره وأهله؟ قيل: بل قد أوجب الله عليه صوم الأيام العشرة بعدم ما استيسر من الهدي لمتعته، ولكن الله تعالى ذكره رأفة منه بعباده رخص لمن أوجب ذلك عليه، كما رخص للمسافر والمريض في شهر رمضان الإفطار وقضاء عدّة ما أفطر من الأيام من أيام أخر. ولو تحمل المتمتع فصام الأيام السبعة في سفره قبل رجوعه إلى وطنه، أو صامهنّ بمكة، كان مؤدّيا ما عليه من فرض الصوم في ذلك، وكان بمنزلة الصائم شهر رمضان في سفره أو مرضه، مختارا للعسر على اليسر.

فإن قال: وما برهانك على أن معنى قوله: وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ إذا رجعتم إلى أهليكم وأمصاركم دون أن يكون معناه: إذا رجعتم من منى إلى مكة؟ قيل: إجماع جميع أهل العلم على أن معناه ما قلنا دون غيره. "تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ"؛

اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: "كامِلَةٌ"؛ فقال بعضهم: معنى ذلك: فصيام الثلاثة الأيام في الحج والسبعة الأيام بعد ما يرجع إلى أهله عشرة كاملة من الهدي. وقال آخرون: بل معنى ذلك: كملت لكم أجر من أقام على إحرامه ولم يحلّ ولم يتمتع تمتعكم بالعمرة إلى الحج.

وقال آخرون: معنى ذلك الأمر وإن كان مخرجه مخرج الخبر، وإنما عنى بقوله: "تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ": تلك عشرة أيام فأكملوا صومها لا تقصروا عنها، لأنه فرض عليكم صومها.

وقال آخرون: بل قوله: "كامِلَةٌ" توكيد للكلام، كما يقول القائل: سمعته بأذني ورأيته بعيني، وكما قال: "فَخَرّ عَلَيهِمُ السّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ" ولا يكون الخرّ إلا من فوق، فأما من موضع آخر فإنما يجوز على سعة الكلام.

وقال آخرون: إنما قال: "تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ" وقد ذكر سبعة وثلاثة، لأنه إنما أخبر أنها مجزئة وليس يخبر عن عدّتها، وقالوا: ألا ترى أن قوله: «كاملة» إنما هو وافية.

وأولى هذه الأقوال عندي قول من قال: معنى ذلك تلك عشرة كاملة عليكم فرضنا إكمالها. وذلك أنه جل ثناؤه قال: فمن لم يجد الهدي فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، ثم قال: تلك عشرة أيام عليكم إكمال صومها لمتعتكم بالعمرة إلى الحج. فأخرج ذلك مخرج الخبر، ومعناه الأمر بها.

{ذَلِكَ لَمَنْ لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِري المَسْجِدِ الحَرَامِ}: ذَلِكَ: أي التمتع بالعمرة إلى الحجّ لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام... عن الربيع: ذَلِكَ لَمَنْ لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِري المَسْجِدِ الحَرَامِ يعني المتعة أنها لأهل الاَفاق، ولا تصلح لأهل مكة.

ثم اختلف أهل التأويل فيمن عنى بقوله: "ذَلِكَ لَمَنْ لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِري المَسْجِدِ الحَرَامِ" بعد إجماع جميعهم على أن أهل الحرم معنيون به، وأنه لا متعة لهم. فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الحرم خاصة دون غيرهم. وقال آخرون: عنى بذلك أهل الحرم ومن كان منزله دون المواقيت إلى مكة. وقال بعضهم: بل عنى بذلك أهل الحرم، ومن قرب منزله منه. وأولى الأقوال في ذلك بالصحة عندنا قول من قال: إن حاضري المسجد الحرام من هو حوله ممن بينه وبينه من المسافة ما لا تقصر إليه الصلوات لأن حاضر الشيء في كلام العرب هو الشاهد له بنفسه. وإذا كان ذلك كذلك، وكان لا يستحق أن يسمى غائبا إلا من كان مسافرا شاخصا عن وطنه، وكان المسافر لا يكون مسافرا إلا بشخوصه عن وطنه إلى ما تقصر في مثله الصلاة، وكان من لم يكن كذلك لا يستحق اسم غائب عن وطنه ومنزله، كان كذلك من لم يكن من المسجد الحرام على ما تقصر إليه الصلاة غير مستحقّ أن يقال: هو من غير حاضريه إذ كان الغائب عنه هو من وصفنا صفته.

وإنما لم تكن المتعة لمن كان من حاضري المسجد الحرام من أجل أن التمتع إنما هو الاستمتاع بالإحلال من الإحرام بالعمرة إلى الحجّ مرتفقا في ترك العود إلى المنزل والوطن بالمقام بالحرم حتى ينشئ منه الإحرام بالحجّ، وكان المعتمر متى قضى عمرته في أشهر الحجّ ثم انصرف إلى وطنه، أو شخص عن الحرم إلى ما تقصر فيه الصلاة، ثم حجّ من عامه ذلك، بطل أن يكون مستمتعا لأنه لم يستمتع بالمرفق الذي جعل للمستمتع من ترك العود إلى الميقات والرجوع إلى الوطن بالمقام في الحرم، وكان المكيّ من حاضري المسجد الحرام لا يرتفق بذلك من أجل أنه متى قضى عمرته أقام في وطنه بالحرم، فهو غير مرتفق بشيء مما يرتفق به من لم يكن أهله من حاضري المسجد الحرام فيكون متمتعا بالإحلال من عمرته إلى حجه.

{وَاتّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أنّ اللّهَ شَدِيدُ العِقابِ}: واتقوا الله بطاعته فيما ألزمكم من فرائضه وحدوده، واحذروا أن تعتدوا في ذلك وتتجاوزوا فيما بيّن لكم من مناسككم، فتستحلوا ما حرّم فيها عليكم. "واعْلَمُوا": تيقنوا أنه تعالى ذكره شديد عقابه لمن عاقبه على ما انتهك من محارمه وركب من معاصيه.

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

{فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلى الْحَجِّ فَمَا استَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} اختلفوا في هذا المتمتع على ثلاثة أقاويل:

أحدها: أنه المُحْصَرُ بالحج، إذا حَلَّ منه بالإحصار، ثم عاد إلى بلده متمتعاً بعد إحلاله، فإذا قضى حجَّه في العام الثاني، صار متمتعاً بإحلالٍ بيْن الإحْرَامَين، وهذا قول الزبير.

والثاني: فمن نسخ حَجَّهُ بعمرة، فاستمتع بعمرة بعد فسخ حَجِّهِ، وهذا قول السدي.

والثالث: فمن قَدِمَ الحرم معتمراً في أشهر الحج، ثم أقام بمكة حتى أحرم منها بالحج في عامِهِ، وهذا قول ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وعطاء، والشافعي.

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْله تَعَالَى: {وَأَتِمُّوا}، فِيهِ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ:

الْأَوَّلُ: أَحْرِمُوا بِهِمَا مِنْ دِيَارِكُمْ؛ قَالَهُ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَسُفْيَانُ.

الثَّانِي: أَتِمُّوهُمَا إلَى الْبَيْتِ؛ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثَّالِثُ: بِحُدُودِهِمَا وَسُنَنِهِمَا؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ.

الرَّابِعُ: أَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا؛ قَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الْخَامِسُ: أَلَّا يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ.

السَّادِسُ: إتْمَامُهُمَا إذَا دَخَلَ فِيهِمَا؛ قَالَهُ مَسْرُوقٌ.

السَّابِعُ: أَلَا يَتَّجِرَ مَعَهُمَا. قَالَ الْقَاضِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَقِيقَةُ الْإِتْمَامِ لِلشَّيْءِ اسْتِيفَاؤُهُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ وَشُرُوطِهِ، وَحِفْظُهُ مِنْ مُفْسِدَاتِهِ وَمُنْقِصَاتِهِ. وَكُلُّ الْأَقْوَالِ مُحْتَمَلٌ فِي مَعْنَى الْآيَةِ؛ إلَّا أَنَّ بَعْضَهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ.

...

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَوْله تَعَالَى: {لِلَّهِ}. الْأَعْمَالُ كُلُّهَا لِلَّهِ، خَلْقٌ وَتَقْدِيرٌ، وَعِلْمٌ وَإِرَادَةٌ، وَمَصْدَرٌ وَمَوْرِدٌ، وَتَصْرِيفٌ وَتَكْلِيفٌ؛ وَفَائِدَةُ هَذَا التَّخْصِيصِ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَقْصِدُ الْحَجَّ لِلِاجْتِمَاعِ وَالتَّظَاهُرِ، وَالتَّنَاضُلِ وَالتَّنَافُرِ، وَالتَّفَاخُرِ وَقَضَاءِ الْحَوَائِجِ، وَحُضُورِ الْأَسْوَاقِ؛ وَلَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ حَظٌّ يُقْصَدُ، وَلَا قُرْبَةٌ تُعْتَقَدُ؛ فَأَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْقَصْدِ إلَيْهِ لِأَدَاءِ فَرْضِهِ وَقَضَاءِ حَقِّهِ، ثُمَّ سَامَحَ فِي التِّجَارَةِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ...

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: قَوْله تَعَالَى: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ}. قَالَ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَائِنَا: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى فِي أَوَّلِ الْآيَةِ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} إنَّهُ إحْصَارُ الْعَدُوِّ؛ لِأَنَّ الْأَمْنَ يَكُونُ مِنْ خَوْفِ الْعَدُوِّ، وَالْبُرْءُ يَكُونُ مِنْ الْمَرَضِ، وَإِلَيْهِ مَالَ مَنْ احْتَجَّ عَن ابْنِ الْقَاسِمِ بِأَنْ لَا هَدْيَ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلَا نَقُولُ هَكَذَا، بَلْ زَوَالُ كُلِّ أَلَمٍ مِنْ مَرَضٍ، وَهُوَ أَمْنٌ، وَجَاءَ بِلَفْظِ الْأَمْنِ، وَهُوَ عَامٌّ، كَمَا جَاءَ بِلَفْظِ "أُحْصِرَ "وَهُوَ عَامٌّ فِي الْعَدُوِّ وَالْمَرَضِ؛ لِيَكُونَ آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى نِظَامِ أَوَّلِهِ.

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ: قَوْله تَعَالَى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ}. الْمَعْنَى أَكْمِلُوا مَا بَدَأْتُمْ بِهِ مِنْ عِبَادَةٍ، مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، إلَّا أَنْ يَمْنَعَكُمْ مَانِعٌ؛ فَإِنْ كَانَ مَانِعٌ حَلَلْتُمْ حَيْثُ حُبِسْتُمْ وَتَرَكْتُمْ مَا مُنِعْتُمْ مِنْهُ، وَيَجْزِيكُمْ مَا اسْتَيْسَرَ مِن الْهَدْيِ بَعْدَ حَلْقِ رُءُوسِكُمْ؛ فَإِذَا أَمِنْتُمْ -أَيْ زَالَ الْمَانِعُ، وَقَدْ كُنْتُمْ حَلَلْتُمْ عَنْ عُمْرَةٍ فَحَجَجْتُمْ، فَعَلَيْكُمْ مَا اسْتَيْسَرَ مِن الْهَدْيِ.

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :

قوله تعالى:"أو نسك" النسك: جمع نسيكة، وهي الذبيحة ينسكها العبد لله تعالى. ويجمع أيضا على نسائك. والنسك: العبادة في الأصل، ومنه قوله تعالى: "وأرنا مناسكنا "[البقرة: 128] أي متعبداتنا. وقيل: إن أصل النسك في اللغة الغسل، ومنه نسك ثوبه إذا غسله، فكأن العابد غسل نفسه من أدران الذنوب بالعبادة. وقيل: النسك سبائك الفضة، كل سبيكة منها نسيكة، فكأن العابد خلص نفسه من دنس الآثام وسبكها.

تفسير ابن عرفة 803 هـ :

قال بعض الطلبة: فيبقى السؤال لأيّ شيء لم يقل: فهي عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ؟ فقال ابن عرفة: « تِلْكَ» القصد بها التعظيم. قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بأن القاعدة أنّ الصوم المتتابع أعظم ثوابا من المفرّق، فقد يتوهّم بتفريقها أن ثوابها أقل من ثوابها لو كانت مجموعة (فأشار بقوله « عشرة» إلى أن ثوابها على هذه الصفة أعْظَمُ من ثوابها لو كانت مجموعة فرعا عن أن) يكون مثله ولذلك قال: « كاملة»...

قوله تعالى: {ذلك لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المسجد الحرام...}. قال ابن عرفة: يؤخذ فيمن له أهل بمكة وأهل بغيرها. فقد قال الإمام مالك رضي الله عنه: إنها من مشبَّهات الأمور يؤخذ منه أن حكمه حكم الحاضر بدليل قول (مالك) في المسافر: إذا سافر ومر ببلد له فيها أهل فإنه يتمّ الصلاة كالمقيم...

قوله تعالى: {واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب}. دليل على أنّ الطلب المتقدم قبل هذا كله للوجوب...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما ختم آيات القتال بالنفقة في سبيل الله لشدة حاجة الجهاد إليها وكان سبيل الله اسماً يقع على الحج كما يقع على الجهاد كما ورد في الحديث "الحج من سبيل الله "رجع إلى الحج والعمرة المشير إليهما {مثابة للناس} [البقرة: 125] و {إن الصفا والمروة} [البقرة: 158] الآية، و {مواقيت للناس والحج} ولا سيما وآيات القتال هذه إنما نظمت ههنا بسببهما توصيلاً إليهما بعضها سببه عمرة الحديبية التي صدّ المشركون عنها، فكان كأنه قيل: مواقيت للناس والحج فحجوا واعتمروا أي تلبسوا بذلك وإن صددتم عنه وقاتلوا في سبيل الله من قاتلكم في وجهكم ذلك لينفتح لكم السبيل،

ولما كان ذلك بعد الفتح ممكناً لا صاد عنه عبر بالإتمام فقال: {وأتموا} أي بعد فتح السبيل بالفتح {الحج والعمرة} بمناسكهما وحدودهما وشرائطهما وسننهما.

ولما تقدم الإنفاق في سبيل الله والقتال في سبيل الله نبه هنا على أن ذلك كلّه إنما هو لتقام العبادات التي هي مبنى الإسلام له سبحانه وتعالى فقال: {لله} الملك الذي لا كفوء له أي لذاته، ولم يضمر لئلا يتقيد بقيد...

ولما كان الحاج هو الشعث التفل أشار إلى حرمة التعرض لشعره بقوله: {ولا تحلقوا رؤوسكم} أي شعرها إذا كنتم محرمين بحج أو عمرة، من الحلق.

قال الحرالي: وهو إزالة ما يتأتى للزوال بالقطع من الآلة الماضية في عمله، والرأس مجتمع الخلقة ومجتمع كل شيء رأسه...

قال الحرالي: والهدي ما تقرب به الأدنى للأعلى وهو اسم ما يتخذ فداء من الأنعام بتقديمه إلى الله سبحانه وتعالى وتوجيهه إلى البيت العتيق، وفي تعقيب الحلق بالهدي إشعار باشتراكهما في معنى واحد وهو الفداء،

والهدي في الأصل فداء لذبح الناسك نفسه لله سنة إبراهيم في ولده عليهما الصلاة والسلام، وإزالة الشعر فداء من جزاء لرأس لله، ولذلك لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن تقديم أحدهما على الآخر قال: "افعل ولا حرج"، لأن الجميع غاية بالمعنى الشامل للفداء...

{فمن تمتع} أي تلذذ باستباحة دخوله إلى الحرم بإحرامه في أشهر الحج على مسافة القصر من الحرم {بالعمرة} ليستفيد الحل حين وصوله إلى البيت ويستمر حلالاً في سفره ذلك {إلى الحج} أي إحرامه به من عامة ذلك من مكة المشرفة من غير رجوع إلى الميقات

{فما} أي فعليه ما {استيسر} وجد اليسر به {من الهدي} من النعم يكون هذا الهدي لأجل ما تمتع به بين النسكين من الحل وهو مسافر، هذا للمتمتع وأما القارن فلجمعه بين النسكين في سفر واحد وشأنهما أن يكونا في وقتين وقت حل ووقت حرم، وفي العبارة إشعار بصحة إرداف الحج على العمرة لأنه ترق من إحرام أدنى إلى إحرام أعلى...

