الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا} (67)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا} في غير حق، {ولم يقتروا} يعني: ولم يمسكوا عن حق، {وكان بين ذلك قواما} يعني: بين الإسراف والإقتار مقتصدا.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: والذين إذا أنفقوا أموالهم لم يسرفوا في إنفاقها.

ثم اختلف أهل التأويل في النفقة التي عناها الله في هذا الموضع، وما الإسراف فيها والإقتار؛

فقال بعضهم: الإسرافُ ما كان من نفقة في معصية الله، وإن قلّت. قال: وإياها عني الله، وسماها إسرافا، قالوا: والإقتار المنع من حقّ الله...

وقال آخرون: الإسرافُ هو أن تأكل مال غيرك بغير حقّ... والصواب من القول في ذلك، قول من قال: الإسراف في النفقة الذي عناه الله في هذا الموضع: ما جاوز الحدّ الذي أباحه الله لعباده إلى ما فوقه، والإقتار: ما قصر عما أمر الله به، والقوام: بين ذلك.

وإنما قلنا إن ذلك كذلك، لأن المسرف والمقتر كذلك، ولو كان الإسراف والإقتار في النفقة مرخصا فيهما ما كانا مذمومين، ولا كان المسرف ولا المقتر مذموما، لأن ما أذن الله في فعله فغير مستحقّ فاعله الذمّ. فإن قال قائل: فهل لذلك من حدّ معروف تبينه لنا؟ قيل: نعم، ذلك مفهوم في كلّ شيء من المطاعم والمشارب والملابس والصدقة وأعمال البرّ وغير ذلك، نكره تطويل الكتاب بذكر كلّ نوع من ذلك مفصلاً، غير أن جملة ذلك هو ما بيّنا، وذلك نحو أكل آكل من الطعام فوق الشبع ما يضعف بدنه، وينهك قواه، ويشغله عن طاعة ربه، وأداء فرائضه، فذلك من السرف، وأن يترك الأكل وله إليه سبيل حتى يضعف ذلك جسمه، ويَنْهَك قواه، ويضعفه عن أداء فرائض ربه، فذلك من الإقتار، وبين ذلك القَوام على هذا النحو، كلّ ما جانس ما ذكرنا. فأما اتخاذ الثوب للجمال، يلبسه عند اجتماعه مع الناس، وحضوره المحافل والجمع والأعياد، دون ثوب مهنته، أو أكله من الطعام ما قوّاه على عبادة ربه، مما ارتفع عما قد يسدّ الجوع، مما هو دونه من الأغذية، غير أنه لا يعين البدن على القيام لله بالواجب معونته، فذلك خارج عن معنى الإسراف، بل ذلك من القَوام، لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أمر ببعض ذلك، وحضّ على بعضه، كقوله: «ما عَلى أحَدِكُمْ لَوِ اتّخَذَ ثَوْبَيْنِ. ثَوْبا لِمِهْنَتِهِ، وَثَوْبا لِجُمْعَتِهِ وَعِيدِهِ» وكقوله: «إذَا أنْعَمَ اللّهُ عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً أحَبّ أنْ يَرَى أثَرَهُ عَلَيْهِ»، وما أشبه ذلك من الأخبار التي قد بيّناها في مواضعها.

وأما قوله:"وكانَ بينَ ذلكَ قَوَاما" فإنه النفقة بالعدل والمعروف، على ما قد بيّنا... والقوام في كلام العرب، بفتح القاف، وهو الشيء بين الشيئين. تقول للمرأة المعتدلة الخلق: إنها لحسنة القوام في اعتدالها... فمعنى الكلام: وكان إنفاقهم بين الإسراف والإقتار قواما معتدلاً، لا مجاوزة عن حدّ الله، ولا تقصيرا عما فرضه الله، ولكن عدلاً بين ذلك على ما أباحه جلّ ثناؤه، وأذن فيه ورخص.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا}، قال بعضهم: {لم يسرفوا} في غير حق؛ كسبوا طيبا، وأنفقوا قصدا، وأعطوا فضلا، لا جحودا، واستيسروا. {ولم يقتروا} أي ولم يمسكوا عن الحق.