{فمن لم يجد} أي هدياً، من الوجد وهو الطول والقدرة... ولما كان زمن الصومين مختلفاً قال: {كاملة} نفياً لتوهم أن الصوم بعد الإحلال دون ما في الإحرام، والكمال:

قال الحرالي: الانتهاء إلى الغاية التي ليس وراءها مزيد من كل وجه، وقال: فكما استوى حال الهدي في انتهائه إلى الحرم أو الحل كذلك استوى حال الصوم في البلد الحرام والبلد الحلال ليكون في إشارته إشعار بأن الأرض لله مسجد كما أن البيت الحرام لله مسجد فأظهر معنى استوائهما في الكمال في حكم الأجر لأهل الأجور والقبول لأهل القبول والرضاء لأهل الرضاء والوصول لأهل الوجهة كل عامل على رتبة عمله...

ولو قال: تامة، لم يفد هذا لأن التمام قد يكون في العدد مع خلل بعض الأوصاف...

ولما كثرت الأوامر في هذه الآيات وكان لا يحمل على امتثالها إلا التقوى أكثر تعالى فيها من الأمر بها. قال الحرالي: لما تجره النفوس من مداخل نقص في النيات والأعمال والتنقلات من الأحكام إلى أبدالها فما انبنى على التقوى خلص ولو قصر...

ولما كان من الأوامر ما هو معقول المعنى ومنها ما هو تعبدي وكان عقل المعنى يساعد على النفس في الحمل على امتثال الأمر ناسب اقتران الأمر به بالترغيب كما قال: {واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب} [البقرة: 196]

ولما كان امتثال ما ليس بمعقول المعنى من عند قوله: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] شديداً على النفس مع جماحها عن جميع الأوامر ناسب اقترانه بالتهديد فكان ختامه بقوله: {واتقوا} أي فافعلوا جميع ذلك واحملوا أنفسكم على التحري فيه والوقوف عند حدوده ظاهراً وباطناً واتقوا {الله} أي اجعلوا بينكم وبين غضب هذا الملك الأعظم وقاية،

وأكد تعظيم المقام بالأمر بالعلم وتكرير الاسم الأعظم ولئلا يفهم الإضمار تقييد شديد عقابه بخشية مما مضى فقال: {واعلموا} تنبيهاً على أن الباعث على المخافة إنما هو العلم، {أن الله} أي الذي لا يداني عظمته شيء {شديد العقاب} وهو الإيلام الذي يتعقب به جرم سابق؛ هذا مع مناسبة هذا الختام لما بعده من النهي عن الرفث وما في حيزه، ومن تدبر الابتداء عرف الختم ومن تأمل الختم لاح له الابتداء...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

قوله تعالى: {تلك عشرة كاملة} إشارة إلى الثلاثة والسبعة مبين لجملة العدد الواجب كما بين تفصيله ومزيل لوهم من عساه يتوهم أن الواو العاطفة للسبعة للتخيير كما عليه بعض العرب في مثل: جالس الحسن وابن سيرين.

وروي أن بعض العرب كانوا يستعملون عدد السبعة للكثرة في الآحاد كما يستعملون عدد السبعين لغاية الكثرة فالفذلكة تزيل وهم هؤلاء أيضا ولذلك أكدها بقوله كاملة. قال الأستاذ الإمام إن الله تعالى إذا أراد أن يقرر حكما وكان في التعبير المألوف عنه ما يوهم خلاف المقصود ولو لبعض المخاطبين يأتي بما يؤكد الحكم وينفي أدنى وهم يعرض فيه ولذلك وصف كتابه بالمبين وبالتبيان. وإذا كان هذا شأنه فيستحيل أن يطلق في مقام بيان الأحكام القول في نفي شيء بصيغة الإثبات كما قدر بعضهم النفي في قوله: {وعلى الذين يطيقونه فدية} (البقرة: 184)...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

بعد ذلك يجيء الحديث عن الحج والعمرة وشعائرهما. والتسلسل في السياق واضح بين الحديث عن الأهلة وإنها مواقيت للناس والحج؛ والحديث عن القتال في الأشهر الحرم وعن المسجد الحرام؛ والحديث عن الحج والعمرة وشعائرهما في نهاية الدرس نفسه...

وأول ما يلاحظ في بناء الآية هو تلك الدقة التعبيرية في معرض التشريع، وتقسيم الفقرات في الآية لتستقل كل فقرة ببيان الحكم الذي تستهدفه. ومجيء الاستدراكات على كل حكم قبل الانتقال إلى الحكم التالي..

ثم ربط هذا كله في النهاية بالتقوى ومخافة الله... {واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب}.. وهذه الأحكام ضمان القيام بها هو هذه التقوى، وهي مخافة الله، وخشية عقابه. والإحرام بصاحبه تحرج. فإذا أباح لهم الإحلال فترة أقام تقوى الله وخشيته في الضمير، تستجيش فيه هذا [الشعور]، وتقوم بالحراسة في انتباه

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

هاتان الآيتان متصلتان بما قبلهما أوثق الاتصال، وذلك بأن الآيات الكريمات من قوله تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر...} (البقرة 177) فيها تنظيم للجماعة الفاضلة، ببيان حق الفقير في مال الغني، وبيان المساواة العادلة في تطبيق القوانين الإسلامية، لا فرق بين قوي ولا ضعيف، ولا شريف ووضيع، وبيان أن العقوبة تكون على قدر الجريمة، وإن في ذلك حياة الجماعة حياة فاضلة عادلة [و لكم في القصاص حياة...] (البقرة 179) وفيها تنظيم للأسرة بالتعاون بين آحادها، بأن يمد الغني الفقير بالهبات في الحياة، والوصايا بعد الوفاة، وفيها بيان لما يهذب النفس، ويقوي الروح فذكر الصيام، ثم فيه إشارة إلى الحج الذي يجمع في ثناياه بين إصلاح الآحاد في ذات أنفسهم، وإصلاح الجماعة وتنظيمها، وفي أحكامه تتلاقى ذرائع التنظيم الاجتماعي، والإصلاح النفسي، فهو في ذاته رحلة روحية يشارف المؤمن فيها المقام القدسي، إذ يحل في المكان الذي شرفه الله سبحانه بنسبته إليه، ووضع قواعده النبيون الصد يقون، وفيه الصدقات وإمداد الفقراء، بل في بعض كفاراته الصوم، وفيه التنظيم الاجتماعي العام بالتعارف بين المسلمين في كل البقاع، فكان حقا أن يجئ الحج بعد الأحكام المنظمة، والعبادات المصلحة للنفس، المهذبة للروح، لأنه يجمعها في أحكامه.

و لكن الحج في إبان نزول القرآن كان متعذرا أو متعسرا، لأن المزار الأكبر وهو البيت الحرام، والمشعر الحرام، كان المشركون قد سيطروا عليه، والأصنام تحيط به من كل جانب، وهم يمنعون المسلمين منه، والعداوة بينهم وبين النبي وصحبه مستعرة، فكان لابد من القتال للوصول إليه، وأداء تلك الشعيرة الإسلامية، لذلك جاء القتال بين الإشارة إليه بقوله تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها...189} (البقرة) وبين بيان بعض أحكامه في قوله تعالى: {و أتموا الحج والعمرة لله}.

ثم هناك ارتباط خاص بين أحكام القتال وأحكام الحج، لأن القتال جهاد لحماية الدولة في الخارج، والحج جهاد لتهذيب النفس وحماية الدولة الإسلامية في الداخل، بالجمع بين أقطارها، والتعارف العام بين شعوبها، ونشر المساواة العادلة بين آحادها، ولذلك لم يعتبر النبي صلى الله عليه وسلم عبادة تلي الجهاد في سبيل الله غير الحج لله...

و ما المراد بالمحل في الآية؟ أيراد به اسم زمان، أم يراد به اسم مكان؟ لاشك أن اللفظ يحتملهما، فيحتمل الزمان والمكان، وإن كان في المكان أظهر، وأقرب ورودا للخاطر، ولذلك كان لابد من السنة لمعرفة المراد يقينا، أو أن يستبين ذلك من آيات أخر، وقد قال الحنفية: إن المحل هو اسم مكان يراد به البيت الحرام، وقد تبين ذلك بالقرآن، فقد قال الله تعالى: [ثم محلها إلى البيت العتيق 33] (الحج)، والقرآن يفسر بعضه بعض، وعلى ذلك لا يصح للمحصر أن يحلق ويتحلل، حتى يصل الهدي الذي يرسله إلى البيت العتيق ويذبح، وقد تأيد ذلك بآية أخرى، وهي قوله تعالى: {هديا بالغ الكعبة...95} (المائدة)، ففيها التصريح بأن الهدي في الكعبة. وقد قال الجهور إن محل الهدي للمحصر هو المكان الذي كان فيه الإحصار، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، فإن المسور بن مخرمة يروي:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما منع من البيت الحرام في تلك السنة وعقد الصلح قال لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا»، فوالله ما قام رجل منهم، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فقالت: يا نبي الله أتحب ذلك؟ أخرج ثم لا تكلم أحدا منهم بكلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك، ففعل، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا". فهذا يدل على أن محل الهدي للمحصر هو حيث الإحصار، وأنه إذا كان ممنوعا فإن الهدي قد يمنع أيضا. وقد أجاب الحنفية عن ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في الحرم لا في الحل، فهو كان في محله، لأنه أحصر في طرف الحديبية القريب من مكة وهو من الحرم. و لاشك أن رأي جمهور الفقهاء مع السنة النبوية، وفيه تسهيل على المحصرين، والمناسب لحالهم هو التيسير لا التصعيب. ولا شك أن ذبحهم في المكان الذي أحصروا فيه أشد كلفة، والصدقة لا يتعين مكانها في الضيق، ولكن النص الكريم {حتى يبلغ الهدي محله} لا ينطبق تمام الانطباق على رأي الجمهور، إذا فسرنا المحل بالمكان، لأن البلوغ يقتضي مسافة بين المكانين، ولا ينطبق ذلك على مكان الحصر، بل ينطبق على مكان يكون فيه بلوغ، وإذا فسرنا المحل بالزمان تأتى معنى البلوغ بأن ينتظر المحصر حتى يجئ وقت الهدي وهو يوم النحر، ويكون بالغا محله أي بالغا زمانه، وحينئذ لا يتقيد المحصر بالمكان، ولكن يتقيد في الذبح بالزمان، وإن زال الإحصار قبل زمانه، وأمكن الوصول إلى الحج في إبانه، فقد زال موجب الذبح، وتعين إتمام الحج.

و لقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله تعالى: {و لا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} خطاب عام لكل المكلفين في هذه الشعيرة، لا فرق بين محصر وطليق، وذي عذر وغيره، فهو بيان لوقت التحلل من الإحرام بشكل عام، وبيان لمكان الذبح بشكل عام وهو الكعبة. وإن لذلك الكلام وجاهته واستقامته، وهو تخريج يعاضد رأي الجمهور، لأن الكلام يكون في مكان الذبح العام، لا في الإحصار، ومكان الذبح في الإحصار علم من السنة الصحيحة في الحديبية... وعبر سبحانه وتعالى بالفدية ولم يعبر بكفارة، لأنه لا ذنب ولا اعتداء، حتى يكون التكفير من الإثم...

و التمتع أصل معناه الانتفاع الممتد المستمر، مأخوذ من المتوع بمعنى الامتداد والارتفاع، والمراد هنا معنى إسلامي وهو الجمع بين العمرة والحج في عام واحد على أن يحرم بالعمرة أولا ثم بالحج، فمعنى قوله تعالى: [فمن تمتع بالعمرة إلى الحج] أي فمن أحرم بالعمرة منتفعا بعبادته ونسكه إلى أن أحرم بالحج، فلكي يتحلل في إبان التحلل يذبح هديا..إلخ. وسمي ذلك الجمع تمتعا، لأن المحرم يجمع بين متعة الروح ومتعة الجسد، فيحرم بالعمرة ويستمر فيها، وتلك متعة روحية، ويجوز أن يتحلل منها ثم يحرم بالحج، وتلك متعة جسدية، ثم هو يعتمر ويحج في سفر واحد، وتلك متعة مادية، من أجل ذلك سمي هذا تمتعا...

و لقد قال سبحانه وتعالى: [تلك عشرة كاملة] ليتقرر الحكم نصا، وليتبين أن الذي يحل محل النسك هو العشرة الكاملة لا بعضها، ولكي لا ينسى الناس صوم السبعة الأيام إذا عادوا إلى أهلهم حاسبين أن حجهم قد تم، بل عليهم أن يفهموا أن الحج لم يتم حتى يصوموا...

{و اتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب} ختم الله سبحانه وتعالى الآية الكريمة التي كانت فيها الإشارة إلى أعمال الحج ونسكه وشعائره بالأمر بتقواه للإشارة إلى أن الاعتبار في أعمال الحج لا يكون لما تعمله الجوارح، وما تقوم به من أفعال، إنما العبرة في ذلك إلى أثرها في القلوب، فإن أوجدت رحمة بالعباد، ورهبة من الخلاق، وتقوى من الله، فقد أديت على وجهها إذ خلصت النية، واستقامت الإرادة، وإن لم تؤد إلى تقوى الله والرحمة بعباده فقد خالطها رياء ولم تخلص النية، وحق العقاب، ولذا قال سبحانه [واعلموا أن الله شديد العقاب] ليلقي في نفوس الناس الرهبة من عقابه حال رجاء ثوابه، والناس يصلحون بالثواب والعقاب، حتى إذا علت المدارك وقويت الروح كان الثواب رضا الرحمان، ولذا قال سبحانه بعد ثواب المؤمنين: [و رضوان من الله... 15] (آل عمران)...

التفسير الحديث لدروزة 1404 هـ :

يمكن القول: إن الآيات [189-203] سلسلة واحدة نزلت دفعة واحدة أو متتابعة. وإذا صح هذا – والقرائن تؤيد صحته إن شاء الله – فتكون مناسك الحج والعمرة قد فرضت على المسلمين وبينت لهم قبل عام الحديبية ويكون بعض المسلمين كانوا يتمكنون من الوصول إلى مكة وأداء مناسك الحج والعمرة منفردين قبل فتح مكة. وفي آية الطواف بين الصفا والمروة التي مرّ تفسيرها ما يمكن أن يكون قرينة من قرائن صحة هذا الاحتمال. وفي الآية الثانية من سورة المائدة التي نزلت على الأرجح قبل فتح مكة قرينة أقوى أو دليل على ذلك وهي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} المائدة [2]

ولقد أراد بعض المسلمين أن يحج بعد منع المشركين النبي والمسلمين من زيارة الكعبة عام الحديبية فحاول بعض آخر منعهم من ذلك انتقاماً لمنع المشركين لهم. وهذا ما انطوى في جملة {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ...} المائدة: [2] الخ...

وما دامت العمرة هي زيارة الكعبة فتكون كلمة {الْحَجَّ} المطلقة التي جاءت مع كلمة العمرة قد عنت شيئا آخر، وهو ما فسّر في الأحاديث بأنه الوقوف في عرفة. الذي عرف يقيناً أنه يجب أن يكون في التاسع من شهر ذي الحجة. والراجح أن كلمة {يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ} في آية سورة التوبة الثالثة: {وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ {3}} قد عنته.

وقد روى أصحاب السنن حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء فيه: « الحجّ يوم عرفة» وعلى ضوء هذا يمكن القول إن جملة: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} تعني أن فريضة الحج الإسلامية ركنان هما العمرة أي الطواف والسعي في أشهر الحج والوقوف في عرفة في اليوم التاسع من ذي الحجة. وقد ذكرت فرضية حج البيت في القرآن ولم تذكر فرضية الوقوف في عرفة بصراحة قطعية فيه فاقتضت حكمة الله ورسوله إتمام ذلك بالحديث والله أعلم.

وليس من تعارض بين زيارة الكعبة في موسم الحج التي هي ركن من أركان الحج الإسلامي في موسم الحج وبين الزيارة التي تكون للكعبة في غير موسم الحج التي انطوى ذكرها في الآية [158] من سورة البقرة وشرحنا مداها...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

إنَّ الأمر بالتقوى، انطلاقاً من العلم بأنه شديد العقاب، أسلوب قرآني درج عليه القرآن في ما يريد اللّه أن يثيره أمام الإنسان من قضايا الحياة والتشريع، ليقف الإنسان فيه عند حدود اللّه من موقع النفس التقية التي تراقب اللّه وتخاف عقابه. أمّا مناسبة ذلك، هنا، فهو الحديث عن تفصيلات تشريع الحج والعمرة من إتمامهما، والحديث عن الحكم في حالة الإحصار وفي حالة الأمن، وعن الحكم في حج التمتع في حالة التمكن من الهدي والعجز عنه؛ فإنَّ ذلك كلّه مما يوحي بالحاجة إلى الانضباط والالتزام والتقوى في حدود هذه الأمور ومواردها الشرعية، ويكفي ذلك مناسبة...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

يُعتبر الحجّ من أهم العبادات التي شُرعت في الإسلام ولها آثار وبركات كثيرة جدّاً، فهو مصدر عظمة الإسلام وقوّة الدّين واتّحاد المسلمين، والحجّ هو الشعيرة العباديّة التي ترعب الأعداء وتضخ في كلّ عام دماً جديداً في شرايين المسلمين...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍ أَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} (196)

قوله تعالى : { وأتموا الحج والعمرة لله }فيه سبع مسائل :

الأولى : اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج والعمرة لله ، فقيل : أداؤهما والإتيان بهما ، كقوله : " فأتمهن " [ البقرة : 124 ] وقوله : " ثم أتموا الصيام إلى الليل " [ البقرة : 187 ] أي ائتوا بالصيام ، وهذا على مذهب من أوجب العمرة ، على ما يأتي . ومن لم يوجبها قال : المراد تمامهما بعد الشروع فيهما ، فإن من أحرم بنسك وجب عليه المضي فيه ولا يفسخه ، قال معناه الشعبي وابن زيد . وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك . وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص ، وفعله عمران بن حصين . وقال سفيان الثوري : إتمامهما أن تخرج قاصدا لهما لا لتجارة ولا لغير ذلك ، ويقوي هذا قوله " لله " . وقال عمر : إتمامهما أن يفرد كل واحد منهما من غير تمتع وقران ، وقاله ابن حبيب . وقال مقاتل : إتمامهما ألا تستحلوا فيهما ما لا ينبغي لكم ، وذلك أنهم كانوا يشركون في إحرامهم فيقولون : لبيك اللهم لبيك ، لا شريك لك إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك . فقال : فأتموهما ولا تخلطوهما بشيء آخر .

قلت : أما ما روي عن علي وفعله عمران بن حصين في الإحرام قبل المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال به عبدالله بن مسعود وجماعة من السلف ، وثبت أن عمر أهل من إيلياء ، وكان الأسود وعلقمة وعبدالرحمن وأبو إسحاق يحرمون من بيوتهم ، ورخص فيه الشافعي . وروى أبو داود والدارقطني عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أحرم من بيت المقدس بحج أو عمرة كان من ذنوبه كيوم{[1708]} ولدته أمه ) في رواية ( غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ) . وخرجه أبو داود وقال : " يرحم الله وكيعا أحرم من بيت المقدس ، يعني إلى مكة " . ففي هذا إجازة الإحرام قبل الميقات . وكره مالك رحمه الله أن يحرم أحد قبل الميقات ، ويروى ذلك عن عمر بن الخطاب ، وأنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة . وأنكر عثمان على ابن عمر{[1709]} إحرامه قبل الميقات . وقال أحمد وإسحاق : وجه العمل المواقيت ، ومن الحجة لهذا القول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت المواقيت وعينها ، فصارت بيانا لمجمل الحج ، ولم يحرم صلى الله عليه وسلم من بيته لحجته ، بل أحرم من ميقاته الذي وقته لأمته ، وما فعله صلى الله عليه وسلم فهو الأفضل إن شاء الله . وكذلك صنع جمهور الصحابة والتابعين بعدهم . واحتج أهل المقالة الأولى بأن ذلك أفضل بقول عائشة : ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ، وبحديث أم سلمة مع ما ذكر عن الصحابة في ذلك ، وقد شهدوا إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته من ميقاته ، وعرفوا مغزاه ومراده ، وعلموا أن إحرامه من ميقاته كان تيسيرا على أمته .

الثانية : روى الأئمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة{[1710]} ، ولأهل الشام الجحفة{[1711]} ، ولأهل نجد قرن{[1712]} ، ولأهل اليمن يلملم{[1713]} ، هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة . ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ ، حتى أهل مكة من مكة يهلون منها . وأجمع أهل العلم على القول بظاهر هذا الحديث واستعماله ، لا يخالفون شيئا منه . واختلفوا في ميقات أهل العراق وفيمن وقته ، فروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المشرق العقيق . قال الترمذي : هذا حديث حسن . وروي أن عمر وقت لأهل العراق ذات عرق{[1714]} . وفي كتاب أبي داود عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق ، وهذا هو الصحيح . ومن روى أن عمر وقته لأن العراق في وقته افتتحت ، فغفلة منه ، بل وقته رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وقت لأهل الشام الجحفة . والشام كلها يومئذ دار كفر كما كانت العراق وغيرها يومئذ من البلدان ، ولم تفتح العراق ولا الشام إلا على عهد عمر ، وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل السير . قال أبو عمر : كل عراقي أو مشرقي أحرم من ذات عرق فقد أحرم عند الجميع من ميقاته ، والعقيق أحوط عندهم وأولى من ذات عرق ، وذات عرق ميقاتهم أيضا بإجماع .

الثالثة : أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل أن يأتي الميقات أنه محرم ، وإنما منع من ذلك من رأى الإحرام عند الميقات أفضل ، كراهية أن يضيق المرء على نفسه ما قد وسع الله عليه ، وأن يتعرض بما لا يؤمن أن يحدث في إحرامه ، وكلهم ألزمه الإحرام إذا فعل ذلك ، لأنه زاد ولم ينقص .

الرابعة : في هذه الآية دليل على وجوب العمرة ، لأنه تعالى أمر بإتمامها كما أمر بإتمام الحج . قال الصبي{[1715]} بن معبد : أتيت عمر رضي الله عنه فقلت إني كنت نصرانيا فأسلمت ، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبتين علي ، وإني أهللت بهما جميعا . فقال له عمر هديت لسنة نبيك قال ابن المنذر : ولم ينكر عليه قوله : " وجدت الحج والعمرة مكتوبتين علي " . وبوجوبهما قال علي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس . وروى الدارقطني عن ابن جريج قال : أخبرني نافع أن عبدالله بن عمر كان يقول : ليس من خلق الله أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع ذلك سبيلا ، فمن زاد بعدها شيئا فهو خير وتطوع . قال : ولم أسمعه يقول في أهل مكة شيئا . قال ابن جريج : وأخبرت عن عكرمة أن ابن عباس قال : العمرة واجبة كوجوب الحج من استطاع إليه سبيلا . وممن ذهب إلى وجوبها من التابعين عطاء وطاوس ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبي وسعيد بن جبير وأبو بردة ومسروق وعبدالله بن شداد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وابن الجهم من المالكيين . وقال الثوري : سمعنا أنها واجبة . وسئل زيد بن ثابت عن العمرة قبل الحج ، فقال : صلاتان لا يضرك بأيهما بدأت ، ذكره الدارقطني . وروي مرفوعا عن محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت ) . وكان مالك يقوله : العمرة سنة ولا نعلم أحدا أرخص في تركها . وهو قول النخعي وأصحاب الرأي فيما حكى ابن المنذر . وحكى بعض القزوينيين والبغداديين عن أبي حنيفة أنه كان يوجبها كالحج ، وبأنها سنة ثابتة ، قاله ابن مسعود وجابر بن عبدالله . روى الدارقطني حدثنا محمد بن القاسم بن زكريا حدثنا محمد بن العلاء أبو كريب حدثنا عبدالرحيم بن سليمان عن حجاج عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله قال : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة والزكاة والحج : أواجب هو ؟ قال : ( نعم ) فسأله عن العمرة : أواجبة هي ؟ قال : ( لا وأن تعتمر خير لك ) . رواه يحيى{[1716]} بن أيوب عن حجاج وابن جريج عن ابن المنكدر عن جابر موقوفا من قول جابر فهذه حجة من لم يوجبها من السنة . قالوا : وأما الآية فلا حجة فيها للوجوب ؛ لأن الله سبحانه إنما قرنها في وجوب الإتمام لا في الابتداء ، فإنه ابتدأ الصلاة والزكاة فقال " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " [ المزمل : 20 ] . وابتدأ بإيجاب الحج فقال : " ولله على الناس حج البيت{[1717]} " [ آل عمران : 97 ] ولما ذكر العمرة أمر بإتمامها لا بابتدائها ، فلو حج عشر حجج ، أو اعتمر عشر عمر لزم الإتمام في جميعها ، فإنما جاءت الآية لإلزام الإتمام لا لإلزام الابتداء ، والله أعلم . واحتج المخالف من جهة النظر على وجوبها بأن قال : عماد الحج الوقوف بعرفة ، وليس في العمرة وقوف ، فلو كانت كسنة الحج لوجب أن تساويه في أفعاله ، كما أن سنة الصلاة تساوي فريضتها في أفعالها .

الخامسة : قرأ الشعبي وأبو حيوة برفع التاء في " العمرة " ، وهي تدل على عدم الوجوب . وقرأ الجماعة " العمرة " بنصب التاء ، وهي تدل على الوجوب . وفي مصحف ابن مسعود " وأتموا الحج والعمرة إلى البيت لله{[1718]} " وروي عنه " وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت " . وفائدة التخصيص بذكر الله هنا أن العرب كانت تقصد الحج للاجتماع والتظاهر والتناضل والتنافر وقضاء الحاجة وحضور الأسواق ، وكل ذلك ليس لله فيه طاعة ، ولا حظ بقصد ، ولا قربة بمعتقد ، فأمر الله سبحانه بالقصد إليه لأداء فرضه وقضاء حقه ، ثم سامح في التجارة ، على ما يأتي .

السادسة : لا خلاف بين العلماء فيمن شهد مناسك الحج وهو لا ينوي حجا ولا عمرة والقلم جار له وعليه أن شهودها بغير نية ولا قصد غير مغن عنه ، وأن النية تجب فرضا ، لقوله تعالى : { وأتموا } ومن تمام العبادة حضور النية ، وهي فرض كالإحرام عند الإحرام ، لقوله عليه السلام لما ركب راحلته : ( لبيك بحجة وعمرة معا ) على ما يأتي . وذكر الربيع في كتاب البويطي عن الشافعي قال : ولو لبى رجل ولم ينو حجا ولا عمرة لم يكن حاجا ولا معتمرا ، ولو نوى ولم يلب حتى قضى المناسك كان حجه تاما ، واحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات ) . قال : ومن فعل مثل ما فعل علي حين أهل على إهلال النبي صلى الله عليه وسلم أجزته تلك النية ، لأنها وقعت على نية لغيره قد تقدمت ، بخلاف الصلاة .

السابعة : واختلف العلماء في المراهق والعبد يحرمان بالحج ثم يحتلم هذا ويعتق هذا قبل الوقوف بعرفة ، فقال مالك : لا سبيل لهما إلى رفض الإحرام ولا لأحد متمسكا بقوله تعالى : { وأتموا الحج والعمرة لله } ومن رفض إحرامه فلا يتم حجه ولا عمرته . وقال أبو حنيفة : جائز للصبي إذا بلغ قبل الوقوف بعرفة أن يجدد إحراما ، فإن تمادى على حجه ذلك لم يجزه من حجة الإسلام . واحتج بأنه لما لم يكن الحج يجزي عنه ، ولم يكن الفرض لازما له حين أحرم بالحج ثم لزمه حين بلغ استحال أن يشغل عن فرض قد تعين عليه بنافلة ويعطل فرضه ، كمن دخل في نافلة وأقيمت عليه المكتوبة وخشي فوتها قطع النافلة ودخل في المكتوبة . وقال الشافعي : إذا أحرم الصبي ثم بلغ قبل الوقوف بعرفة فوقف بها محرما أجزأه من حجة الإسلام ، وكذلك العبد . قال : ولو عتق بمزدلفة وبلغ الصبي بها فرجعا إلى عرفة بعد العتق والبلوغ فأدركا الوقوف بها قبل طلوع الفجر أجزت عنهما من حجة الإسلام ، ولم يكن عليهما دم ، ولو احتاطا فأهراقا{[1719]} دما كان أحب إلي ، وليس ذلك بالبين عندي . واحتج في إسقاط تجديد الإحرام بحديث علي رضي الله عنه إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل من اليمن مهلا بالحج : ( بم أهللت ) قال قلت : لبيك اللهم بإهلال كإهلال نبيك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فإني أهللت بالحج وسقت الهدي ) . قال الشافعي : ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته ، ولا أمره بتجديد نية لإفراد أو تمتع أو قران . وقال مالك في النصراني يسلم عشية عرفة فيحرم بالحج : أجزأه من حجة الإسلام ، وكذلك العبد يعتق ، والصبي يبلغ إذا لم يكونوا محرمين ولا دم على واحد منهم ، وإنما يلزم الدم من أراد الحج ولم يحرم من الميقات . وقال أبو حنيفة : يلزم العبد الدم . وهو كالحر عندهم في تجاوز الميقات ، بخلاف الصبي والنصراني فإنهما لا يلزمهما الإحرام لدخول مكة لسقوط الفرض عنهما . فإذا أسلم الكافر وبلغ الصبي كان حكمهما حكم المكي ، ولا شيء عليهما في ترك الميقات .

قوله تعالى : { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى } فيه اثنتا عشرة مسألة :

الأولى : قال ابن العربي : هذه آية مشكلة ، عُضْلة من العُضل . قلت : لا إشكال فيها ، ونحن نبينها غاية البيان فنقول : الإحصار هو المنع من الوجه الذي تقصده بالعوائق جملة ، ف " جملة " أي بأي عذر كان ، كان حصر عدو أو جور سلطان أو مرض أو ما كان . واختلف العلماء في تعيين المانع هنا على قولين : الأول : قال علقمة وعروة بن الزبير وغيرهما : هو المرض لا العدو . وقيل : العدو خاصة ، قاله ابن عباس وابن عمر وأنس والشافعي . قال ابن العربي : وهو اختيار علمائنا . ورأى أكثر أهل اللغة ومحصليها على أن " أحصر " عرض للمرض ، و " حصر " نزل به العدو .

قلت : ما حكاه ابن العربي من أنه اختيار علمائنا فلم يقل به إلا أشهب وحده ، وخالفه سائر أصحاب مالك في هذا وقالوا : الإحصار إنما هو المرض ، وأما العدو فإنما يقال فيه : حصر حصرا فهو محصور ، قاله الباجي في المنتقى . وحكى أبو إسحاق الزجاج أنه كذلك عند جميع أهل اللغة ، على ما يأتي . وقال أبو عبيدة والكسائي : " أحصر " بالمرض ، و " حصر " بالعدو . وفي المجمل لابن فارس على العكس ، فحصر بالمرض ، وأحصر بالعدو . وقالت طائفة : يقال أحصر فيهما جميعا من الرباعي ، حكاه أبو عمر .

قلت : وهو يشبه قول مالك حيث ترجم في موطئه " أحصر " فيهما ، فتأمله . وقال الفراء : هما بمعنى واحد في المرض والعدو . قال القشيري أبو نصر : وادعت الشافعية أن الإحصار يستعمل في العدو ، فأما المرض فيستعمل فيه الحصر ، والصحيح أنهما يستعملان فيهما . قلت : ما ادعته الشافعية قد نص الخليل بن أحمد وغيره على خلافه . قال الخليل : حصرت الرجل حصرا منعته وحبسته ، وأحصر الحاج عن بلوغ المناسك من مرض أو نحوه ، هكذا قال ، جعل الأول ثلاثيا من حصرت ، والثاني في المرض رباعيا . وعلى هذا خرج قول ابن عباس : لا حصر إلا حصر العدو . وقال ابن السكيت : أحصره المرض إذا منعه من السفر أو من حاجة يريدها . وقد حصره العدو يحصرونه إذا ضيقوا عليه فأطافوا به ، وحاصروه محاصرة وحصارا . قال الأخفش : حصرت الرجل فهو محصور ، أي حبسته . قال : وأحصرني بولي ، وأحصرني مرضي ، أي جعلني أحصر نفسي . قال أبو عمرو الشيباني : حصرني الشيء وأحصرني ، أي حبسني . قلت : فالأكثر من أهل اللغة على أن " حصر " في العدو ، و " أحصر " في المرض ، وقد قيل ذلك في قول الله تعالى : " للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله{[1720]} " [ البقرة : 273 ] . وقال ابن ميادة :

وما هجر ليلى أن تكون تباعدت *** عليك ولا أن أَحصَرتك شُغُولُ

وقال الزجاج : الإحصار عند جميع أهل اللغة إنما هو من المرض ، فأما من العدو فلا يقال فيه إلا حصر ، يقال : حصر حصرا ، وفي الأول أحصر إحصارا ، فدل على ما ذكرناه . وأصل الكلمة من الحبس ، ومنه الحصير للذي يحبس نفسه عن البوح بسره . والحصير : الملك لأنه كالمحبوس من وراء الحجاب . والحصير الذي يجلس عليه لانضمام بعض طاقات البردي{[1721]} إلى بعض ، كحبس الشيء مع غيره .