{وكان بين ذلك قوما} أي بين الإسراف والتقتير مقصدا.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

الإسرافُ أن تنفق في الهوى وفي نصيب النّفْس، فأمّا ما كان لله فليس فيه إسراف، والإقتارُ ما كان ادخاراً عن الله. فأمَّا التضييقُ على النَّفْس منعاً لها عن اتباع الشهوات ولتتعودَ الاجتراء باليسير فليس بالإقتار المذموم.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

اختلف المفسرون في هذه الآية في الإنفاق، فعبارة أكثرهم أن الذي لا يسرف هو المنفق في الطاعة، وإن أسرف، والمسرف هو المنفق في المعصية وإن قل إنفاقه، وأن المقتر هو الذي يمنع حقاً عليه، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وابن زيد، وقال عون بن عبد الله بن عتبة «الإسراف» أن تنفق مال غيرك. ونحو هذه الأقوال التي هي غير مرتبطة بلفظ الآية، وخلط الطاعة والمعصية بالإسراف والتقتير فيه نظر، والوجه أن يقال أن النفقة في المعصية أمر قد حظرت الشريعة قليله وكثيره، وكذلك التعدي على مال الغير، وهؤلاء الموصوفون منزهون عن ذلك، وإنما التأديب بهذه الآية هو في نفقة الطاعات وفي المباحات، فأدب الشرع فيها أن لا يفرط الإنسان حتى يضيع حقاً آخر أو عيالاً ونحو هذا وأن لا يضيق أيضاً ويقتر حتى يجيع العيال ويفرط في الشح، والحسن في ذلك هو القوام، أي المعتدل، والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله وخفة ظهره وصبره وجلده على الكسب أو ضد هذه الخصال، وخير الأمور أوسطها، ولهذا ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر يتصدق بجميع ماله لأن ذلك وسط بنسبة جلده وصبره في الدين ومنع غيره من ذلك،

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{والذين إذا أنفقوا} أي للخلق أو الخالق في واجب أو مستحب {لم يسرفوا} أي يجاوزوا الحد في النفقة بالتبذير، فيضيعوا الأموال في غير حقها فيكونوا إخوان الشياطين الذين هم من النار ففعلهم فعلها {ولم يقتروا} أي يضيقوا فيضيعوا الحقوق؛ ثم بين العدل بقوله: {وكان} أي إنفاقهم {بين ذلك} أي الفعل الذي يجب إبعاده. ولما علم أن ما بين الطرفين المذمومين يكون عدلاً، صرح به في قوله: {قواماً} أي عدلاً سواء بين الخلقين المذمومين: الإفراط والتفريط، تخلقاً بصفة قوله تعالى {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن نزل بقدر ما يشاء} [الشورى: 27] وهذه صفة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم و رضي عنهم -كانوا لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة ولا يلبسون ثوباً للجمال والزينة، بل كانوا يأكلون ما يسد الجوعة، ويعين على العبادة، ويلبسون ما يستر العورة، ويكنّ من الحر والقر، قال عمر رضي الله عنه: كفى سرفاً أن لا يشتهي الرجل شيئاً إلا اشتراه فأكله.

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير لابن باديس 1359 هـ :