الثانية : ولما كان أصل الحصر الحبس ، قالت الحنفية : المحصر من يصير ممنوعا من مكة بعد الإحرام بمرض أو عدو أو غير ذلك . واحتجوا بمقتضى الإحصار مطلقا ، قالوا : وذكر الأمن في آخر الآية لا يدل على أنه لا يكون من المرض ، قال صلى الله عليه وسلم : ( الزكام أمان من الجذام ) ، وقال : ( من سبق العاطس بالحمد أمن من الشَّوْص واللَّوْص والعِلَّوْص ) . الشوص : وجع السن . واللوص : وجع الأذن . والعلوص : وجع البطن . أخرجه ابن ماجه في سننه . قالوا : وإنما جعلنا حبس العدو حصارا قياسا على المرض إذا كان في حكمه ، لا بدلالة الظاهر . وقال ابن عمر وابن الزبير وابن عباس والشافعي وأهل المدينة : المراد بالآية حصر العدو ؛ لأن الآية نزلت في سنة ست في عمرة الحديبية حين صد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة . قال ابن عمر : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحال كفار قريش دون البيت فنحر النبي صلى الله عليه وسلم هديه وحلق رأسه . ودل على هذا قوله تعالى : " فإذا أمنتم " . ولم يقل : برأتم ، والله أعلم .

الثالثة : جمهور الناس على أن المحصر بعدو يحل حيث أحصر وينحر هديه إن كان ثم هدي ويحلق رأسه . وقال قتادة وإبراهيم : يبعث بهديه إن أمكنه ، فإذا بلغ محله{[1722]} صار حلالا . وقال أبو حنيفة : دم الإحصار لا يتوقف على يوم النحر ، بل يجوز ذبحه قبل يوم النحر إذا بلغ محله ، وخالفه صاحباه فقالا : يتوقف على يوم النحر ، وإن نحر قبله لم يجزه . وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان .

الرابعة : الأكثر من العلماء على أن من أحصر بعدو كافر أو مسلم أو سلطان حبسه في سجن أن عليه الهدي ، وهو قول الشافعي ، وبه قال أشهب . وكان ابن القاسم يقول : ليس على من صد عن البيت في حج أو عمرة هدي إلا أن يكون ساقه معه ، وهو قول مالك . ومن حجتهما أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نحر يوم الحديبية هديا قد كان أشعره وقلده{[1723]} حين أحرم بعمرة ، فلما لم يبلغ ذلك الهدي محله للصد أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحر ؛ لأنه كان هديا وجب بالتقليد والإشعار ، وخرج لله فلم يجز الرجوع فيه ، ولم ينحره رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل الصد ، فلذلك لا يجب على من صد عن البيت هدي . واحتج الجمهور بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل يوم الحديبية ولم يحلق رأسه حتى نحر الهدي ، فدل ذلك على أن من شرط إحلال المحصر ذبح هدي إن كان عنده ، وإن كان فقيرا فمتى وجده وقدر عليه لا يحل إلا به ، وهو مقتضى قوله : " فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي " . وقد قيل : يحل ويهدي إذا قدر عليه ، والقولان للشافعي ، وكذلك من لا يجد هديا يشتريه ، قولان .

الخامسة : قال عطاء وغيره : المحصر بمرض كالمحصر بعدو . وقال مالك والشافعي وأصحابهما : من أحصره المرض فلا يحله إلا الطواف بالبيت وإن أقام سنين حتى يفيق . وكذلك من أخطأ العدد أو خفي عليه الهلال . قال مالك : وأهل مكة في ذلك كأهل الآفاق . قال : وإن احتاج المريض إلى دواء تداوى به وافتدى وبقي على إحرامه لا يحل من شيء حتى يبرأ من مرضه ، فإذا برئ من مرضه مضى إلى البيت فطاف به سبعا ، وسعى بين الصفا والمروة ، وحل من حجته أو عمرته . وهذا كله قول الشافعي ، وذهب في ذلك إلى ما روي عن عمر وابن عباس وعائشة وابن عمر وابن الزبير أنهم قالوا في المحصر بمرض أو خطأ العدد : إنه لا يحله إلا الطواف بالبيت . وكذلك من أصابه كسر أو بطن منخرق . وحكم من كانت هذه حاله عند مالك وأصحابه أن يكون بالخيار إذا خاف فوت الوقوف بعرفة لمرضه ، إن شاء مضى إذا أفاق إلى البيت فطاف وتحلل بعمرة ، وإن شاء أقام على إحرامه إلى قابل ، وإن أقام على إحرامه ولم يواقع شيئا مما نهي عنه الحاج فلا هدي عليه . ومن حجته في ذلك الإجماع من الصحابة على أن من أخطأ العدد أن هذا حكمه لا يحله إلا الطواف بالبيت . وقال في المكي إذا بقي محصورا حتى فرغ الناس من حجهم : فإنه يخرج إلى الحل فيلبي ويفعل ما يفعله المعتمر ويحل ، فإذا كان قابل حج وأهدى . وقال ابن شهاب الزهري في إحصار من أحصر بمكة من أهلها : لا بد له من أن يقف بعرفة وإن نعش نعشا . واختار هذا القول أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدالله بن بكير المالكي فقال : قول مالك في المحصر المكي أن عليه ما على الآفاق من إعادة الحج والهدي خلاف ظاهر الكتاب ، لقول الله عز وجل : " ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام " . قال : والقول عندي في هذا قول الزهري في أن الإباحة من الله عز وجل لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام أن يقيم لبعد المسافة يتعالج وإن فاته الحج ، فأما من كان بينه وبين المسجد الحرام ما لا تقصر في مثله الصلاة فإنه يحضر المشاهد وإن نعش نعشا لقرب المسافة بالبيت . وقال أبو حنيفة وأصحابه : كل من منع من الوصول إلى البيت بعدو أو مرض أو ذهاب نفقة أو إضلال راحلة أو لدغ هامة فإنه يقف مكانه على إحرامه ويبعث بهديه أو بثمن هديه ، فإذا نحر فقد حل من إحرامه . كذلك قال عروة وقتادة والحسن وعطاء والنخعي ومجاهد وأهل العراق ، لقوله تعالى : " فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي " الآية .

السادسة : قال مالك وأصحابه : لا ينفع المحرم الاشتراط في الحج إذا خاف الحصر بمرض أو عدو ، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابهم . والاشتراط أن يقول إذا أهل : لبيك اللهم لبيك ، ومحلي حيث حبستني من الأرض . وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور : لا بأس أن يشترط وله شرطه ، وقاله غير واحد من الصحابة والتابعين ، وحجتهم حديث ضباعة بنت الزبير بن عبدالمطلب أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إني أردت الحج ، أأشترط ؟ قال : ( نعم ) . قالت : فكيف أقول ؟ قال : ( قولي لبيك اللهم لبيك ومحلي من الأرض حيث حبستني ) . أخرجه أبو داود والدارقطني وغيرهما . قال الشافعي : لو ثبت حديث ضباعة لم أعده ، وكان محله حيث حبسه الله . قلت : قد صححه غير واحد ، منهم أبو حاتم البستي وابن المنذر ، قال ابن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لضباعة بنت الزبير : ( حجي واشترطي ) . وبه قال الشافعي إذ هو بالعراق ، ثم وقف عنه بمصر . قال ابن المنذر : وبالقول الأول أقول . وذكره عبدالرزاق أخبرنا ابن جريج قال : أخبرني أبو الزبير أن طاوسا وعكرمة أخبراه عن ابن عباس قال : جاءت ضباعة بنت الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إني امرأة ثقيلة{[1724]} وإني أريد الحج ، فكيف تأمرني أن أهل ؟ قال : ( أهلي واشترطي أن محلي حيث حبستني ) . قال : فأدركت{[1725]} . وهذا إسناد صحيح .

السابعة : واختلفت العلماء أيضا في وجوب القضاء على من أحصر ، فقال مالك والشافعي : من أحصر بعدو فلا قضاء عليه بحجه ولا عمرته ، إلا أن يكون صرورة{[1726]} لم يكن حج ، فيكون عليه الحج على حسب وجوبه عليه ، وكذلك العمرة عند من أوجبها فرضا . وقال أبو حنيفة : المحصر بمرض أو عدو عليه حجة وعمرة ، وهو قول الطبري . قال أصحاب الرأي : إن كان مهلا بحج قضى حجة وعمرة ؛ لأن إحرامه بالحج صار عمرة . وإن كان قارنا قضى حجة وعمرتين . وإن كان مهلا بعمرة قضى عمرة . وسواء عندهم المحصر بمرض أو عدو ، على ما تقدم . واحتجوا بحديث ميمون ابن مهران قال : خرجت معتمرا عام حاصر أهل الشام ابن الزبير بمكة وبعث معي رجال من قومي بهدي ، فلما انتهيت إلى أهل الشام منعوني أن أدخل الحرم ، فنحرت الهدي مكاني ثم حللت ثم رجعت ، فلما كان من العام المقبل خرجت لأقضي عمرتي ، فأتيت ابن عباس فسألته ، فقال : أبدل الهدي ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء . واستدلوا بقوله عليه السلام : ( من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى أو عمرة أخرى ) . رواه عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من عرج أو كسر فقد حل وعليه حجة أخرى ) . قالوا : فاعتمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في العام المقبل من عام الحديبية إنما كان قضاء لتلك العمرة ، قالوا : ولذلك قيل لها عمرة القضاء . واحتج مالك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحدا من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا ولا أن يعودوا لشيء ، ولا حفظ ذلك عنه بوجه من الوجوه ، ولا قال في العام المقبل : إن عمرتي هذه قضاء عن العمرة التي حصرت فيها ، ولم ينقل ذلك عنه . قالوا : وعمرة القضاء وعمرة القضية سواء ، وإنما قيل لها ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضى قريشا وصالحهم في ذلك العام على الرجوع عن البيت وقصده من قابل ، فسميت بذلك عمرة القضية .

الثامنة : لم يقل أحد من الفقهاء فيمن كسر أو عرج أنه يحل مكانه بنفس الكسر غير أبي ثور على ظاهر حديث الحجاج بن عمرو ، وتابعه على ذلك داود بن علي وأصحابه . وأجمع العلماء على أنه يحل من كسر ، ولكن اختلفوا فيما به يحل ، فقال مالك وغيره : يحل بالطواف بالبيت لا يحله غيره . ومن خالفه من الكوفيين يقول : يحل بالنية وفعل ما يتحلل به ، على ما تقدم من مذهبه .

التاسعة : لا خلاف بين علماء الأمصار أن الإحصار عام في الحج والعمرة . وقال ابن سيرين : لا إحصار في العمرة ، لأنها غير مؤقتة . وأجيب بأنها وإن كانت غير مؤقتة لكن في الصبر إلى زوال العذر ضرر ، وفي ذلك نزلت الآية . وحكي عن ابن الزبير أن من أحصره العدو أو المرض فلا يحله إلا الطواف بالبيت ، وهذا أيضا مخالف لنص الخبر عام الحديبية .

العاشرة : الحاصر لا يخلو أن يكون كافرا أو مسلما ، فإن كان كافرا لم يجز قتاله ولو وثق بالظهور عليه ، ويتحلل بموضعه ، لقوله تعالى : " ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام " كما تقدم . ولو سأل الكافر جعلا لم يجز ، لأن ذلك وهن في الإسلام . فإن كان مسلما لم يجز قتاله بحال ، ووجب التحلل ، فإن طلب شيئا ويتخلى عن الطريق جاز دفعه ، ولم يجز القتال لما فيه من إتلاف المهج ، وذلك لا يلزم في أداء العبادات ، فإن الدين أسمح . وأما بذل الجعل فلما فيه من دفع أعظم الضررين بأهونهما ، ولأن الحج مما ينفق فيه المال ، فيعد هذا من النفقة .

الحادية عشرة : والعدو الحاصر لا يخلو أن يتيقن بقاؤه واستيطانه لقوته وكثرته أو لا ، فإن كان الأول حل المحصر مكانه من ساعته . وإن كان الثاني وهو مما يرجى زواله فهذا لا يكون محصورا حتى يبقى بينه وبين الحج مقدار ما يعلم أنه إن زال العدو لا يدرك فيه الحج ، فيحل حينئذ عند ابن القاسم وابن الماجشون . وقال أشهب : لا يحل من حصر عن الحج بعدو حتى يوم النحر ، ولا يقطع التلبية حتى يروح الناس إلى عرفة . وجه قول ابن القاسم : أن هذا وقت يأس من إكمال حجه لعدو غالب ، فجاز له أن يحل فيه ، أصل ذلك يوم عرفة . ووجه قول أشهب أن عليه أن يأتي من حكم الإحرام بما يمكنه [ والتزامه له إلى يوم النحر ، الوقت الذي يجوز للحاج التحلل بما يمكنه ]{[1727]} الإتيان به [ فكان ذلك عليه ]{[1728]} .

قوله تعالى : " فما استيسر من الهدي " " ما " في موضع رفع ، أي فالواجب أو فعليكم ما استيسر . ويحتمل أن يكون في موضع نصب ، أي فانحروا أو فاهدوا . و " ما استيسر " عند جمهور أهل العلم شاة . وقال ابن عمر وعائشة وابن الزبير : " ما استيسر " جمل دون جمل ، وبقرة دون بقرة لا يكون من غيرهما . وقال الحسن : أعلى الهدي بدنة ، وأوسطه بقرة ، وأخسه شاة . وفي هذا دليل على ما ذهب إليه مالك من أن المحصر بعدو لا يجب عليه القضاء ، لقوله : " فما استيسر من الهدي " ولم يذكر قضاء . والله أعلم .

الثانية عشرة : قوله تعالى : " من الهدي " الهَدْي والهَدِيّ لغتان . وهو ما يهدى إلى بيت الله من بدنة أو غيرها . والعرب تقول : كم هدي بني فلان ، أي كم إبلهم . وقال أبو بكر : سميت هديا لأن منها ما يهدى إلى بيت الله ، فسميت بما يلحق بعضها ، كما قال تعالى : " فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب{[1729]} " [ النساء : 25 ] . أراد فإن زنى الإماء فعلى الأمة منهن إذا زنت نصف ما على الحرة البكر إذا زنت ، فذكر الله المحصنات وهو يريد الأبكار ؛ لأن الإحصان يكون في أكثرهن فسمين بأمر يوجد في بعضهن . والمحصنة من الحرائر هي ذات الزوج ، يجب عليها الرجم إذا زنت ، والرجم لا يتبعض ، فيكون على الأمة نصفه ، فانكشف بهذا أن المحصنات يراد بهن الأبكار لا أولات الأزواج . وقال الفراء : أهل الحجاز وبنو أسد يخفون الهدي ، قال : وتميم وسفلى قيس يثقلون فيقولون : هدي . قال الشاعر :

حلفت برب مكة والمصلَّى *** وأعناقِ الهَدِيِّ مُقَلَّدَاتِ

قال : وواحد الهدي هدية . ويقال في جمع الهدي : أهداء .

قوله تعالى : { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله }فيه سبع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله " الخطاب لجميع الأمة محصر ومخلى . ومن العلماء من يراها للمحصرين خاصة ، أي لا تتحللوا من الإحرام حتى ينحر الهدي . والمحل : الموضع الذي يحل فيه ذبحه . فالمحل في حصر العدو عند مالك والشافعي : موضع الحصر ، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية ، قال الله تعالى : " والهدي معكوفا أن يبلغ محله{[1730]} " [ الفتح : 25 ] قيل : محبوسا إذا كان محصرا ممنوعا من الوصول إلى البيت العتيق . وعند أبي حنيفة محل الهدي في الإحصار : الحرم ، لقوله تعالى : " ثم محلها إلى البيت العتيق{[1731]} " [ الحج : 33 ] . وأجيب عن هذا بأن المخاطب به الآمن الذي يجد الوصول إلى البيت . فأما المحصر فخارج من قول الله تعالى : " ثم محلها إلى البيت العتيق " بدليل نحر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هديهم بالحديبية وليست من الحرم . واحتجوا من السنة بحديث ناجية بن جندب صاحب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ابعث معي الهدي فأنحره بالحرم . قال : ( فكيف تصنع به ) قال : أخرجه في الأودية لا يقدرون عليه ، فأنطلق به حتى أنحره في الحرم . وأجيب بأن هذا لا يصح ، وإنما ينحر حيث حل ، اقتداء بفعله عليه السلام بالحديبية ، وهو الصحيح الذي رواه الأئمة ، ولأن الهدي تابع للمهدي ، والمهدي حل بموضعه ، فالمهدى أيضا يحل معه .

الثانية : واختلف العلماء على ما قررناه في المحصر هل له أن يحلق أو يحل بشيء من الحل قبل أن ينحر ما استيسر من الهدي ، فقال مالك : السنة الثابتة التي لا اختلاف فيها عندنا أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ من شعره حتى ينحر هديه ، قال الله تعالى : " ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله " . وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا حل المحصر قبل أن ينحر هديه فعليه دم ، ويعود حراما كما كان حتى ينحر هديه . وإن أصاب صيدا قبل أن ينحر الهدي فعليه الجزاء . وسواء في ذلك الموسر والمعسر لا يحل أبدا حتى ينحر أو ينحر عنه . قالوا : وأقل ما يهديه شاة ، لا عمياء ولا مقطوعة الأذنين ، وليس هذا عندهم موضع صيام . قال أبو عمر : قول الكوفيين فيه ضعف وتناقض ؛ لأنهم لا يجيزون لمحصر بعدو ولا مرض أن يحل حتى ينحر هديه في الحرم . وإذا أجازوا للمحصر بمرض أن يبعث بهدي ويواعد حامله يوما ينحره فيه فيحل ويحلق فقد أجازوا له أن يحل على غير يقين من نحر الهدي وبلوغه ، وحملوه على الإحلال بالظنون . والعلماء متفقون على أنه لا يجوز لمن لزمه شيء من فرائضه أن يخرج منه بالظن ، والدليل على أن ذلك ظن قولهم : لو عطب ذلك الهدي أو ضل أو سرق فحل مرسله وأصاب النساء وصاد أنه يعود حراما وعليه جزاء ما صاد ، فأباحوا له فساد الحج وألزموه ما يلزم من لم يحل من إحرامه . وهذا ما لا خفاء فيه من التناقض وضعف المذاهب ، وإنما بنوا مذهبهم هذا كله على قول ابن مسعود ولم ينظروا في خلاف غيره له . وقال الشافعي في المحصر إذا أعسر بالهدي : فيه قولان : لا يحل أبدا إلا بهدي . والقول الآخر : أنه مأمور أن يأتي بما قدر عليه ، فإن لم يقدر على شيء كان عليه أن يأتي به إذا قدر عليه . قال الشافعي : ومن قال هذا قال : يحل مكانه ويذبح إذا قدر ، فإن قدر على أن يكون الذبح بمكة لم يجزه أن يذبح إلا بها ، وإن لم يقدر ذبح حيث قدر . قال ويقال لا يجزيه إلا هدي . ويقال : إذا لم يجد هديا كان عليه الإطعام أو الصيام . وإن لم يجد واحدا من هذه الثلاثة أتى بواحد منها إذا قدر . وقال في العبد : لا يجزيه إلا الصوم ، تقوم له الشاة دراهم ثم الدراهم طعاما ثم يصوم عن كل مد يوما .

الثالثة : واختلفوا إذا نحر المحصر هديه هل له أن يحلق أو لا ، فقالت طائفة : ليس عليه أن يحلق رأسه ، لأنه قد ذهب عنه النسك . واحتجوا بأنه لما سقط عنه بالإحصار جميع المناسك كالطواف والسعي - وذلك مما يحل به المحرم من إحرامه - سقط عنه سائر ما يحل به المحرم من أجل أنه محصر . وممن احتج بهذا وقال به أبو حنيفة ومحمد بن الحسن قالا : ليس على المحصر تقصير ولا حلاق . وقال أبو يوسف : يحلق المقصر ، فإن لم يحلق فلا شيء عليه . وقد حكى ابن أبي عمران عن ابن سماعة عن أبي يوسف في نوادره أن عليه الحلاق ، والتقصير لا بد له منه . واختلف قول الشافعي في هذه المسألة على قولين : أحدهما أن الحِلاق للمحصر من النسك ، وهو قول مالك . والآخر ليس من النسك كما قال أبو حنيفة . والحجة لمالك أن الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة قد منع من ذلك كله المحصر وقد صد عنه ، فسقط عنه ما قد حيل بينه وبينه . وأما الحِلاق فلم يحل بينه وبينه ، وهو قادر على أن يفعله ، وما كان قادرا على أن يفعله فهو غير ساقط عنه ، ومما يدل على أن الحِلاق باق على المحصر كما هو باق على من قد وصل إلى البيت سواء قوله تعالى : " ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله " ، وما رواه الأئمة من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا وللمقصرين واحدة . وهو الحجة القاطعة والنظر الصحيح في هذه المسألة ، وإلى هذا ذهب مالك وأصحابه . والحلاق عندهم نسك على الحاج الذي قد أتم حجه ، وعلى من فاته الحج ، والمحصر بعدو والمحصر بمرض .

الرابعة : روى الأئمة واللفظ لمالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : ( اللهم ارحم المحلقين ) قالوا : والمقصرين يا رسول الله ، قال : ( اللهم ارحم المحلقين ) قالوا : والمقصرين يا رسول الله ، قال : ( والمقصرين ) . قال علماؤنا : ففي دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة دليل على أن الحلق في الحج والعمرة أفضل من التقصير ، وهو مقتضى قوله تعالى : " ولا تحلقوا رؤوسكم " الآية ، ولم يقل تقصروا . وأجمع أهل العلم على أن التقصير يجزئ عن الرجال ، إلا شيء ذكر عن الحسن أنه كان يوجب الحلق في أول حجة يحجها الإنسان .

الخامسة : لم تدخل النساء في الحلق ، وأن سنتهن التقصير ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ليس على النساء حلق إنما عليهن التقصير ) . خرجه أبو داود عن ابن عباس . وأجمع أهل العلم على القول به . ورأت جماعة أن حلقها رأسها من المثلة ، واختلفوا في قدر ما تقصر من رأسها ، فكان ابن عمر والشافعي وأحمد وإسحاق يقولون : تقصر من كل قرن مثل الأنملة . وقال عطاء : قدر ثلاث أصابع مقبوضة . وقال قتادة : تقصر الثلث أو الربع . وفرقت حفصة بنت سيرين بين المرأة التي قعدت فتأخذ الربع ، وفي الشابة أشارت بأنملتها تأخذ وتقلل . وقال مالك : تأخذ من جميع قرون رأسها ، وما أخذت من ذلك فهو يكفيها ، ولا يجزي عنده أن تأخذ من بعض القرون وتبقي بعضا . قال ابن المنذر : يجزي ما وقع عليه اسم تقصير ، وأحوط أن تأخذ من جميع القرون قدر أنملة .

السادسة : لا يجوز لأحد أن يحلق رأسه حتى ينحر هديه ، وذلك أن سنة الذبح قبل الحلاق . والأصل في ذلك قوله تعالى : " ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله " وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه سلم ، بدأ فنحر هديه ثم حلق بعد ذلك ، فمن خالف هذا فقدم الحلاق قبل النحر فلا يخلو أن يقدمه خطأ وجهلا أو عمدا وقصدا ، فإن كان الأول فلا شيء عليه ، رواه ابن حبيب عن ابن القاسم ، وهو المشهور من مذهب مالك . وقال ابن الماجشون : عليه الهدي ، وبه قال أبو حنيفة . وإن كان الثاني فقد روى القاضي أبو الحسن أنه يجوز تقديم الحلق على النحر ، وبه قال الشافعي . والظاهر من المذهب المنع ، والصحيح الجواز ، لحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال : ( لا حرج ) رواه مسلم . وخرج ابن ماجه عن عبدالله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن ذبح قبل أن يحلق ، أو حلق قبل أن يذبح فقال : ( لا حرج ) .

السابعة : لا خلاف أن حلق الرأس في الحج نسك مندوب إليه وفي غير الحج جائز ، خلافا لمن قال : إنه مثلة ، ولو كان مثلة ما جاز في الحج ولا غيره ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة ، وقد حلق رؤوس بني جعفر بعد أن أتاه قتله بثلاثة أيام ، ولو لم يجز الحلق ما حلقهم . وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يحلق رأسه . قال ابن عبدالبر : وقد أجمع العلماء على حبس الشعر وعلى إباحة الحلق . وكفى بهذا حجة ، وبالله التوفيق .

قوله تعالى : { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك }فيه تسع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " فمن كان منكم مريضا " استدل بعض علماء الشافعية بهذه الآية على أن المحصر في أول الآية العدو لا المرض ، وهذا لا يلزم ، فإن معنى قوله : " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه " فحلق " ففدية " أي فعليه فدية ، وإذا كان واردا في المرض بلا خلاف كان الظاهر أن أول الآية ورد فيمن ورد فيه وسطها وآخرها ، لاتساق الكلام بعضه على بعض ، وانتظام بعضه ببعض ، ورجوع الإضمار في آخر الآية إلى من خوطب في أولها ، فيجب حمل ذلك على ظاهره حتى يدل الدليل على العدول عنه . ومما يدل على ما قلناه سبب نزول هذه الآية ، روى الأئمة واللفظ للدارقطني : عن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه وقمله يتساقط على وجهه فقال : ( أيؤذيك هوامك ) قال : نعم . ( فأمره أن يحلق وهو بالحديبية ، ولم يبين لهم أنهم يحلون بها وهم على طمع أن يدخلوا مكة ، فأنزل الله الفدية ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطعم فرقا{[1732]} بين ستة مساكين ، أو يهدي شاة ، أو يصوم ثلاثة أيام ) . خرجه البخاري بهذا اللفظ أيضا . فقوله : ولم يبين لهم أنهم يحلون بها ، يدل على أنهم ما كانوا على يقين من حصر العدو لهم ، فإذا الموجب للفدية الحلق للأذى والمرض ، والله أعلم .

الثانية : قال الأوزاعي في المحرم يصيبه أذى في رأسه : إنه يجزيه أن يكفر بالفدية قبل الحلق .

قلت : فعلى هذا يكون المعنى " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " إن أراد أن يحلق ، ومن قدر فحلق ففدية ، فلا يفتدي حتى يحلق ، والله أعلم .

الثالثة : قال ابن عبدالبر : كل من ذكر النسك في هذا الحديث مفسرا فإنما ذكره بشاة ، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء . وأما الصوم والإطعام فاختلفوا فيه ، فجمهور فقهاء المسلمين على أن الصوم ثلاثة أيام ، وهو محفوظ صحيح في حديث كعب بن عجرة . وجاء عن الحسن وعكرمة ونافع قالوا : الصوم في فدية الأذى عشرة أيام ، والإطعام عشرة مساكين ، ولم يقل أحد بهذا من فقهاء الأمصار ولا أئمة الحديث . وقد جاء من رواية أبي الزبير عن مجاهد عن عبد الرحمن عن كعب بن عجرة أنه حدثه أنه كان أهل في ذي القعدة ، وأنه قمل رأسه فأتى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوقد تحت قدر له ، فقال له : ( كأنك يؤذيك هوام رأسك ) . فقال أجل . قال : ( احلق واهد هديا ) . فقال : ما أجد هديا . قال : ( فأطعم ستة مساكين ) . فقال : ما أجد . قال : ( صم ثلاثة أيام ) . قال أبو عمر : كان ظاهر هذا الحديث على الترتيب وليس كذلك ، ولو صح هذا كان معناه الاختيار أولا فأولا ، وعامة الآثار عن كعب بن عجرة وردت بلفظ التخيير ، وهو نص القرآن ، وعليه مضى عمل العلماء في كل الأمصار وفتواهم ، وبالله التوفيق .

الرابعة : اختلف العلماء في الإطعام في فدية الأذى ، فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم : الإطعام في ذلك مدان بمد النبي{[1733]} صلى الله عليه وسلم ، وهو قول أبي ثور وداود . وروي عن الثوري أنه قال في الفدية : من البر نصف صاع ، ومن التمر والشعير والزبيب صاع . وروي عن أبي حنيفة أيضا مثله ، جعل نصف صاع بر عدل صاع تمر . قال ابن المنذر : وهذا غلط ، لأن في بعض أخبار كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( أن تصدق بثلاثة أصوع من تمر على ستة مساكين ) . وقال أحمد بن حنبل مرة كما قال مالك والشافعي ، ومرة قال : إن أطعم برا فمد لكل مسكين ، وإن أطعم تمرا فنصف صاع .

الخامسة : ولا يجزئ أن يغدي المساكين ويعشيهم في كفارة الأذى حتى يعطي كل مسكين مدين بمد النبي صلى الله عليه وسلم . وبذلك قال مالك والثوري والشافعي ومحمد بن الحسن . وقال أبو يوسف : يجزيه أن يغديهم ويعشيهم .

السادسة : أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من حلق شعره وجزه وإتلافه بحلق أو نورة أو غير ذلك إلا في حالة العلة كما نص على ذلك القرآن . وأجمعوا على وجوب الفدية على من حلق وهو محرم بغير علة ، واختلفوا فيما على من فعل ذلك ، أو لبس أو تطيب بغير عذر عامدا ، فقال مالك : بئس ما فعل وعليه الفدية ، وهو مخير فيها ، وسواء عنده العمد في ذلك والخطأ ، لضرورة وغير ضرورة . وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما وأبو ثور : ليس بمخير إلا في الضرورة ، لأن الله تعالى قال : " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه " فإذا حلق رأسه عامدا أو لبس عامدا لغير عذر فليس بمخير وعليه دم لا غير .

السابعة : واختلفوا فيمن فعل ذلك ناسيا ، فقال مالك رحمه الله : العامد والناسي في ذلك سواء في وجوب الفدية ، وهو قول أبي حنيفة والثوري والليث . وللشافعي في هذه المسألة قولان : أحدهما : لا فدية عليه ، وهو قول داود وإسحاق . والثاني : عليه الفدية . وأكثر العلماء يوجبون الفدية على المحرم بلبس المحيط وتغطية الرأس أو بعضه ، ولبس الخفين وتقليم الأظافر ومس الطيب وإماطة الأذى ، وكذلك إذا حلق شعر جسده أو اطلى ، أو حلق مواضع المحاجم . والمرأة كالرجل في ذلك ، وعليها الفدية في الكحل وإن لم يكن فيه طيب . وللرجل أن يكتحل بما لا طيب فيه . وعلى المرأة الفدية إذا غطت وجهها أو لبست القفازين ، والعمد والسهو والجهل في ذلك سواء ، وبعضهم يجعل عليهما دما في كل شيء من ذلك . وقال داود : لا شيء عليهما في حلق شعر الجسد .

الثامنة : واختلف العلماء في موضع الفدية المذكورة ، فقال عطاء : ما كان من دم فبمكة ، وما كان من طعام أو صيام فحيث شاء ، وبنحو ذلك قال أصحاب الرأي . وعن الحسن أن الدم بمكة . وقال طاوس والشافعي : الإطعام والدم لا يكونان إلا بمكة ، والصوم حيث شاء ، لأن الصيام لا منفعة فيه لأهل الحرم ، وقد قال الله سبحانه " هديا بالغ الكعبة{[1734]} " [ المائدة : 95 ] رفقا لمساكين جيران بيته ، فالإطعام فيه منفعة بخلاف الصيام ، والله أعلم . وقال مالك : يفعل ذلك أين شاء ، وهو الصحيح من القول ، وهو قول مجاهد . والذبح هنا عند مالك نسك وليس بهدي لنص القرآن والسنة ، والنسك يكون حيث شاء ، والهدي لا يكون إلا بمكة . ومن حجته أيضا ما رواه عن يحيى بن سعيد في موطئه ، وفيه : فأمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه برأسه - يعني رأس حسين{[1735]} - فحلق ثم نسك عنه بالسقيا{[1736]} فنحر عنه بعيرا . قال مالك قال يحيى بن سعيد : وكان حسين خرج مع عثمان في سفره [ ذلك ]{[1737]} إلى مكة . ففي هذا أوضح دليل على أن فدية الأذى جائز أن تكون بغير مكة ، وجائز عند مالك في الهدي إذا نحر في الحرم أن يعطاه غير أهل الحرم ؛ لأن البغية في إطعام مساكين المسلمين . قال مالك : ولما جاز الصوم أن يؤتى به بغير الحرم جاز إطعام غير أهل الحرم ، ثم إن قوله تعالى : " فمن كان منكم مريضا " الآية ، أوضح الدلالة على ما قلناه ، فإنه تعالى لما قال : " ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " لم يقل في موضع دون موضع ، فالظاهر أنه حيثما فعل أجزأه . وقال : " أو نسك " فسقى ما يذبح نسكا ، وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك ولم يسمه هديا ، فلا يلزمنا أن نرده قياسا على الهدي ، ولا أن نعتبره بالهدي مع ما جاء في ذلك عن علي . وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر كعبا بالفدية ما كان في الحرم ، فصح أن ذلك كله يكون خارج الحرم ، وقد روي عن الشافعي مثل هذا في وجه بعيد .