وقدم نفي السرف على نفي التقتير؛ لأن الإسراف شرهما، ففيه مجاوزة الحدود، وضياع المال، وفي التقتير مفسدته مع بقاء المال فينفقه في الخير، وقد يبقى لغيره فينتفع به.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وهم في حياتهم نموذج القصد والاعتدال والتوازن: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا، وكان بين ذلك قواما).. وهذه سمة الإسلام التي يحققها في حياة الأفراد والجماعات؛ ويتجه إليها في التربية والتشريع، يقيم بناءه كله على التوازن والاعتدال. والمسلم -مع اعتراف الإسلام بالملكية الفردية المقيدة- ليس حرا في إنفاق أمواله الخاصة كما يشاء -كما هو الحال في النظام الرأسمالي، وعند الأمم التي لا يحكم التشريع الإلهي حياتها في كل ميدان. إنما هو مقيد بالتوسط في الأمرين الإسراف والتقتير. فالإسراف مفسدة للنفس والمال والمجتمع؛ والتقتير مثله حبس للمال عن انتفاع صاحبه به وانتفاع الجماعة من حوله فالمال أداة اجتماعية لتحقيق خدمات اجتماعية. والإسراف والتقتير يحدثان اختلالا في المحيط الاجتماعي والمجال الاقتصادي، وحبس الأموال يحدث أزمات ومثله إطلاقها بغير حساب. ذلك فوق فساد القلوب والأخلاق. والإسلام وهو ينظم هذا الجانب من الحياة يبدأ به من نفس الفرد، فيجعل الاعتدال سمة من سمات الإيمان: (وكان بين ذلك قواما).

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والمعنى: أنهم يضعون النفقات مواضعها الصالحة كما أمرهم الله فيدوم إنفاقهم وقد رغب الإسلام في العمل الذي يدوم عليه صاحبه، وليسير نظام الجماعة على كفاية دون تعريضه للتعطيل فإن الإسراف من شأنه استنفاد المال فلا يدوم الإنفاق، وأما الإقتار فمن شأنه إمساكُ المال فيُحرم من يستأهله.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

وإن النص الكريم يفهم منه أمران:

أحدهما ألا ينفق في حرام قط، وألا يضن عن حلال موجود إلا تربية للنفس وتهذيبا، وفطما لها عن الشهوات، ولذا كان عمر رضي الله عنه يعد من يطلب كل ما يشتهي مسرفا، لأنه إذا حق الأمر لا يستطيع قدع نفسه عن شهواتها...

الأمر الثاني أن الإنفاق بين الإسراف والقتر يختلف باختلاف أحوال الأشخاص، فإذا كان الرجل كسوبا عليه أن ينفق في الحلال والجهاد بمقدار كسبه وطاقته ما دام ينفق في مطلوب، وما دام كسبه واسعا، ولقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم من أب بكر كل موفور ماله لأنه تاجر كسوب، يعرف مواضع الكسب والخسارة، ولم يقبله من غيره، وقد قال تعالى: {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو… (219)} [البقرة]، أي السهل اللين الذي لا يجهد ذا المال إنفاقه ولا يصعب عليه.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا} (67)

قوله تعالى : " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا " اختلف المفسرون في تأويل هذه الآية . فقال النحاس : ومن أحسن ما قيل في معناه أن من أنفق في غير طاعة الله فهو الإسراف ، ومن أمسك عن طاعة الله عز وجل فهو الإقتار ، ومن أنفق في طاعة الله تعالى فهو القوام . وقال ابن عباس : من أنفق مائة ألف في حق فليس بسرف ، ومن أنفق درهما في غير حقه فهو سرف ، ومن منع من حق عليه فقد قتر . وقاله مجاهد وابن زيد وغيرهما . وقال عون بن عبد الله : الإسراف أن تنفق مال غيرك . قال ابن عطية : وهذا ونحوه غير مرتبط بالآية ، والوجه أن يقال : إن النفقة في معصية أمر قد حظرت الشريعة قليله وكثيره وكذلك التعدي على مال الغير ، وهؤلاء الموصوفون منزهون عن ذلك ، وإنما التأديب في هذه الآية هو في نفقة الطاعات في المباحات ، فأدب الشرع فيها ألا يفرط الإنسان حتى يضيع حقا آخر أو عيالا ونحو هذا ، وألا يضيق أيضا ويقتر حتى يجيع العيال ويفرط في الشح ، والحسن في ذلك هو القوام ، أي العدل ، والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله ، وخفة ظهره وصبره وجلده على الكسب ، أو ضد هذه الخصال ، وخير الأمور أوساطها ؛ ولهذا ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق أن يتصدق بجميع ماله ؛ لأن ذلك وسط بنسبة جلده وصبره في الدين ، ومنع غيره من ذلك . ونعم ما قال إبراهيم النخعي : هو الذي لا يجيع ولا يعرى ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف . وقال يزيد بن أبي حبيب : هم الذين لا يلبسون الثياب لجمال ، ولا يأكلون طعاما للذة . وقال يزيد أيضا في هذه الآية : أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا لا يأكلون طعاما للتنعيم واللذة ، ولا يلبسون ثيابا للجمال ، ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع ويقويهم على عبادة ربهم ، ومن اللباس ما يستر عوراتهم ويكنهم من الحر والبر . وقال عبد الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز حين زوجه ابنته فاطمة : ما نفقتك ؟ فقال له عمر : الحسنة بين سيئتين ، ثم تلا هذه الآية . وقال عمر بن الخطاب : كفى بالمرء سرفا ألا يشتهي شيئا إلا اشتراه فأكله . وفي سنن ابن ماجة عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت ) وقال أبو عبيدة : لم يزيدوا على المعروف ولم يبخلوا . كقوله تعالى : " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط " [ الإسراء : 29 ] وقال الشاعر :

ولا تغلُ في شيء من الأمر واقتصد *** كِلاَ طرفي قصد الأمور ذميم

وقال آخر :

إذا المرء أعطى نفسه كل ما اشتهت *** ولم ينهها تاقت إلى كل باطل

وساقت إليه الإثم والعار بالذي *** دعته إليه من حلاوة عاجل

وقال عمر لابنه عاصم : يا بني ، كل في نصف بطنك ، ولا تطرح ثوبا حتى تستخلقه ، ولا تكن من قوم يجعلون ما رزقهم الله في بطونهم وعلى ظهورهم . ولحاتم طي :

إذا أنت قد أعطيت بطنك سؤله *** وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا

قوله تعالى : " ولم يقتروا " قرأ حمزة والكسائي والأعمش وعاصم ويحيى بن وثاب على اختلاف عنهما " يقتروا " بفتح الياء وضم التاء ، وهي قراءة حسنة ، من قتر يقتر . وهذا القياس في اللازم ، مثل قعد يقعد . وقرأ أبو عمرو بن العلاء وابن كثير بفتح الياء وكسر التاء ، وهي لغة معروفة حسنة . وقرأ أهل المدينة وابن عامر وأبو بكر عن عاصم بضم الياء وكسر - التاء . قال الثعلبي : كلها لغات صحيحة . النحاس : وتعجب أبو حاتم من قراءة أهل المدينة هذه ؛ لأن أهل المدينة عنده لا يقع في قراءتهم الشاذ ، وإنما يقال : أقتر إذا افتقر ، كما قال عز وجل : " وعلى المقتر قدره " [ البقرة : 236 ] وتأول أبو حاتم لهم أن المسرف يفتقر سريعا . وهذا تأويل بعيد ، ولكن التأويل لهم أن أبا عمر الجرمي حكى عن الأصمعي أنه يقال للإنسان إذا ضيق : قتر يقتر ويقتر ، وأقتر يقتر . فعلى هذا تصح القراءة ، وإن كان فتح الياء أصح وأقرب متناولا ، وأشهر وأعرف . وقرأ أبو عمرو والناس " قواما " بفتح القاف ، يعني عدلا . وقرأ حسان بن عبد الرحمن : " قواما " بكسر القاف ، أي مبلغا وسدادا وملاك حال . والقوام بكسر القاف ، ما يدوم عليه الأمر ويستقر . وقيل : هما لغتان بمعنى . و " قواما " خبر كان ، واسمها مقدر فيها ، أي كان الإنفاق بين الإسراف والقتر قواما . قاله الفراء . وله قول آخر يجعل " بين " اسم كان وينصبها ؛ لأن هذه الألفاظ كثير استعمالها فتركت على حالها في موضع الرفع . قال النحاس : ما أدري ما وجه هذا ؛ لأن " بينا " إذا كانت في موضع رفع رفعت ، كما يقال : بين عينيه أحمر .