التاسعة : قوله تعالى : " أو نسك " النسك : جمع نسيكة ، وهي الذبيحة ينسكها العبد لله تعالى . ويجمع أيضا على نسائك . والنسك : العبادة في الأصل ، ومنه قوله تعالى : " وأرنا مناسكنا{[1738]} " [ البقرة : 128 ] أي متعبداتنا . وقيل : إن أصل النسك في اللغة الغسل ، ومنه نسك ثوبه إذا غسله ، فكأن العابد غسل نفسه من أدران الذنوب بالعبادة . وقيل : النسك سبائك الفضة ، كل سبيكة منها نسيكة ، فكأن العابد خلص نفسه من دنس الآثام وسبكها .

قوله تعالى : { فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي }فيه ثلاث عشرة مسألة :

الأولى : قوله تعالى : " فإذا أمنتم " قيل : معناه برأتم من المرض . وقيل : من خوفكم من العدو المحصر ، قاله ابن عباس وقتادة . وهو أشبه باللفظ إلا أن يتخيل الخوف من المرض فيكون الأمن منه ، كما تقدم ، والله أعلم .

الثانية : قوله تعالى : " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج " اختلف العلماء من المخاطب بهذا ؟ فقال عبدالله بن الزبير وعلقمة وإبراهيم : الآية في المحصرين دون المخلى سبيلهم . وصورة المتمتع عند ابن الزبير : أن يحصر الرجل حتى يفوته الحج ، ثم يصل إلى البيت فيحل بعمرة ، ثم يقضي الحج من قابل ، فهذا قد تمتع بما بين العمرة إلى حج القضاء . وصورة المتمتع المحصر عند غيره : أن يحصر فيحل دون عمرة ويؤخرها حتى يأتي من قابل فيعتمر في أشهر الحج ويحج من عامه . وقال ابن عباس وجماعة : الآية في المحصرين وغيرهم ممن خلي سبيله .

الثالثة : لا خلاف بين العلماء في أن التمتع جائز على ما يأتي تفصيله ، وأن الإفراد جائز وأن القرآن جائز ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي كلا ولم ينكره في حجته على أحد من أصحابه ، بل أجازه لهم ورضيه منهم ، صلى الله عليه وسلم . وإنما اختلف العلماء فيما كان به رسول الله صلى الله عليه وسلم محرما في حجته وفي الأفضل من ذلك ، لاختلاف الآثار الواردة في ذلك ، فقال قائلون منهم مالك : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مفردا ، والإفراد أفضل من القران . قال : والقران أفضل من التمتع . وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل ومن أراد أن يهل بحج فليهل ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل ) قالت عائشة : فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج ، وأهل به ناس معه ، وأهل ناس بالعمرة والحج ، وأهل ناس بعمرة ، وكنت فيمن أهل بالعمرة ، رواه جماعة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة . وقال بعضهم فيه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وأما أنا فأهل بالحج ) وهذا نص في موضع الخلاف ، وهو حجة من قال بالإفراد وفضله . وحكى محمد بن الحسن عن مالك أنه قال : إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان مختلفان وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحد الحديثين وتركا الآخر كان في ذلك دلالة على أن الحق فيما عملا به . واستحب أبو ثور الإفراد أيضا وفضله على التمتع والقران ، وهو أحد قولي الشافعي في المشهور عنه . واستجب آخرون التمتع بالعمرة إلى الحج ، قالوا : وذلك أفضل . وهو مذهب عبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير ، وبه قال أحمد بن حنبل ، وهو أحد قولي الشافعي . قال الدارقطني : قال الشافعي : اخترت الإفراد ، والتمتع حسن لا نكرهه . احتج من فضل التمتع بما رواه مسلم عن عمران بن حصين قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله - يعني متعة الحج - وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم تنزل آية تنسخ آية{[1739]} متعة الحج ، ولم ينه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات ، قال رجل برأيه بعد ما شاء . وروى الترمذي حدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن محمد بن عبدالله بن الحارث بن نوفل أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج ، فقال الضحاك بن قيس : لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله تعالى . فقال سعد : بئس ما قلت يا ابن أخي ! فقال الضحاك : فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك . فقال سعد : قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه ، هذا حديث صحيح . وروى ابن إسحاق عن الزهري عن سالم قال : إني لجالس مع ابن عمر في المسجد إذ جاءه رجل من أهل الشام فسأل عن التمتع بالعمرة إلى الحج ، فقال ابن عمر : ( حسن جميل . قال : فإن أباك كان ينهى عنها . فقال : ويلك فإن كان أبي نهى عنها وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر به ، أفبقول أبي آخذ ، أم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ! ؟ قم عني . ) أخرجه الدارقطني ، وأخرجه أبو عيسى الترمذي من حديث صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن سالم . وروي عن ليث عن طاوس عن ابن عباس قال : ( تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان ، وأول من نهى عنها معاوية ) حديث حسن . قال أبو عمر : حديث ليث هذا حديث منكر ، وهو ليث بن أبي سليم ضعيف . والمشهور عن عمر وعثمان أنهما كانا ينهيان عن التمتع ، وإن كان جماعة من أهل العلم قد زعموا أن المتعة التي نهى عنها عمر وضرب عليها فسخ الحج في العمرة . فأما التمتع بالعمرة إلى الحج فلا . وزعم من صحح نهي عمر عن التمتع أنه إنما نهى عنه لينتجع البيت مرتين أو أكثر في العام حتى تكثر عمارته بكثرة الزوار له في غير الموسم ، وأراد إدخال الرفق على أهل الحرم بدخول الناس تحقيقا لدعوة إبراهيم : " فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم{[1740]} " [ إبراهيم : 37 ] . وقال آخرون : إنما نهى عنها لأنه رأى الناس مالوا إلى التمتع ليسارته وخفته ، فخشي أن يضيع الإفراد والقران وهما سنتان للنبي صلى الله عليه وسلم . واحتج أحمد في اختياره التمتع بقوله صلى الله عليه وسلم : ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة ) . أخرجه الأئمة . وقال آخرون : القران أفضل ، منهم أبو حنيفة والثوري ، وبه قال المزني قال : لأنه يكون مؤديا للفرضين جميعا ، وهو قول إسحاق . قال إسحاق : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قارنا ، وهو قول علي بن أبي طالب . واحتج من استحب القران وفضله بما رواه البخاري عن عمر بن الخطاب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق{[1741]} يقول : ( أتاني الليلة آت من ربي فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة ) . وروى الترمذي عن أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لبيك بعمرة وحجة ) . وقال : حديث حسن صحيح . قال أبو عمر : والإفراد إن شاء الله أفضل ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مفردا ، فلذلك قلنا إنه أفضل ، لأن الآثار أصح عنه في إفراده صلى الله عليه وسلم ، ولأن الإفراد أكثر عملا ثم العمرة عمل آخر . وذلك كله طاعة والأكثر منها أفضل . وقال أبو جعفر النحاس : المفرد أكثر تعبا من المتمتع ، لإقامته على الإحرام وذلك أعظم لثوابه . والوجه في اتفاق الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمرنا بالتمتع والقران جاز أن يقال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرن ، كما قال جل وعز : " ونادى فرعون في قومه{[1742]} " [ الزخرف : 51 ] . وقال عمر بن الخطاب : رجمنا ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما أمر بالرجم .

قلت : الأظهر في حجته عليه السلام القران ، وأنه كان قارنا ، لحديث عمر وأنس المذكورين . وفي صحيح مسلم عن بكر عن أنس قال : ( سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة معا{[1743]} ) . قال بكر : فحدثت بذلك ابن عمر فقال : لبى بالحج وحده ، فلقيت أنسا فحدثته بقول ابن عمر ، فقال أنس : ما تَعُدُّونَنَا إلا صِبيانا ! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لبيك عمرة وحجا ) . وفي صحيح مسلم أيضا عن ابن عباس قال : أهل النبي صلى الله عليه وسلم بعمرة وأهل أصحابه بحج ، فلم يحل النبي صلى الله عليه وسلم ولا من ساق الهدي من أصحابه ، وحل بقيتهم .

قال بعض أهل العلم : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قارنا ، وإذا كان قارنا فقد حج واعتمر ، واتفقت الأحاديث . وقال النحاس : ومن أحسن ما قيل في هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بعمرة ، فقال من رآه : تمتع ثم أهل بحجة . فقال من رآه : أفرد ثم قال : ( لبيك بحجة وعمرة ) . فقال من سمعه : قرن . فاتفقت الأحاديث . والدليل على هذا أنه لم يرو أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أفردت الحج ولا تمتعت . وصح عنه أنه قال : ( قرنت ) كما رواه النسائي عن علي أنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي : ( كيف صنعت ) قلت : أهللت بإهلالك . قال ( فإني سقت الهدي وقرنت ) . قال وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه : ( لو استقبلت من أمري كما استدبرت لفعلت كما فعلتم ولكني سقت الهدي وقرنت ) . وثبت عن حفصة قالت : قلت : يا رسول الله ، ما بال الناس قد حلوا من عمرتهم ولم تحلل أنت ؟ قال : ( إني لبدت رأسي وسقت هدي فلا أحل حتى أنحر ) . وهذا يبين أنه كان قارنا ، لأنه لو كان متمتعا أو مفردا لم يمتنع من نحر الهدي .

قلت : ما ذكره النحاس أنه لم يرو أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أفردت الحج ) فقد تقدم من رواية عائشة أنه قال : ( وأما أنا فأهل بالحج ) . وهذا معناه : فأنا أفرد الحج ، إلا أنه يحتمل أن يكون قد أحرم بالعمرة ، ثم قال : فأنا أهل بالحج . ومما يبين هذا ما رواه مسلم عن ابن عمر ، وفيه : وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج ، فلم يبق في قوله : ( فأنا أهل بالحج ) دليل على الإفراد . وبقي قوله عليه السلام : ( فإني قرنت ) . وقول أنس خادمه أنه سمعه يقول : ( لبيك بحجة وعمرة معا ) نص صريح في القران لا يحتمل التأويل . وروى الدارقطني عن عبدالله بن أبي قتادة عن أبيه قال : إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة لأنه علم أنه ليس بحاج بعدها .

الرابعة : وإذا مضى القول في الإفراد والتمتع والقران وأن كل ذلك جائز بإجماع فالتمتع بالعمرة إلى الحج عند العلماء على أربعة أوجه ، منها وجه واحد مجتمع عليه ، والثلاثة مختلف فيها . فأما الوجه المجتمع عليه فهو التمتع المراد بقول الله جل وعز : " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي " وذلك أن يحرم الرجل بعمرة في أشهر الحج - على ما يأتي بيانها - وأن يكون من أهل الآفاق ، وقدم مكة ففرغ منها ثم أقام حلالا{[1744]} بمكة إلى أن أنشأ الحج منها في عامه ذلك قبل رجوعه إلى بلده ، أو قبل خروجه إلى ميقات أهل ناحيته ، فإذا فعل ذلك كان متمتعا وعليه ما أوجب الله على المتمتع ، وذلك ما استيسر من الهدي ، يذبحه ويعطيه للمساكين بمنى أو بمكة ، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام ، وسبعة إذا رجع إلى بلده - على ما يأتي - وليس له صيام يوم النحر بإجماع من المسلمين . واختلف في صيام أيام التشريق على ما يأتي . فهذا إجماع من أهل العلم قديما وحديثا في المتعة ، ورابطها ثمانية شروط : الأول : أن يجمع بين الحج والعمرة . الثاني : في سفر واحد . الثالث : في عام واحد . الرابع : في أشهر الحج . الخامس : تقديم العمرة . السادس : ألا يمزُجَها ، بل يكون إحرام الحج بعد الفراغ من العمرة . السابع : أن تكون العمرة والحج عن شخص واحد . الثامن : أن يكون من غير أهل مكة . وتأمل هذه الشروط فيما وصفنا من حكم التمتع تجدها . والوجه الثاني من وجوه التمتع بالعمرة إلى الحج : القران ، وهو أن يجمع بينهما في إحرام واحد فيهل بهما جميعا في أشهر الحج أو غيرها ، يقول : لبيك بحجة وعمرة معا ، فإذا قدم مكة طاف لحجته وعمرته طوافا واحدا وسعى سعيا واحدا ، عند من رأى ذلك ، وهم مالك والشافعي وأصحابهما وإسحاق وأبو ثور ، وهو مذهب عبدالله بن عمر وجابر بن عبدالله وعطاء بن أبي رباح والحسن ومجاهد وطاوس ، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت : ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فأهللنا بعمرة . . . ) الحديث . وفيه : ( وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا ) أخرجه البخاري . وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة يوم النفر{[1745]} ولم تكن طافت بالبيت وحاضت : ( يسعك طوافك لحجك وعمرتك ) في رواية : ( يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك ) . أخرجه مسلم - أو طاف طوافين وسعى سعيين ، عند من رأى ذلك ، وهو أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي والحسن بن صالح وابن أبي ليلى ، وروي عن علي وابن مسعود ، وبه قال الشعبي وجابر بن زيد . واحتجوا بأحاديث عن علي عليه السلام أنه جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين ، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل . أخرجهما الدارقطني في سننه وضعفها كلها ، وإنما جعل القران من باب التمتع ؛ لأن القارن يتمتع بترك النصب في السفر إلى العمرة مرة وإلى الحج أخرى ، ويتمتع بجمعهما ، ولم يحرم لكل واحد من ميقاته ، وضم الحج إلى العمرة ، فدخل تحت قول الله عز وجل : " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي " . وهذا وجه من التمتع لا خلاف بين العلماء في جوازه . وأهل المدينة لا يجيزون الجمع بين العمرة والحج إلا بسياق الهدي ، وهو عندهم بدنة لا يجوز دونها . ومما يدل على أن القران تمتع قول ابن عمر : إنما جعل القران لأهل الآفاق ، وتلا قول الله جل وعز : " ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام " فمن كان من حاضري المسجد الحرام وتمتع أو قرن لم يكن عليه دم قران ولا تمتع . قال مالك : وما سمعت أن مكيا قرن ، فإن فعل لم يكن عليه هدي ولا صيام ، وعلى قول مالك جمهور الفقهاء في ذلك . وقال عبدالملك بن الماجشون : إذا قرن المكي الحج مع العمرة كان عليه دم القران من أجل أن الله إنما أسقط عن أهل مكة الدم والصيام في التمتع .

والوجه الثالث من التمتع : هو الذي توعد عليه عمر بن الخطاب وقال : ( متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما : متعة النساء ومتعة الحج ) وقد تنازع العلماء في جواز هذا بعد هلم جرا{[1746]} ، وذلك أن يحرم الرجل بالحج حتى إذا دخل مكة فسخ حجه في عمرة ، ثم حل وأقام حلالا حتى يهل بالحج يوم التروية{[1747]} . فهذا هو الوجه الذي تواردت به الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم ( فيه أنه أمر أصحابه في حجته من لم يكن معه هدي ولم يسقه وقد كان أحرم بالحج أن يجعلها عمرة ) وقد أجمع العلماء على تصحيح الآثار بذلك عنه صلى الله عليه وسلم ولم يدفعوا شيئا منها ، إلا أنهم اختلفوا في القول بها والعمل لعلل فجمهورهم على ترك العمل بها ؛ لأنها عندهم خصوص خص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في حجته تلك . قال أبو ذر : ( كانت المتعة لنا في الحج خاصة ) أخرجه مسلم . وفي رواية عنه أنه قال : ( لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة ، يعني متعة النساء ومتعة الحج ) والعلة في الخصوصية ووجه الفائدة فيها ما قاله ابن عباس رضي الله عنه قال : ( {[1748]}كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون{[1749]} المحرم صفرا ويقولون : إذا برأ الدبر ، وعفا الأثر ، وانسلخ صفر ، حلت العمرة لمن اعتمر . فقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة{[1750]} مهلين بالحج ، فأمرهم أن يجعلوها عمرة ، فتعاظم ذلك عندهم فقالوا : يا رسول الله ، أي الحل{[1751]} ؟ قال : ( الحل كله ) . أخرجه مسلم . وفي المسند الصحيح لأبي حاتم عن ابن عباس قال : ( والله ما أعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك ، فإن هذا الحي من قريش ومن دان دينهم كانوا يقولون : إذا عفا الوبر ، وبرأ الدبر ، وانسلخ صفر ، حلت العمرة لمن اعتمر . فقد كانوا يحرمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة ، فما أعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة إلا لينقض ذلك من قولهم ) ففي هذا دليل علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما فسخ الحج في العمرة ليريهم أن العمرة في أشهر الحج لا بأس بها . وكان ذلك له ولمن معه خاصة ؛ لأن الله عز وجل قد أمر بإتمام الحج والعمرة كل من دخل فيها أمرا مطلقا ، ولا يجب أن يخالف ظاهر كتاب الله إلا إلى ما لا إشكال فيه من كتاب ناسخ أو سنة مبينة . واحتجوا بما ذكرناه عن أبي ذر وبحديث الحارث بن بلال عن أبيه قال قلنا : يا رسول الله ، فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة ؟ قال : ( بل لنا خاصة ) . وعلى هذا جماعة فقهاء الحجاز والعراق والشام ، إلا شيء يروى عن ابن عباس والحسن والسدي ، وبه قال أحمد بن حنبل . قال أحمد : لا أرد تلك الآثار الواردة المتواترة الصحاح في فسخ الحج في العمرة بحديث الحارث بن بلال عن أبيه وبقول أبي ذر . قال : ولم يجمعوا على ما قال أبو ذر ، ولو أجمعوا كان حجة ، قال : وقد خالف ابن عباس أبا ذر ولم يجعله خصوصا . واحتج أحمد بالحديث الصحيح ، حديث جابر الطويل في الحج ، وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة ) فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال : يا رسول الله ، ألعامنا هذا أم لأبد ؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى وقال : ( دخلت العمرة في الحج - مرتين{[1752]} - لا بل لأبدٍ أبدٍ ) لفظ مسلم . وإلى هذا والله أعلم مال البخاري حيث ترجم [ باب من لبى بالحج وسماه ] وساق حديث جابر بن عبدالله : قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقول : لبيك بالحج ، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلناها عمرة . وقال قوم : إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإحلال كان على وجه آخر . وذكر مجاهد ذلك الوجه ، وهو أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانوا فرضوا الحج أولا ، بل أمرهم أن يهلوا مطلقا وينتظروا ما يؤمرون به ، وكذلك أهل علي باليمن . وكذلك كان إحرام النبي صلى الله عليه وسلم ، ويدل عليه قوله عليه السلام : ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدى وجعلتها عمرة ) فكأنه خرج ينتظر ما يؤمر به ويأمر أصحابه بذلك ، ويدل على ذلك قوله عليه السلام : ( أتاني آت من ربي في هذا الوادي المبارك وقال قل حجة في عمرة ) . والوجه الرابع من المتعة : متعة المحصر ومن صد عن البيت ، ذكر يعقوب بن شيبة قال حدثنا أبو سلمة التبوذكي حدثنا وهيب حدثنا إسحاق بن سويد قال سمعت عبدالله بن الزبير وهو يخطب يقول : أيها الناس ، إنه والله ليس التمتع بالعمرة إلى الحج كما تصنعون ، ولكن التمتع أن يخرج الرجل حاجا فيحبسه عدو أو أمر يعذر به حتى تذهب أيام الحج ، فيأتي البيت فيطوف ويسعى بين الصفا والمروة ، ثم يتمتع بحله إلى العام المستقبل ثم يحج ويهدي .

وقد مضى القول في حكم المحصر وما للعلماء في ذلك مبينا ، والحمد لله .

فكان من مذهبه أن المحصر لا يحل ولكنه يبقى على إحرامه حتى يذبح عنه الهدي يوم النحر ، ثم يحلق ويبقى على إحرامه حتى يقدم مكة فيتحلل من حجه بعمل عمرة . والذي ذكره ابن الزبير خلاف عموم قوله تعالى : " فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي " بعد قوله : " وأتموا الحج والعمرة لله " ولم يفصل في حكم الإحصار بين الحج والعمرة ، والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين أحصروا بالحديبية حلوا وحل ، وأمرهم بالإحلال .

واختلف العلماء أيضا لم سمي المتمتع متمتعا ، فقال ابن القاسم : لأنه تمتع بكل ما لا يجوز للمحرم فعله من وقت حله في العمرة إلى وقت إنشائه الحج . وقال غيره : سمي متمتعا لأنه تمتع بإسقاط أحد السفرين ، وذلك أن حق العمرة أن تقصد بسفر ، وحق الحج كذلك ، فلما تمتع بإسقاط أحدهما ألزمه الله هديا ، كالقارن الذي يجمع بين الحج والعمرة في سفر واحد ، والوجه الأول أعم ، فإنه يتمتع بكل ما يجوز للحلال أن يفعله ، وسقط عنه السفر بحجه من بلده ، وسقط عنه الإحرام من ميقاته في الحج . وهذا هو الوجه الذي كرهه عمر وابن مسعود ، وقالا أو قال أحدهما : يأتي أحدكم مني وذكره يقطر منيا ، وقد أجمع المسلمون على جواز هذا . وقد قال جماعة من العلماء : إنما كرهه عمر لأنه أحب أن يزار البيت في العام مرتين : مرة في الحج ، ومرة في العمرة . ورأى الإفراد أفضل ، فكان يأمر به ويميل إليه وينهى عن غيره استحبابا ، ولذلك قال : ( افصلوا بين حجكم وعمرتكم ، فإنه أتم لحج أحدكم و[ أتم ]{[1753]} لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج )

الخامسة : اختلف العلماء فيمن اعتمر في أشهر الحج ثم رجع إلى بلده ومنزله ثم حج من عامه ، فقال الجمهور من العلماء : ليس بمتمتع ، ولا هدي عليه ولا صيام . وقال الحسن البصري : هو متمتع وإن رجع إلى أهله ، حج أو لم يحج . قال لأنه كان يقال : عمرة في أشهر الحج متعة ، رواه هشيم عن يونس عن الحسن . وقد روي عن يونس عن الحسن : ليس عليه هدي . والصحيح القول الأول ، هكذا ذكر أبو عمر حج أو لم يحج ولم يذكره ابن المنذر . قال ابن المنذر : وحجته ظاهر الكتاب قوله عز وجل : " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج " ولم يستثن : راجعا إلى أهله وغير راجع ، ولو كان لله جل ثناؤه في ذلك مراد لبينه في كتابه أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد روي عن سعيد بن المسيب مثل قول الحسن . قال أبو عمر : وقد روي عن الحسن أيضا في هذا الباب قول لم يتابع عليه أيضا ، ولا ذهب إليه أحد من أهل العلم . وذلك أنه قال : من اعتمر بعد يوم النحر فهي متعة . وقد روي عن طاوس قولان هما أشد شذوذا مما ذكرنا عن الحسن ، أحدهما : أن من اعتمر في غير أشهر الحج ثم أقام حتى دخل وقت الحج ، ثم حج من عامه أنه متمتع . هذا لم يقل به أحد من العلماء غيره ، ولا ذهب إليه أحد من فقهاء الأمصار . وذلك - والله أعلم - أن شهور الحج أحق بالحج من العمرة ؛ لأن العمرة جائزة في السنة كلها ، والحج إنما موضعه شهور معلومة ، فإذا جعل أحد العمرة في أشهر الحج فقد جعلها في موضع كان الحج أولى به ، إلا أن الله تعالى قد رخص في كتابه وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمل العمرة في أشهر الحج للمتمتع وللقارن ولمن شاء أن يفردها ، رحمة منه ، وجمل فيه ما استيسر من الهدي . والوجه الآخر قاله في المكي إذا تمتع من مصر من الأمصار فعليه الهدي ، وهذا لم يعرج عليه ، لظاهر قوله تعالى : " ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام " والتمتع الجائز عند جماعة العلماء ما أوضحناه بالشرائط التي ذكرناها ، وبالله توفيقنا .

السادسة : أجمع العلماء على أن رجلا من غير أهل مكة لو قدم مكة معتمرا في أشهر الحج عازما على الإقامة بها ، ثم أنشأ الحج من عامه فحج أنه متمتع ، عليه ما على المتمتع . وأجمعوا في المكي يجيء من وراء الميقات محرما بعمرة ، ثم ينشئ الحج من مكة وأهله بمكة ولم يسكن سواها أنه لا دم عليه ، وكذلك إذا سكن غيرها وسكنها وكان له فيها أهل وفي غيرها . وأجمعوا على أنه إن انتقل من مكة بأهله ثم قدمها في أشهر الحج معتمرا فأقام بها حتى حج من عامه أنه متمتع .

السابعة : واتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والثوري وأبو ثور على أن المتمتع يطوف لعمرته بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ، وعليه بعد أيضا طواف آخر بحجة وسعي بين الصفا والمروة . وروي عن عطاء وطاوس أنه يكفيه سعي واحد بين الصفا والمروة ، والأول المشهور ، وهو الذي عليه الجمهور ، وأما طواف القارن فقد تقدم .

الثامنة : واختلفوا فيمن أنشأ عمرة في غير أشهر الحج ثم عمل لها في أشهر الحج ، فقال مالك : عمرته في الشهر الذي حل فيه ، يريد إن كان حل منها في غير أشهر الحج فليس بمتمتع ، وإن كان حل منها في أشهر الحج فهو متمتع إن حج من عامه . وقال الشافعي : إذا طاف بالبيت في الأشهر الحرم للعمرة فهو متمتع إن حج من عامه ، وذلك أن العمرة إنما تكمل بالطواف بالبيت ، وإنما ينظر إلى كمالها ، وهو قول الحسن البصري والحكم بن عيينة وابن شبرمة وسفيان الثوري . وقال قتادة وأحمد وإسحاق : عمرته للشهر الذي أهل فيه ، وروي معنى ذلك عن جابر بن عبدالله . وقال طاوس : عمرته للشهر الذي يدخل فيه الحرم . وقال أصحاب الرأي : إن طاف لها ثلاثة أشواط في رمضان ، وأربعة أشواط في شوال فحج من عامه أنه متمتع . وإن طاف في رمضان أربعة أشواط ، وفي شوال ثلاثة أشواط لم يكن متمتعا . وقال أبو ثور : إذا دخل في العمرة في غير أشهر الحج فسواء أطاف لها في رمضان أو في شوال لا يكون بهذه العمرة متمتعا . وهو معنى قول أحمد وإسحاق : عمرته للشهر الذي أهل فيه .

التاسعة : أجمع أهل العلم على أن لمن أهل بعمرة في أشهر الحج أن يدخل عليها الحج ما لم يفتتح الطواف بالبيت ، ويكون قارنا بذلك ، يلزمه ما يلزم القارن الذي أنشأ الحج والعمرة معا .

واختلفوا في إدخال الحج على العمرة بعد أن افتتح الطواف ، فقال مالك : يلزمه ذلك ويصير قارنا ما لم يتم طوافه ، وروي مثله عن أبي حنيفة ، والمشهور عنه أنه لا يجوز إلا قبل الأخذ في الطواف ، وقد قيل : له أن يدخل الحج على العمرة ما لم يركع ركعتي الطواف . وكل ذلك قول مالك وأصحابه . فإذا طاف المعتمر شوطا واحد لعمرته ثم أحرم بالحج صار قارنا ، وسقط عنه باقي عمرته ولزمه دم القران . وكذلك من أحرم بالحج في أضعاف طوافه أو بعد فراغه منه قبل ركوعه . وقال بعضهم : له أن يدخل الحج على العمرة ما لم يكمل السعي بين الصفا والمروة . قال أبو عمر : وهذا كله شذوذ عند أهل العلم . وقال أشهب : إذا طاف لعمرته شوطا واحدا لم يلزمه الإحرام به ولم يكن قارنا ، ومضى على عمرته حتى يتمها ثم يحرم بالحج ، وهذا قول الشافعي وعطاء ، وبه قال أبو ثور .

العاشرة : واختلفوا في إدخال العمرة على الحج ، فقال مالك وأبو ثور وإسحاق : لا تدخل العمرة على الحج ، ومن أضاف العمرة إلى الحج فليست العمرة بشيء ، قاله مالك ، وهو أحد قولي الشافعي ، وهو المشهور عنه بمصر . وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي في القديم : يصير قارنا ، ويكون عليه ما على القارن ما لم يطف بحجته شوطا واحدا ، فإن طاف لم يلزمه ، لأنه قد عمل في الحج . قال ابن المنذر : وبقول مالك أقول في هذه المسألة .

الحادية عشرة : قال مالك : من أهدى هديا للعمرة وهو متمتع لم يجز ذلك ، وعليه هدي آخر لمتعته ؛ لأنه إنما يصير متمتعا إذا أنشأ الحج بعد أن حل من عمرته ، وحينئذ يجب على الهدي . وقال أبو حنيفة وأبو ثور وإسحاق : لا ينحر هديه إلا يوم النحر . وقال أحمد : إن قدم المتمتع قبل العشر طاف وسعى ونحر هديه ، وإن قدم في العشر لم ينحر إلا يوم النحر ، وقاله عطاء . وقال الشافعي : يحل من عمرته إذا طاف وسعى ، ساق هديا أو لم يسقه .

الثانية عشرة : واختلف مالك والشافعي في المتمتع يموت ، فقال الشافعي : إذا أحرم بالحج وجب عليه دم المتعة إذا كان واجدا لذلك ، حكاه الزعفراني عنه . وروى ابن وهب عن مالك أنه سئل عن المتمتع يموت بعد ما يحرم بالحج بعرفة أو غيرها ، أترى عليه هديا ؟ قال : من مات من أولئك قبل أن يرمي جمرة العقبة فلا أرى عليه هديا ، ومن رمى الجمرة ثم مات فعليه الهدي . قيل له : من رأس المال أو من الثلث ؟ قال : بل من رأس المال .

الثالثة عشرة : قوله تعالى :{ فما استيسر من الهدى } قد تقدم الكلام فيه .

قوله تعالى : { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب }فيه عشر مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " فمن لم يجد " يعني الهدي ، إما لعدم المال أو لعدم الحيوان ، صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده . والثلاثة الأيام في الحج آخرها يوم عرفة ، هذا قول طاوس ، وروي عن الشعبي وعطاء ومجاهد والحسن البصري والنخعي وسعيد بن جبير وعلقمة وعمرو بن دينار وأصحاب الرأي ، حكاه ابن المنذر . وحكى أبو ثور عن أبي حنيفة يصومها في إحرامه بالعمرة ، لأنه أحد إحرامي التمتع ، فجاز صوم الأيام فيه كإحرامه بالحج . وقال أبو حنيفة أيضا وأصحابه : يصوم قبل يوم التروية يوما ، ويوم التروية ويوم عرفة . وقال ابن عباس ومالك بن أنس : له أن يصومها منذ يحرم بالحج إلى يوم النحر ، لأن الله تعالى قال : " فصيام ثلاثة أيام في الحج " فإذا صامها في العمرة فقد أتاه قبل وقته فلم يجزه . وقال الشافعي وأحمد بن حنبل : يصومهن ما بين أن يهل بالحج إلى يوم عرفة ، وهو قول ابن عمر وعائشة ، وروي هذا عن مالك ، وهو مقتضى قوله في موطئه ، ليكون يوم عرفة مفطرا ، فذلك أتبع للسنة ، وأقوى على العبادة ، وسيأتي . وعن أحمد أيضا : جائز أن يصوم الثلاثة قبل أن يحرم . وقال الثوري والأوزاعي : يصومهن من أول أيام العشر ، وبه قال عطاء . وقال عروة : يصومها ما دام بمكة في أيام منى ، وقاله أيضا مالك وجماعة من أهل المدينة . وأيام منى هي أيام التشريق الثلاثة التي تلي يوم النحر . روى مالك في الموطأ عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تقول : " الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج لمن لم يجد هديا ما بين أن يهل بالحج إلى يوم عرفة ، فإن لم يصم صام أيام منى " . وهذا اللفظ يقتضي صحة الصوم من وقت يحرم بالحج المتمتع إلى يوم عرفة ، وأن ذلك مبدأ ، إما لأنه وقت الأداء وما بعد ذلك من ذلك من أيام منى وقت القضاء ، على ما يقول أصحاب الشافعي ، وإما لأن في تقديم الصيام قبل يوم النحر إبراء للذمة ، وذلك مأمور به . والأظهر من المذهب أنها على وجه الأداء ، وإن كان الصوم قبلها أفضل ، كوقت الصلاة الذي فيه سعة للأداء وإن كان أوله أفضل من آخره . وهذا هو الصحيح وأنها أداء لا قضاء ، فإن قوله : " أيام في الحج " يحتمل أن يريد موضع الحج ويحتمل أن يريد أيام الحج ، فإن كان المراد أيام الحج فهذا القول صحيح ؛ لأن آخر أيام الحج يوم النحر ، ويحتمل أن يكون آخر أيام الحج أيام الرمي ، لأن الرمي عمل من عمل الحج خالصا وإن لم يكن من أركانه . وإن كان المراد موضع الحج صامه ما دام بمكة في أيام منى ، كما قال عروة ، ويقوى جدا . وقد قال قوم : له أن يؤخرها ابتداء إلى أيام التشريق ، لأنه لا يجب عليه الصيام إلا بألا يجد الهدي يوم النحر . فإن قيل : الثانية : فقد ذهب جماعة من أهل المدينة والشافعي في الجديد وعليه أكثر أصحابه إلى أنه لا يجوز صوم أيام التشريق لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام أيام منى ، قيل له : إن ثبت النهي فهو عام يخصص منه المتمتع بما ثبت في البخاري أن عائشة كانت تصومها . وعن ابن عمر وعائشة قالا : لم يرخص في أيام التشريف أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي . وقال الدارقطني : إسناده صحيح ، ورواه مرفوعا عن ابن عمر وعائشة من طرق ثلاثة ضعفها . وإنما رخص في صومها لأنه لم يبق من أيامه إلا بمقدارها ، وبذلك يتحقق وجوب الصوم لعدم الهدي . قال ابن المنذر : وقد روينا عن علي بن أبي طالب أنه قال : إذا فاته الصوم صام بعد أيام التشريق ، وقال الحسن وعطاء . قال ابن المنذر : وكذلك نقول . وقالت طائفة : إذا فاته الصوم في العشر لم يجزه إلا الهدي . روي ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس ومجاهد ، وحكاه أبو عمر عن أبي حنيفة وأصحابه عنه ، فتأمله .

الثالثة : أجمع العلماء على أن الصوم لا سبيل للمتمتع إليه إذا كان يجد الهدي ، واختلفوا فيه إذا كان غير واجد للهدي فصام ثم وجد الهدي قبل إكمال صومه ، فذكر ابن وهب عن مالك قال : إذا دخل في الصوم ثم وجد هديا فأحب إلي أن يهدي ، فإن لم يفعل أجزاه الصيام . وقال الشافعي : يمضي في صومه وهو فرضه ، وكذلك قال أبو ثور ، وهو قول الحسن وقتادة ، واختاره ابن المنذر . وقال أبو حنيفة : إذا أيسر في اليوم الثالث من صومه بطل الصوم ووجب عليه الهدي ، وإن صام ثلاثة أيام في الحج ثم أيسر كان له أن يصوم السبعة الأيام لا يرجع إلى الهدي ، وبه قال الثوري وابن أبي نجيح وحماد .

الرابعة : قوله تعالى : " وسبعة " قراءة الجمهور بالخفض على العطف . وقرأ زيد بن علي " وسبعة " بالنصب ، على معنى : وصوموا سبعة .

الخامسة : قوله تعالى : " إذا رجعتم " يعني إلى بلادكم ، قاله ابن عمر وقتادة والربيع ومجاهد وعطاء ، وقاله مالك في كتاب محمد ، وبه قال الشافعي . قال قتادة والربيع : هذه رخصة من الله تعالى ، فلا يجب على أحد صوم السبعة إلا إذا وصل وطنه ، إلا أن يتشدد أحد ، كما يفعل من يصوم في السفر في رمضان . وقال أحمد وإسحاق : يجزيه الصوم في الطريق ، وروي عن مجاهد وعطاء . قال مجاهد : إن شاء صامها في الطريق ، إنما هي رخصة ، وكذلك قال عكرمة والحسن . والتقدير عند بعض أهل اللغة : إذا رجعتم من الحج ، أي إذا رجعتم إلى ما كنتم عليه قبل الإحرام من الحل . وقال مالك في الكتاب : إذا رجع من منى فلا بأس أن يصوم وقال ابن العربي : إن كان تخفيفا ورخصة فيجوز تقديم الرخص وترك{[1754]} الرفق فيها إلى العزيمة إجماعا . وإن كان ذلك توقيتا فليس فيه نص ، ولا ظاهر أنه أراد البلاد ، وأنها المراد في الأغلب{[1755]} .

قلت : بل فيه ظاهر يقرب إلى النص ، يبينه ما رواه مسلم عن ابن عمر قال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى{[1756]} ، فساق معه الهدي من ذي الحليفة ، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج ، وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج ، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ، ومنهم من لم يهد ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس : ( من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه ، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ) الحديث . وهذا كالنص في أنه لا يجوز صوم السبعة الأيام إلا في أهله وبلده ، والله أعلم . وكذا قال البخاري في حديث ابن عباس : ( ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وقد تم حجنا وعلينا الهدي ، كما قال الله تعالى : " فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم{[1757]} . . . ) [ البقرة : 196 ] الحديث وسيأتي . قال النحاس : وكان هذا إجماعا .

السادسة : قوله تعالى : " تلك عشرة كاملة " يقال : كمل يكمل ، مثل نصر ينصر . كمل يكمل ، مثل عظم يعظم . وكمل يكمل ، مثل حمد يحمد ، ثلاث لغات . واختلفوا في معنى قوله : " تلك عشرة " وقد علم أنها عشرة ، فقال الزجاج : لما جاز أن يتوهم متوهم التخيير بين ثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجع بدلا منها ، لأنه لم يقل وسبعة أخرى - أزيل ذلك بالجملة من قوله " تلك عشرة " ثم قال : " كاملة " . وقال الحسن : " كاملة " في الثواب كمن أهدى . وقيل : " كاملة " في البدل عن الهدي ، يعني العشرة كلها بدل عن الهدي . وقيل : " كاملة " في الثواب كمن لم يتمتع . وقيل : لفظها لفظ الإخبار ومعناها الأمر ، أي أكملوها فذلك فرضها . وقال المبرد : " عشرة " دلالة على انقضاء العدد ، لئلا يتوهم متوهم أنه قد بقي منه شيء بعد ذكر السبعة . وقيل : هو توكيد ، كما تقوله : كتبت بيدي . ومنه قول الشاعر :

ثلاث واثنتان فهن خمس *** وسادسة تميل إلى شِمَامِي

فقول " خمس " تأكيد . ومثله قول الآخر :

ثلاث بالغداة فذاك حَسبِي *** وست حين يدركني العشاء

فذلك تسعة في اليوم ريّي *** وشرب المرء فوق الري داء

وقوله : " كاملة " تأكيد آخر ، فيه زيادة توصية بصيامها وألا ينقص من عددها ، كما تقول لمن تأمره بأمر ذي بال : الله الله لا تقصر .

السابعة : قوله تعالى : " ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام " أي إنما يجب دم التمتع عن الغريب الذي ليس من حاضري المسجد الحرام . خرج البخاري " عن ابن عباس أنه سئل عن متعة الحج فقال : أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا ، فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي ) طفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب ، وقال : ( من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله ) ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج ، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقد تم حجنا وعلينا الهدي ، كما قال الله تعالى : " فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم " إلى أمصاركم ، الشاة تجزي ، فجمعوا نسكين في عام بين الحج والعمرة فإن الله أنزله في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وأباحه للناس غير أهل مكة ، قال الله عز وجل : " ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام " وأشهر الحج التي ذكر الله عز وجل شوال وذو القعدة وذو الحجة ، فمن تمتع في هذه الأشهر فعليه دم أو صوم . والرفث : الجماع والفسوق : المعاصي . والجدال : المراء .

الثامنة : اللام في قوله " لمن " بمعنى على ، أي وجوب الدم على من لم يكن من أهل مكة ، كقوله عليه السلام : ( اشترطي لهم الولاء ) . وقوله تعالى : " وإن أسأتم فلها{[1758]} " [ الإسراء : 7 ] أي فعليها . وذلك إشارة إلى التمتع والقران للغريب عند أبي حنيفة وأصحابه ، لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام عندهم . ومن فعل ذلك كان عليه دم جناية لا يأكل منه ؛ لأنه ليس بدم تمتع . وقال الشافعي : لهم دم تمتع{[1759]} وقران . والإشارة ترجع إلى الهدي والصيام ، فلا هدي ولا صيام عليهم . وفرق عبدالملك بن الماجشون بين التمتع والقران ، فأوجب الدم في القران وأسقطه في التمتع ، على ما تقدم عنه .

التاسعة : واختلف الناس في حاضري المسجد الحرام - بعد الإجماع على أن أهل مكة وما اتصل بها من حاضريه . وقال الطبري : بعد الإجماع على أهل الحرم . قال ابن عطية : وليس كما قال - فقال بعض العلماء : من كان يجب عليه الجمعة فهو حضري ، ومن كان أبعد من ذلك فهو بدوي ، فجعل اللفظة من الحضارة والبداوة . وقال مالك وأصحابه هم أهل مكة وما اتصل بها خاصة . وعند أبي حنيفة وأصحابه : هم أهل المواقيت ومن وراءها من كل ناحية ، فمن كان من أهل المواقيت أو من أهل ما وراءها فهم من حاضري المسجد الحرام . وقال الشافعي وأصحابه : هم من لا يلزمه تقصير الصلاة من موضعه إلى مكة ، وذلك أقرب المواقيت . وعلى هذه الأقوال مذاهب السلف في تأويل الآية .

العاشرة : قوله تعالى : " واتقوا الله " أي فيما فرضه عليكم . وقيل : هو أمر بالتقوى على العموم ، وتحذير من شدة عقابه .


[1708]:كذا في الدارقطني وفي الأصول: "كهيئة يوم".
[1709]:في شرح الموطأ للزرقاني: "... على عبد الله بن عامر" وعبد الله بن عامر هذا ابن عثمان وكان واليا له على البصرة.
[1710]:ذو الحليفة (مصغر) قرية خربة بينها وبين مكة مائتا ميل.
[1711]:الجحفة (بضم الجيم وسكون المهملة): قرية خربة بين مكة خمس مراحل، ويقرب منها القرية المعروفة برابغ –براء وموحدة وغين معجمة- فيصح الإحرام منها.
[1712]:قرن: (بفتح فسكون): جبل مشرف على عرفات، وهو على مرحلتين من مكة.
[1713]:يلملم (بفتح التحتية واللام وسكون الميم وفتح اللام): مكان على مرحلتين من مكة
[1714]:ذات عرق: قرية على مرحلتين من مكة.
[1715]:الصبي (بضم الصاد المهملة وفتح الياء الموحدة وتشديد الياء).
[1716]:في نسخ الأصل: "محمد" والتصويب عن سنن الدارقطني.
[1717]:راجع ج 4 ص 142
[1718]:قال أبو حيان في البحر: ينبغي أن يحمل هذا كله على التفسير لأنه مخالف لسواد المصحف الذي أجمع عليه المسلمون.
[1719]:هراق الماء واهرقه وأهراقه: صبه: وأصله: أراقه.
[1720]:راجع ج 3 ص 339
[1721]:البردي (بفتح الموحدة وسكون الراء): نبات يعمل منه الحصر، وبضمها وسكون الراء: ضرب من أجود التمر.
[1722]:محله: أي الموضع والوقت الذي يحل فيهما نحره، وهو يوم النحر بمنى.
[1723]:إشعار الهدى: هو أن يشق أحد السنام جنبي السنام حتى يسيل الدم، ويجعل ذلك علامة لم يعرف لها أنه هدى وتقليده: أن يجعل في عنقه شعار يعلم به أنه هدي.
[1724]:أي أثقلني المرض.
[1725]:أي أدركت الحج ولم تحلل حتى فرغت منه.
[1726]:الصرورة (بالصاد المهملة): الذي لم يحج قط. ويطلق أيضا على من لم يتزوج، وأصله من الصر
[1727]:الزيادة عن كتاب "المنتقى" للباجي يقتضيها السياق.
[1728]:الزيادة عن كتاب "المنتقى" للباجي يقتضيها السياق.
[1729]:راجع ج 5 ص 143
[1730]:راجع ج 16 ص 283
[1731]:راجع ج 12 ص 57
[1732]:الفرق (بالتحريك): مكيال يسع ستة عشر رطلا، وهي اثنا عشر مدا، أو ثلاثة عند أهل الحجاز. وقيل خمسة أقساط، والقسط: نصف صاع. والفرق (بالسكون): مائة وعشرون رطلا. عن نهاية ابن الأثير.
[1733]:في ب، ز: "مدان مدان بمد..."
[1734]:راجع ج 6 ص 314
[1735]:هو حسين بن علي.
[1736]:السقيا: منزل بين مكة والمدينة، يل هي على يومين من المدينة.
[1737]:زيادة عن الموطأ.
[1738]:راجع ص 127 من هذا الجزء.
[1739]:زيادة عن صحيح مسلم.
[1740]:راجع ج 9 ص 373
[1741]:العقيق: موضع بينه وبين المدينة أربعة أميال.
[1742]:راجع ج 16 ض 98
[1743]:عبارة مسلم: "جميعا".
[1744]:الحلال: الخارج من الإحرام.
[1745]:يوم النفر (بفتح النون وتسكين الفاء وفتحها): اليوم الذي ينفر (ينزل) الناس فيه من منى.
[1746]:كذا في الأصل. وفي المنتقى للباجي بحث طويل في هذه المسألة فارجع إليه.
[1747]:يوم التروية: يوم قبل يوم عرفة، وهو الثامن من ذي الحجة؛ سمي به لأن الحجاج يرتوون فيه من الماء وينضهون إلى منى ولا ماء بها.
[1748]:الضمير في "كانوا" يعود إلى الجاهلية.
[1749]:قوله: ويجعلون المحرم صفرا" المراد الإخبار النسئ الذي كانوا يفعلونه وكانوا يسمون المحرم صفرا ويحلونه، وينسئون المرحم، أيي يؤخرون تحريمه إلى ما بعد صفر لئلا يتولى عليهم ثلاثة أشهر محرمة تضيق عليهم أمورهم من الغارة وغيرها. والدبر: الجرح الذي يحصل في ظهر الإبل من اصطكاك الأقتاب، فإنها كانت تدبر بالسير عليها للحج. وعفا الأثر: أي درس وامحى، والمراد أثر الإبل وغيرها في سيرها، عفا أثرها لطول مرور الأيام. وقال الخطابي: المراد أثر الدبر. وهذه الألفاظ تقرأ كلها ساكنة الآخر ويوقف عليها؛ لأن مرادهم السجع. عن شرح النووي لتصحيح مسلم.
[1750]:أي صبح رابعة من ذي الحجة.
[1751]:قوله: "أي الحل" أي هل هو الحل العام لكل ما حرم بالإحرام حتى بالجماع، أو حل خاص.
[1752]:قوله: مرتين. أي قاله مرتين.
[1753]:الزيادة عن الموطأ.
[1754]:كذا في أحكام القرآن لابن العربي. وفي نسخ الأصل: "بدل".
[1755]:عبارة ابن العربي: "... ولا ظاهر أنه أراد البلاد، وإنما المراد في الأغلب والأظهر فيه أنه الحج".
[1756]:في الأصول: "من أهل".
[1757]:قوله: "إلى أمصاركم": تفسير من ابن عباس للرجوع".
[1758]:راجع ج 10 ص 217
[1759]:لفظة "دم" ساقطة من ب، ج، ز.